بدأت السلطات السورية اليوم السبت، نقل مقاتلين أكراد من حيّ الشيخ مقصود في حلب نحو مناطق سيطرة الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرق سوريا، وفق ما أفاد التلفزيون السوري الرسمي، بعدما أعلن الجيش وقف عملياته في الحي إثر معارك عنيفة.
وأعلن التلفزيون الرسمي السوري "نقل مقاتلين من تنظيم قسد أعلنوا استسلامهم في مشفى ياسين بالحافلات إلى مدينة الطبقة بإشراف وزارة الداخلية"، فيما شاهد مراسل "فرانس برس" عند مدخل الشيخ مقصود 4 حافلات على الأقلّ تقلّ مقاتلين تخرج من الحي بمواكبة قوات الأمن.
استهداف بالمسيّرات
وتضاربت المعلومات اليوم السبت، بشأن توقف الاشتباكات في حي الشيخ مقصود، ففيما أعلن الجيش السوري وقف العمليات العسكرية، نفت "قسد" ذلك، متحدثةً عن اشتباكات لا تزال تجري في الحي.
وفي سياق التطورات الميدانية، استهدفت مسيّرتان أطلقتْهما قوات "قسد" مبنى محافظة حلب ومبنى الأمن الداخلي في منطقة حلب الجديدة، في تصعيد ميداني متزامن، فيما اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري و"قسد" على محور سد تشرين ومحاور دير حافر شرق حلب
ونقل "العربي الجديد" عن مصادر أن "قسد" تستخدم طائرات مسيّرة من طراز "مهاجر 3" الإيرانية الصنع في قصف أحياء المدينة.
وأدانت وزارة الخارجية السورية استهداف المباني الحكومية والأحياء السكنية بالمسيّرات، واعتبرت ذلك "اعتداءً إرهابياً" وانتهاكاً صارخاً للتفاهمات الأمنية، مؤكدةً أن هذا التصعيد يفرض ضرورة إنفاذ القانون في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية لبسط سلطة الدولة على كامل التراب السوري.
وفي بيان لاحق، قالت الخارجية إن ما جرى هو "عملية إنفاذ قانون محدودة النطاق والأهداف"، جاءت بعد انتهاكات متكررة للترتيبات الأمنية المتفق عليها.
وشددت على أن العملية لا تنطوي على تغيير ديموغرافي، ولا تستهدف أي فئة على أساس عرقي أو ديني، وأنها تقتصر على جماعات مسلحة تعمل خارج أي إطار أمني رسمي.
وأكدت أن المجتمع الكردي جزء أصيل من نسيج مدينة حلب، وأن الدولة أعطت أولوية قصوى لحماية المدنيين عبر فتح ممرات إنسانية آمنة.
رواية قسد: حرب شوارع
في المقابل، قالت "قسد" إن مقاتليها فجروا ثلاث دبابات تابعة للحكومة السورية، وقالت إن هذه الدبابات كانت تقصف مستشفى خالد فجر في الجزء الغربي من حي الشيخ مقصود.
وأضافت أن "حرب شوارع" تدور في المنطقة، وسط قصف مكثف بالدبابات واستهداف بالمسيّرات.
كما نفت "قسد" استهدافها أي منطقة مدنية في حلب، مؤكدة أن جميع الادعاءات التي يُروَّج لها بهذا الشأن "كاذبة ولا تستند إلى وقائع حقيقية". وكذلك ما أعلنته السلطات السورية عن وقف إطلاق النار في حي الشيخ مقصود، مؤكدة في بيان أن "هذه الادعاءات كاذبة جملة وتفصيلاً"، مُتَّهِمة القوات الحكومية بمواصلة قصف مستشفى خالد فجر المدني بالدبابات والطيران المسيّر، ما أدى إلى إصابة عدد من المدنيين بجروح. واعتبرت أن هذه "الادعاءات تفضح الوجه الإجرامي الحقيقي لمليشيات حكومة دمشق"، مؤكدة أن ما يجري "يعكس تكرار الأسلوب ذاته الذي اتبعته الحكومة في الساحل والسويداء من حيث قصف المدنيين واستهداف البنى المدنية".
إعلان تمشيط الشيخ مقصود
من جانبه، أعلن قائد الأمن الداخلي في مدينة حلب العقيد محمد عبد الغني، سيطرة قواته على حي الشيخ مقصود بعد تمشيطه، وقال إن دخول الأمن الداخلي إلى الحي يهدف إلى "تأمين المدنيين ونزع السلاح المنتشر خارج إطار الدولة"، مؤكداً أن الدولة السورية "لن تسمح باستغلال القضايا الطائفية أو العرقية لتحقيق مصالح خاصة".
وأضاف أن سوريا "لا تشهد تمييزاً بين الطوائف أو الأعراق"، متهماً بعض الجهات والأحزاب بمحاولة توظيف هذه القضايا لخدمة أهدافها، واصفاً ذلك بـ"المرفوض".
وأشار عبد الغني إلى أن الانتشار الأمني جاء بعد محاولات استمرت لمدة عام عبر اتفاقيات متعددة لمعالجة ملف السلاح، مؤكداً أن الهدف هو حصر السلاح بيد الدولة.
وشدد على أن تعليمات وزارة الداخلية كانت واضحة وصارمة بخصوص الالتزام بالسلوك المهني، محذراً من أن أي تجاوز من قبل العناصر الأمنية سيقابل بإجراءات وعقوبات قانونية.
كما كشف عن توفر معلومات لدى الأجهزة الأمنية تفيد باختباء أفراد من "قسد" داخل نفق في محيط مشفى ياسين، مؤكداً متابعة هذه المعلومات ضمن الإجراءات الأمنية الجارية.
إعلان وقف العمليات العسكرية
وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري قد أعلنت وقف جميع العمليات العسكرية داخل حي الشيخ مقصود اعتباراً من الساعة الثالثة بعد ظهر السبت، وفق بيان نقلته وكالة "سانا". وقالت الهيئة إن مسلحي "قسد" المتحصنين داخل مشفى ياسين سيتم ترحيلهم إلى مدينة الطبقة بريف الرقة بعد سحب أسلحتهم، في إطار الترتيبات الأمنية الجارية. وأضافت أن الجيش سيبدأ بتسليم جميع المرافق الصحية والحكومية إلى مؤسسات الدولة المختصة، على أن ينسحب تدريجياً من شوارع الحي بالتوازي مع تثبيت الوضع الأمني.
في المقابل، نفت "قسد" هذه الرواية، مؤكدة أن الاشتباكات ما زالت مستمرة، وأن القوات الحكومية تواصل استهداف المرافق الطبية، وخصوصاً مستشفى خالد فجر، معتبرة ذلك "جريمة حرب مكتملة الأركان".
حافلات إلى الطبقة
ودخلت حافلات إلى حي الشيخ مقصود لنقل مقاتلي "قسد" الذين سلّموا أنفسهم داخل مستشفى ياسين إلى مدينة الطبقة بريف الرقة، وأفادت مصادر إعلامية متطابقة أن عدد من عناصر "قسد" سلموا أنفسهم للجيش السوري بعد حصار دام أكثر من ساعتين داخل المستشفى.
وأضافت المصادر أن عنصرين من "قسد" فجّرا نفسيهما داخل الحي بعد رفضهما الاستسلام، في حين لا تزال عمليات التمشيط مستمرة داخل عدد من الأبنية بحثاً عن عناصر آخرين يشتبه بتحصنهم فيها.
وأعلنت وزارة الداخلية السورية انتشار وحدات من قواها الأمنية في حي الشيخ مقصود بعد انتهاء الجيش من عمليات التمشيط، بهدف حماية المدنيين، والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، ومنع أي مظاهر فوضى، بالتنسيق الكامل مع وحدات الجيش.
مشفى ياسين نقطة عسكرية
وأدان مدير صحة حلب محمد وجيه جمعة قيام مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني بطرد الكوادر الطبية والعاملين من مشفى ياسين وتحويله إلى نقطة عسكرية، واصفاً ذلك بأنه "جريمة خطيرة بحق القطاع الصحي وانتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية". ودعا المنظمات الدولية إلى إدانة هذه الانتهاكات بشكل واضح والعمل على ضمان حماية المنشآت الصحية.
وقال وزير الإعلام السوري حمزة مصطفى إن مجموعات تابعة لـ"قسد" حولت مرافق مدنية، بينها مستشفيات ومراكز طبية، إلى نقاط تمركز عسكرية تستهدف من خلالها المدنيين، مؤكداً ضرورة تحييد المدنيين وعدم الزج بالمرافق الخدمية في الأعمال العسكرية، التزاماً بالقانون الدولي الإنساني.
اشتباكات شرق حلب
وفي الوقت نفسه، اندلعت اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري و"قسد" على محور سد تشرين ومحاور دير حافر شرق حلب، بالتزامن مع التصعيد في الشيخ مقصود، واستخدام الأسلحة الثقيلة والطيران المسيّر.
وقالت "الإدارة الذاتية" في شمال وشرق سوريا إن حيّي الشيخ مقصود والأشرفية يتعرضان منذ السادس من كانون الثاني/ يناير لهجمات "عنيفة وممنهجة" من قبل القوات الحكومية، معتبرة أنها ترقى إلى "جرائم حرب مكتملة الأركان".
واعتبرت أن الهدف هو ارتكاب مجازر بحق السكان وفرض التهجير القسري وتغيير التركيبة السكانية لمدينة حلب، متهمة تركيا بالدعم المباشر وبمشاركة "جماعات متطرفة" قالت إن بعض رموزها تشير إلى تنظيم "داعش".
ويأتي التصعيد في ظل تعثر تنفيذ اتفاق الأول من نيسان/ أبريل الماضي بين الحكومة السورية والجانب الكردي، الذي نص على خروج مقاتلي "قسد" بأسلحتهم، بما فيها الثقيلة، من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ومن محافظة حلب، وتسليم إدارة الحيين إلى مجلس محافظة حلب بمشاركة ممثلين عن سكانهما من مختلف المكونات. غير أن كثيراً من بنود الاتفاق لم تُنفذ، ما قاد إلى التصعيد الحالي.
ترامب: نريد أن نرى العنف يتوقف
وأبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب تفاؤله بإمكانية وقف التصعيد في حلب، قائلاً: "نحن على علاقة جيدة مع الأكراد والحكومة السورية، وهما عدوان منذ سنوات، ونريد أن نرى سوريا تنجح… أعتقد أنه أُحرز تقدم، لكن هذا العنف يندلع مرة أخرى، ونريد أن نراه يتوقف".
وبحث نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي مع المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس برّاك الجهود الرامية إلى تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب السلمي لـ"قسد" من حلب، وضمان أمن جميع المدنيين.
وأكد الجانبان التزام الأردن والولايات المتحدة دعم هذه الجهود، إضافة إلى ضرورة التنفيذ الفوري لاتفاق 10 آذار/ مارس 2025 بين الحكومة السورية و"قسد".
وأكد الصفدي وبرّاك استمرار العمل المشترك على تطبيق خريطة الطريق الخاصة بإنهاء أزمة السويداء واستقرار جنوب سوريا، التي أُقرت في 16 أيلول/ سبتمبر 2025 حلب.
