العراق: بعد البرلمان.. من سيكون رئيسا الحكومة والجمهورية؟

GettyImages-1242442610.jpg
العملية السياسية تحكمها التوافقات بعيداً عن مبدأ الأغلبية السياسية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا كانت عملية إنتخاب رئيس للبرلمان العراقي قد مرت بسلاسة وبدون تعقيدات وضمن المهلة والسياقات الدستورية، فإن الأمر لا يبدو كذلك بما يتعلق بانتخاب رئيسا الجمهورية والوزراء القادميين.

في عراق مابعد العام 2003، قد يبدو من الوهلة الأولى أن العملية السياسية لا تزال تحكمها التوافقات بعيداً عن مبدأ الأغلبية السياسية، لكن واقع الحال يشير عكس ذلك. فما كان سائداً بالأمس لم يعد كذلك اليوم. فهذه التوافقات أصبحت مؤخراً مجرد عنوان يتحكم به ما بات يعرف عراقياً بـ "المكون الاجتماعي الأكبر"، في إشارة إلى المكون الشيعي

وهذا ماحدث في عملية إنتخاب رئيس للبرلمان، فقد أطاح التحفظ أو الفيتو الشيعي بطموح زعيم حزب تقدم ورئيس البرلمان الأسبق محمد الحلبوسي والذي لم يتمكن من العودة إلى كرسي رئاسة البرلمان، رغم حصوله على مرتبة متقدمة بالإنتخابات التشريعية.

ويتوقع أن يتكرر هذا السيناريو في عملية إنتخاب رئيس للجمهورية، خاصة اذا لم يتفق الكورد على مرشح واحد. وفي ظل هكذا تقاطعات حادة، نجحت الأغلبية السياسية الشيعية من فرض إرادتها على الجميع وأصبح (أو يكاد) الحديث عن مبدأ التوافق في المشهد السياسي في العراق جزءاً من الماضي.

ولأن العُرف السياسي كان سيد الموقف في كل مشهد يعقب الإنتخابات التشريعية وخاصة في عملية توزيع المناصب الرئاسية الثلاثة، ومنذ العام 2005، حيث جرت أول انتخابت برلمانية في العراق بعد الغزو الأميركي، فقد أصبح منصب رئيس البرلمان من حصة المكون السُني، ومنصب رئيس الجمهورية من حصة المكون الكوردي، بينما ذهب منصب رئيس مجلس الوزراء للمكون الشيعي.

وعبثاً حاولت قوى سياسية سُنية تغيير هذه المعادلة هذه المرة، وتحديداً عندما طالب زعيم حزب تقدم محمد الحلبوسي بأن يكون منصب رئيس الجمهورية لهذه الدورة الانتخابية للسُنة وأن يكون منصب رئاسة البرلمان من حصة الكورد. لكن دعواته إنقلبت ضده بعد أن استفزت هذه الدعوات زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود بارزاني الذي وقف مسانداً للإطار التنسيقي وعرقلة محاولاته العودة لمنصب رئيس البرلمان.

 

من هو رئيس الجمهورية المقبل؟

يدعو الدستور العراقي إلى إنتخاب رئيس الجمهورية بأغلبية الثلثين وخلال ثلاثين يوماً من تاريخ انعقاد أول جلسة والتي انعقدت بتاريخ التاسع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي. ومع إعلان البرلمان العراقي غلق باب الترشيح للمنصب يوم الخامس من الشهر الجاري، بلغ عدد المتقدمين للمنصب أربعة وأربعين مرشحاً، من بينهم واحد وثلاثين من المكون الكوردي.

بحسب العرف السياسي في إقليم كوردستان، فإن المنصب يعتبر من حصة الإتحاد الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه بافل الطالباني نجل الرئيس الراحل جلال الطالباني.

لم ياتِ هذا العُرف اعتباطاً، فقد كان جزءاً من إتفاق الحزبين الكورديين في العام 2005 تضمن تقاسم المناصب السيادية بين الإتحاد الوطني والديمقراطي الكوردستاني. حيث اتفق آنذاك أن يكون منصب رئيس الجمهورية لصالح الإتحاد الوطني ومنصب رئيس الإقليم للديمقراطي الكوردستاني.

لكن الديمقراطي الكردستاني بات يعتقد منذ الدورة الماضية إن هذا الإتفاق لم يعد صالحاً وإن ثقله البرلماني يؤهله للمطالبة بمنصب رئيس الجمهورية، وهو ما يرفضه الإتحاد الوطني الذي يعتبر المنصب "حقاً ثابتاً" له وإن الإخلال به سيكون سبباً في الإخلال بالتوازنات السياسية والتي يمكن أن تضرب الإستقرار في الإقليم.

ومع إستمرار هذه التقاطعات، قدم الإتحاد الوطني مرشحاً واحداً للمنصب وهو نزار آميدي، والذي عمل مديراً لمكتب رئيس الجمهورية في الفترة الماضية ولأكثر من دورة. فيما قدم الديمقراطي الكوردستاني مرشحين إثنين وهما فؤاد حسين وزير الخارجية العراقية الحالي، ونوزاد هادي محافظ اربيل.

