تنقيب إسرائيلي مسموم في صحراء النقب

ناصر زيدانالسبت 2026/01/10
Image-1767968969
إسرائيل استولت على جزء من النقب وغيرته اسمه إلى بئر السبع وإيلات Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

من ضمن عدة الهروب الى الأمام التي يعتمدها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو؛ يحاول استخدام صحراء النقب العربية، واستثمارها سلبياً في مشاريع مَقيتة لتحشيد شعبيته المتهالكة، ولإطالة أمد الحروب والاضطرابات للهروب من المُساءلة القضائية المُحكمة التي قد تودعه السجن، فعملية طلب العفو عنه اقتربت من الفشل، لأنه رفض ربط العفو باعتزال السياسة من جهة، ومن جهة ثانية فإن النائب العامة الإسرائيلية غالي بهراف ميارا  أوصت الرئيس إسحاق هرتسوغ، برفض الطلب، انطلاقاً من مبدأ عدم جواز العفو قبل المحاكمة، كما أن المظاهرات الشعبية الحاشدة الرافضة للعفو كانت ضاغطة أيضاً على هرتسوغ، ولم تنفع المتابعة الحثيثة  للرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصول العفو الى النهاية المرجوة منه.

يُنقِّب نتنياهو وأركان حكومته على مؤامرات جديدة في صحراء النَقَب، ويحاول تجهيز طبخة مسمومة لسكانها العرب تحت شعار تنظيم حياتهم اليومية وتخفيف الجرائم وتطوير وسائل العيش لديهم، لكن الهدف الأساسي غير المُعلن عنده، هو تقويض حراكهم أو تهجيرهم. وكان واضحاً في قوله جهاراً أثناء جولته مع وزيري الدفاع والأمن ومسؤولين عسكريين في مدن وبلدات الصحراء، الأربعاء الماضي: "نريد إعادة النَقَب إلى دولة إسرائيل".

 

صحراء النَقَب كانت تخضع للحكم العربي حتى إبان الاحتلال الروماني للمنطقة منذ ما قبل ميلاد السيد المسيح، تزيد مساحتها عن 13 ألف كلم مربع. لم يخرج أهلها من البدو والعشائر العربية من أرضهم إبان عدوان العام 1948، وما زال أكثر من 400 ألف منهم يقطنون فيها، وهؤلاء نصف سكانها الحاليين تقريباً وقبِلوا الهوية الإسرائيلية، وانخرطوا في مؤسسات الدولة، ومنها الجيش. أما شمال الصحراء الخصب (بئر السبع)، فاغتصبها المحتلون بالكامل، وصادروا أراضيها ومياهها وبنوا المستوطنات عليها، كما غيَّروا اسم عاصمة الصحراء الجنوبية التي تقع مقابل خليج العقبة من "أيلة" إلى "إيلات". ورغم كل هذا التعاون من سكان الصحراء الأصليين؛ ينبري قادة إسرائيل اليوم لإعداد مشروع عدواني يستهدفهم، والمشروع مترابط مع منهجية مكابرة انفلاشية مشبوهة وصلت في أذيتها إلى حدود أرض الصومال.

 

من المؤكد أن الخطط الاستيطانية التي تحدث عنها نتنياهو وصحبه من الوزراء أثناء جولتهم الاستفزازية في النَقَب، تهدف لتغيير هوية المنطقة بالكامل، والتحرَُش بمصر كونها تحدّ النَقَب من الناحية الغربية وهناك صلات قربى بين قبائل الجهتين، وسبق لقادة اسرائيل أن عرضوا على أهالي الصحراء إقامة دولة مستقلة تمتد إلى سيناء إبان احتلالهم للمنطقة بعد عدوان العام 1967، ولكن قادة العشائر رفضوا العرض، وتمسَّك سكان النَقَب بإنتمائهم العربي الفلسطيني، وعشائر سيناء رفضوا أي تخلٍ عن هويتهم المصرية.

تحتجّ إسرائيل بأن تهريب الأسلحة إلى قطاع غزَّة كان يحصل عن طريق مناطق صحراء النَقَب، وبأن الوضع الأمني في الصحراء المترامية مُتفلِّت ويزداد فيه المُعادين لدولة إسرائيل، لكن الرؤى العدوانية الإسرائيلية اتجاه المنطقة تتطلَّع للاستيلاء على أراضي سكان النَقَب، وتخشى من التنامي الديمغرافي للعشائر العربية، وهؤلاء لا تُقيدهم التكنولوجيا، ولا الارتباط بالخدمات العصرية، لأنهم يعيشون حياتهم مع الطبيعة، ويأكلون من خيراتها، ولا تنتشر بينهم الأمراض الحديثة، والإحصاءات تؤكد أنهم لا يعرفون مرض السرطان بالمطلق. وبالتالي هم لا يحتاجون لخدمات دولة الاحتلال، وهي لا تُساعدهم بشيء منذ وقوعهم تحت الاحتلال.

 

حكومة نتنياهو تحاول استغلال الاختلال الهائل في توازنات القوى في المنطقة، لترسيخ احتلالها لأراضي الفلسطينيين ولزيادة عمليات الاستيطان، في مقاربة تستند إلى "وعد تاريخي" كما يقولون، بينما هذا الوعد واهٍ في حقيقة الأمر وليس فيه أية وقائع أو أسُس، والميثولوجيا التي تتباه قائمة على أسفارٍ مزورة أو تفسيرٍ خاطئ لما ورد في العهد القديم. وقبل أيام معدودة، لزَّمت هذه الحكومة بناء 3 آلاف و401 وحدة سكنية استيطانية شرق مدينة القدس، وهو المشروع المتوقف منذ 30 عاماً، بسبب الاعتراضات الدولية والشعبية عليه، لأنه يستبيح حقوق الفلسطينيين، ويعزُل المدينة المُقدسة عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية.

والضفة الغربية بغالبية مدنها وقراها تعاني من اعتداءات القوات الإسرائيلية والمسلحين من المستوطنين، بينما صرَّح وزير المالية المتطرِّف بتسلئيل سموتريتش، بأن هدف إسرائيل إنهاء السلطة الفلسطينية التي انبثقت عن  اتفاق أوسلوا عام 1993، ولولا تدخل الرئيس الأميركي استجابة لنداءات عربية، لكانت الأوضاع أكثر سوءاً مما هو عليه الحال اليوم.

 

تُنقِّب إدارة الاحتلال الإسرائيلي باستمرار لتحقيق منافع لها وإنتاج سموم لغيرها، ولا تُقابل المبادرات الإيجابية اتجاهها بأي احترام، لا سيما المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت للرؤساء العرب في العام 2002، وأيدتها أكثر من 164 دولة عضوة بالأمم المتحدة. وقد وصل بها الأمر اليوم إلى البحث عن الحجّج لتهجير أهالي صحراء النقب وإذلالهم، بعد أن سوَّت منشآت قطاع غزَّة بكاملها بالأرض، وأصبح منطقة منكوبة غير صالحة للحياة البشرية، واعتداءاتها مستمرَّة على الفلسطينيين هناك رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

جولة نتنياهو والوفد المرافق إلى النَقَب؛ تنقيبٌ بالسموم عن مشكلات سياسية وأمنية جديدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث