أعلن جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني اعتقال "أجنبي" للاشتباه في تجسسه لصالح إسرائيل.
وجاء ذلك بينما تشير السلطات الإيرانية إلى أنها قد تكثف حملتها الأمنية ضد أكبر موجة احتجاجات مناهضة للحكومة منذ سنوات، حيث حمّل الحرس الثوري "إرهابيين" مسؤولية الاضطرابات، وتعهد بـ"حماية النظام الحاكم" وإنجازات "الثورة الإسلامية"، معتبراً أن الحفاظ على الأمن "خط أحمر".
وتتهم السلطات طهران كلاً من واشنطن وتل أبيب بتأجيج الاضطرابات واستغلال المطالب الشعبية المشروعة لتحويلها إلى فوضى أمنية.
عنف ميداني
وبعد يوم من إصدار الرئيس الأميركي دونالد ترامب تحذيراً جديداً بأن الولايات المتحدة قد تتدخل، وردت تقارير عن أعمال عنف في أنحاء متفرقة من البلاد، بالرغم أن الانقطاع شبه الكامل للإنترنت يجعل من الصعب تقييم الحجم الحقيقي للاضطرابات.
وأظهرت مقاطع فيديو جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحققت وكالة "رويترز" من مواقع تصويرها، حشوداً كبيرة في طهران، مع إضرام النيران في الشوارع ليلاً. وفي أحد المقاطع من منطقة سعدات آباد شمال غرب العاصمة، يُسمع رجل يقول: "الحشود قادمة… الموت للديكتاتور، الموت لخامنئي".
كما ذكرت وسائل إعلام رسمية أن مبنى تابعاً للبلدية أُحرق في مدينة كرج غرب طهران، وألقت باللوم على "مثيري الشغب"، فيما بث التلفزيون الرسمي لقطات لجنازات أفراد من قوات الأمن قالت إنهم قُتلوا في احتجاجات بمدينة شيراز وقم وهمدان.
انتشار عسكري واسع
وقال شاهد عيان في غرب إيران، تواصلت معه "رويترز" هاتفياً، إن قوات الحرس الثوري انتشرت بكثافة في المنطقة. وفي بيان بثه التلفزيون الرسمي، اتهم الحرس الثوري "إرهابيين" باستهداف قواعد عسكرية وأمنية خلال الليلتين الماضيتين، مؤكداً سقوط قتلى من المواطنين وقوات الأمن، وإحراق ممتلكات عامة وخاصة.
بدوره، أعلن الجيش الإيراني أنه "سيحمي ويصون المصالح الوطنية والبنية التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة"، في لهجة توحي باستعداد المؤسسة العسكرية للانخراط المباشر في مواجهة أي تصعيد.
اعتقالات جماعية
وأفادت وكالة "تسنيم" باعتقال 100 من "المشاغبين المسلحين" في قضاء بهارستان جنوب غربي طهران. وقال حاكم القضاء عبد الحميد شرفي إن المعتقلين كانوا يحملون أسلحة نارية وبيضاء لاستخدامها ضد المواطنين وقوات الأمن.
وفي محافظة لرستان غرب البلاد، أعلنت الشرطة اعتقال أكثر من 100 شخص، إضافة إلى تفكيك خليتين "إرهابيتين" في مدينتي بروجرد وخرم آباد، كانتا مزودتين بأسلحة نارية لاستخدامها في الاحتجاجات، وفق الرواية الرسمية.
في المقابل، نقلت "رويترز" عن طبيب في شمال غرب إيران قوله إن المستشفيات استقبلت منذ الجمعة أعداداً كبيرة من المتظاهرين المصابين، بعضهم تعرّض للضرب المبرح، وآخرون أُصيبوا بطلقات نارية حية. وأوضح أن ما لا يقل عن 20 شخصاً أُصيبوا بالرصاص في أحد المستشفيات، توفي خمسة منهم لاحقاً.
وقال مكتب العلاقات العامة للحرس الثوري إن ثلاثة من عناصر قوات "الباسيج" قتلوا وأصيب خمسة آخرون في اشتباكات بمدينة غاشساران جنوب غرب البلاد. كما قُتل ضابط أمن طعناً في همدان، وقُتل نجل العميد الراحل نور علي شوشتري في مشهد، إضافة إلى مقتل عنصرين آخرين في شوشتر بمحافظة خوزستان.
ترامب يهدد وروبيو يدعم
على الجانب الأميركي، صعّد الرئيس دونالد ترامب من لهجته، قائلاً: "من الأفضل ألا تبدأوا بإطلاق النار، لأننا سنبدأ بإطلاق النار أيضاً"، مضيفاً أنه سيراقب الوضع وأن الولايات المتحدة قد توجه "ضربات قاتلة" إذا قُتل المتظاهرون، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود قوات أميركية على الأرض.
كما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في منشور على منصة "إكس"، إن "الولايات المتحدة تدعم الشعب الإيراني الشجاع".
في المقابل، حمّل مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، سعيد إيرواني، واشنطن مسؤولية "أعمال الشغب والعنف" في بلاده، متهماً إياها بممارسة التدخل عبر "التهديد والتحريض والحث المتعمد على العنف"، ومندداً بما وصفه بـ"التدخل الأميركي الإسرائيلي المنسق" في الشؤون الإيرانية الداخلية.
الجيش الإيراني يحذّر
وأصدر الجيش الإيراني بياناً حذّر فيه من "مؤامرة الغرباء لضرب استقرار البلاد ونشر الفوضى"، مشيراً إلى ما وصفه بمحاولات أميركية مستمرة منذ 47 عاماً للعودة إلى إيران والسيطرة عليها. وأكد أن "العدو، بدعم من الكيان الصهيوني وجماعات إرهابية، يسعى لضرب الأمن العام"، متوعداً بالتصدي الحازم لأي تهديد يستهدف منشآت البلاد وبناها التحتية.
شهدت البلاد هدوءاً نسبياً ليل الجمعة – السبت، مع تسجيل تجمعات محدودة في طهران ومدن مثل تبريز ومشهد. ونقل مراسل "العربي الجديد" أن العاصمة كانت اليوم السبت هادئة عموماً، رغم بقاء آثار العنف في شوارع وسط المدينة، لا سيما آزادي وانقلاب، مع إغلاق أجزاء واسعة من سوق طهران.
وقال المتحدث باسم الشرطة الإيرانية إن "مشاهدات ميدانية أظهرت هدوءاً عاماً"، مرجعاً ذلك إلى "مشاركة شعبية واسعة في مسيرات احتجاجية ضد أعمال العنف المسلحة".
دور إقليمي ورسائل سياسية
وعلى وقع هذه التطورات، وصل وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى طهران، حيث أجرى مباحثات مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، في زيارة تكتسب أهمية خاصة نظراً للدور التاريخي لعُمان كوسيط بين طهران وواشنطن.
كما جدّد عراقجي اتهاماته للولايات المتحدة وإسرائيل بالتدخل المباشر في الاحتجاجات، قائلاً إنهما تحاولان تحويل الاحتجاجات السلمية إلى "احتجاجات عنيفة وانقسامية".
من جهتها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين السبت، إن أوروبا تدعم الاحتجاجات الشعبية الإيرانية وتدين "القمع العنيف" للمتظاهرين.
وجاء في منشور لفون دير لايين على شبكة الإنترنت "إن خطوات النساء والرجال الإيرانيين المطالبين بالحرية يتردّد صداها في شوارع طهران وفي مدن حول العالم. حرية الكلام وحرية التجمّع وحرية السفر وقبل كل شيء العيش بحرية. أوروبا تدعمهم بالكامل".
وأضافت: "نحن ندين بشكل لا لبس فيه القمع العنيف لهذه التظاهرات المشروعة"، معتبرة أن التاريخ سيحاسب المسؤولين عنه.