ومن شان هذا الانقسام أن ينعكس بشكل مباشر على القوى السياسية جميعاً في بغداد والتي يتوقع أن تشهد مواقفها السياسية إنقساماً داخل قبة البرلمان عندما تحين جلسة إنتخاب رئيس الجمهورية.

ومع هذا التعقيد في المشهد فإن ترجيحات تكرار سيناريو ماحدث داخل قبة البرلمان قبل أربعة سنوات تبقى قائمة عندما لم يتمكن البرلمان من إنتخاب رئيس للجمهورية من أول عملية تصويت، بسبب تقدم أكثر من مرشح للمنصب نتيجة الإنقسام في الموقف الكوردي آنذاك

ينص الدستور العراقي على إنتخاب رئيس للجمهورية بأغلبية ثلثي عدد أعضاء البرلمان ( أي 220 صوت). وفي حال لم يتمكن البرلمان من حسم الأمر من الجولة الأولى، تعاد عملية التصويت بين المرشحيَن اللذان حصلا على أعلى الأصوات في الجولة الاُولى، ويعتبر المرشح الذي يحصل على أعلى الأصوات في الجولة الثانية هو الفائز، وبغض النظر عن عدد الأصوات التي حصل عليها.

 حتى الآن، لم تعلن القوى السياسية الشيعية التي تمتلك الأغلبية النيابية، ولا السُنية موقفاً واضحاً بشأن دعم أي من هؤلاء المرشحين، لكن التوقعات تدفع باتجاه فوز مرشح الإتحاد الوطني الذي يعتبر حليفاً تاريخياً للقوى الشيعية.

ويُعتبر عبد اللطيف رشيد الرئيس العراقي الحالي، إضافة إلى القيادي في الإتحاد الوطني مُلا بختيار أبرز المرشحين للمنصب واللذان أعلنا ترشيحهما بشكل منفرد.

 

من هو رئيس الوزراء القادم؟

شيعياً، لا يبدو الأمر أفضل من الحال الذي عليه الأحزاب الكوردية. فالإطار التنسيقي الذي يضم كل القوى البرلمانية الشيعية الفائزة بالإنتخابات لم يتوصل حتى الآن إلى إتفاق بشأن إسم المرشح لمنصب رئيس مجلس الوزراء القادم.

ورغم أن الوقت لا يزال مبكراً أمام الإطار التنسيقي لحسم هذا الإستحقاق بحسب المُهل الدستورية، لكن إستمرار التقاطعات الحادة داخل الإطار لا تبشر بخير. ينص الدستور العراقي أن على رئيس الجمهورية "يُكلف مرشح الكتلة النبايبة الأكثر عدداً بتشكيل الحكومة خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ انتخابه".

عملياً، فقد أعلن الإطار التنسيقي وبشكل رسمي في جلسة البرلمان الاُولى أنه الكتلة البرلمانية الأكثر عدداً. وهذا يعني أنه سيكون صاحب الحق في تسمية المرشح لمنصب رئيس الوزراء بحسب تفسير المحكمة الاتحادية للنص الدستوري في العام 2010، وهو تفسير لا يزال يشهد جدلاً سياسياً كبيراً بشأنه.

يُعتبر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أبرز المرشحين للمنصب. فقد تمكن التحالف الذي يتزعمه وهو تحالف الإعمار والتنمية، من الفوز بالإنتخابات. ومن أبرز المرشحين الآخرين هو رئيس الوزراء الأسبق وزعيم تحالف دولة القانون نوري المالكي.

وإلى جانب هذين الإسمين يبرز إسم حيدر العبادي رئيس الوزراء الأسبق والذي إنسحب من الإنتخابات البرلمانية إحتجاجاً على ماوصفها هيمنة "المال السياسي"، من الأسماء المرشحة للمنصب. ويعتقد كثيرون أن العبادي يمكن أن يكون مرشح تسوية خاصة إذا لم يتمكن السوداني والمالكي من حسم الخلاف بينهما.

وإذا كان الإطار التنسيقي قد أعلن قبل أيام أن مرشحه لمنصب رئيس الوزراء سيكون جاهزاً وسيتم الإعلان عنه قبل أربعة وعشرين ساعة فقط من إنتخاب رئيس الجمهورية، فان الموقف الكوردي فيما يتعلق بالإتفاق على مرشح بعينه يبدو هو الإخر مساراً صعباً ومعقداً حتى الآن.

كل هذه المسارات تزيد من ضبابية الموقف في وقت بات العراق بحاجة ماسة إلى حكومة جديدة بصلاحيات كاملة قادرة على إيجاد حلول للعديد من المسارات المعقدة يقف في مقدمتها الملف الإقتصادي الذي باتت تعقيداته وتداعياته تشكل قلقاً متصاعدا للعراقيين وأن يتسبب هذا الملف بايصال البلاد إلى منزلقات حادة سيكون من الصعب جداً الإيفاء بمتطلباتها

             

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث