لم يأسف الرأي العام الإيراني علی سقوط نظام بشار الأسد في سوريا إنما كان الشغل الشاغل للإيرانيين عموماً هو مصير عشرات المليارات من الدولارات التي استثمرتها إيران في مختلف الصناعات السورية والقروض المقدمة لحكومة الأسد في سبيل تثبيتها. بعد اختطاف الرئيس الفنزولي نيكولا مادورو، بات الإيرانيون يتساءلون عما سيحدث لمليارات الدولارات التي أنفقتها إيران على استثماراتها في فنزويلا.
مع سقوط الرئيس الفنزويلي، لم تفقد الحكومة الإيرانية أحد أهم حلفائها في أميركا اللاتينية فحسب، بل شعرت بشكل متزايد بخطر سقوطها عبر التدخل العسكري للولايات المتحدة وإسرائيل. بالطبع، هناك فرق كبير بين إيران وفنزويلا، وهو أن فنزويلا لم تتعرض للتهديد من قبل إسرائيل قط، لكن إيران تشعر بتهديد إسرائيل القادرة على فرض رغبتها على الولايات المتحدة.
قاعدة لإيران وحزب الله
تواجد إيران الأمني والعسكري في أميركا اللاتينية تسبب بإزعاج الولايات المتحدة وكان لافتاً أن وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو اعتبر أن انحياز مادورو لإيران وتحويل فنزويلا إلى قاعدة لإيران وحزب الله كان أحد أسباب الإطاحة به.
وزعم روبيو أن البيت الأبيض أبلغ فنزويلا يوم الأربعاء الماضي، وفقاً لتقرير "إيه بي سي نيوز"، أنه يجب عليها طرد الصين وروسيا وإيران وكوبا من البلاد وقطع العلاقات الاقتصادية معها قبل أن تحصل على إذن لزيادة إنتاج النفط.
لذلك فإن سقوط مادورو يحمل رسالة خاصة لإيران، وبعد قص أجنحة إيران في فلسطين ولبنان وسوريا، يواجه النفوذ الإيراني في أميركا اللاتينية مخاطر المواجهة مع الولايات المتحدة الأميركية.
من التحالف الأيديولوجي إلى التحالف الأمني
بدأت علاقات إيران مع فنزويلا في عهد الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، لكن العلاقات بين الجانبين اقتصرت على بناء مجمعات سكنية في فنزويلا من قبل شركات إيرانية، لكنها بلغت ذروتها في عهد محمود أحمدي نجاد، حيث أبرمت إيران تحالفاً أيديولوجيا ضد الولايات المتحدة.
كانت فنزويلا واحدة من الوجهات الرئيسية لرحلات أحمدي نجاد، استقبال الرئيس الأسبق هوغو شافيز الحار وفّر فرصة ممتازة لعروض أحمدي نجاد الدعائية والاستعراضية. كان للرئيسين نقاط مشتركة في السلوكيات الشعبوية والاستعراضية والنرجسية والشعارات المعادية للإمبريالية، وقد تصدر قائمة الدول التي تمتلك أكبر احتياطيات نفط في العالم، وعلى الرغم من الاحتياطيات النفطية هائلة، فقد أصيب البلدان بلعنة النفط، وعملتاهما الآن في صدارة العملات الأقل قيمة في العالم، كما أن مستويات التضخم فيهما بلغت الأعلى عالمياً وليس ذلك الا بسبب معاداتهما للولايات المتحدة.
مع نهاية حكومة أحمدي نجاد، توقفت العديد من المشاريع الاقتصادية الإيرانية في فنزويلا خلال عهد الرئيس حسن روحاني المعروف بميوله الاعتدالية تجاه الغرب، ولكن في عهد إبراهيم رئيسي، تم إحياؤها مرة أخرى خلال السنوات الأربع الماضية، وخلال زيارته لفنزويلا، تم التوقيع على مئات المذكرات والاتفاقيات بين الجانبين، وأُطلقت المشاريع المتوقفة مرة أخرى، بالإضافة إلى المشاريع الصاروخية والطائرات المسيرة. وراحت إيران التي تعاني من أشد العقوبات، ترسل أموالها مرة أخرى إلى بلد في أميركا اللاتينية بدلاً من إنفاقها على شعبها الجائع، للحفاظ على الشعارات المعادية للإمبريالية.
استعمار مقلوب
على عكس القوى الاستعمارية الكبرى التي كانت تنهب الموارد الفولاذية والنفطية القيمة للدول المستعمرة، فقد أنفقت إيران مواردها المالية في أي مكان في العالم وفر لها ساحة للحضور الدعائي والأيديولوجي. لم تكن استثمارات إيران في دول أخرى، من لبنان وسوريا إلى السودان وفنزويلا والسنغال ومناطق أخرى في العالم، خاضعة لمنطق الاقتصاد ودراسة الجدوى، بل تندرج في إطار منطق الصراع الحضاري المزعوم بين الإسلام والغرب.
في هذا الصراع الحضاري المزعوم، يقف الإسلام كله ممثلاً بإيران في مواجهة الكفر كله الذي تمثله الولايات المتحدة، وعلى إيران أن تدفع ثمن هذا الصراع الحضاري، والهدف المقدس المتمثل في تدمير "الاستكبار العالمي" يبرر كل هذه التكاليف، لأن هذه الطريقة، مهما كانت مكلفة، فإن نهايتها واضحة، وهي "تحقيق النصر الإلهي".
قائمة استثمارات إيران في فنزويلا
يشمل سجل إيران في فنزويلا بناء 18 مستشفى ومصنعين لتجميع سيارات شركة إيران خودرو، ومصنع لتصنيع سيارات سايبا، ومصنعين لإنتاج الطائرات المسيرة ومصنع لإنتاج الصواريخ، وبناء 1800 كيلومتر من الطرق السريعة والطرق، ومصنعين كبيرين لإنتاج الألواح والحديديات، وبناء 20 موقعاً لإنتاج المياه المحلاة، وإنشاء وتجهيز شركات الحفر واستخراج النفط.
لكن إنشاء 30 مجمعاً ثقافيا للدعوة للإسلام في مدن فنزويلا المختلفة يُظهر أن الحكومة الإيرانية لا تنظر إلى علاقاتها الخارجية من منطق الدولة والاقتصاد، بل من منطق الدعوة والتبشير الديني، وإذا كانت كل تلك الإجراءات في مجال التنمية والصحة والعلاج والمشاريع العسكرية والتكرير والسيارات والصلب مكلفة، فإن إنشاء ثلاثين مركز للتبشير الديني في بلد غالبية سكانه من المسيحيين يعد إنجازاً كبيراً للجمهورية الإسلامية، من وجهة نظر حكامها، حتى لو لم يعد ذلك بالنفع على الشعب الإيراني.
يقول الخبراء إن إيران تدين لها فنزويلا بما بين ملياري وثمانية مليارات دولار، لكن مع سقوط مادورو، تبددت الآمال في استرداد هذا الدين.
