أعلنت هيئة العمليات في الجيش السوري، أن الجيش سيبدأ استهدافاً مركّزاً ضد مواقع تنظيم "قسد" في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود وبني زيد، ابتداء من الساعة 1:30 من ظهر اليوم الخميس، وأهابت بالمدنيين الابتعاد عن كافة مواقع تنظيم "قسد".
وبدأ الجيش السوري، تحويل حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب إلى منطقة عسكرية مغلقة، في ظل تصعيد ميداني متسارع مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فيما أعلنت هيئة العمليات في الجيش أن جميع مواقع "قسد" داخل الحيين، أصبحت أهدافاً عسكرية مشروعة، داعية المدنيين إلى الابتعاد الفوري عن مواقع تمركز التنظيم حفاظاً على سلامتهم.
وجاء هذا القرار على خلفية اشتباكات عنيفة اندلعت منذ الثلاثاء الماضي، وامتدت من محيط دوار الليرمون إلى أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، وترافقت مع قصف مدفعي ورشقات نارية طاولت أحياء سكنية داخل المدينة، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين، وبدء موجة نزوح واسعة.
بالتزامن، أعلنت محافظة حلب عن إعادة فتح ممرّين إنسانيين لتأمين خروج المدنيين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية باتجاه المناطق الآمنة في مدينة حلب، وذلك بعد تلقي مناشدات من العائلات المحاصرة داخل الحيين.
وذكرت المحافظة، وفق ما نقلته وكالة "سانا"، أن "قسد" منعت أمس الأربعاء، عدداً كبيراً من الأهالي من مغادرة الأحياء، وحاول استخدامهم كدروع بشرية للاستمرار في عملياته ضد الجيش العربي السوري.
وبعد التنسيق مع الجيش، أوضحت محافظة حلب أنه تم ترتيب فتح ممرّي "العوارض" و"شارع الزهور"، المعروفين لدى أهالي المنطقة، لخروج الراغبين من المدنيين، على أن تستمر عملية الخروج لمدة ثلاث ساعات، اعتباراً من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الواحدة ظهراً.
إصابات ونزوح وتعليق حركة الطيران
وأعلنت وزارة الداخلية السورية إصابة ثلاثة عناصر من قوى الأمن الداخلي، جراء قصف مدفعي نفذته قوات "قسد" واستهدف الفرق الأمنية المرافقة للمدنيين قرب دوار شيحان، أثناء تأمين خروج الأهالي من الحيين.
في السياق ذاته، أعلنت هيئة الطيران المدني في سوريا تمديد تعليق الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب الدولي حتى الساعة الحادية عشرة من مساء اليوم الخميس، نتيجة المستجدات الأمنية، مع تحويل الرحلات إلى مطار دمشق.
ووفق مديرية صحة حلب، أسفر القصف الذي نُسب إلى "قسد" عن مقتل أربعة مدنيين وإصابة 18 آخرين، قبل أن ترتفع لاحقاً حصيلة الجرحى المدنيين إلى 24 مصاباً، في حين أفادت مصادر طبية بخروج مستشفى حلب للأمراض الداخلية في منطقة بستان الباشا عن الخدمة بالكامل، نتيجة القصف والقنص المباشر، ما أدى إلى أضرار جسيمة في بنيته التحتية، ونقل المرضى إلى مشافٍ أخرى داخل المدينة.
إجلاء أكثر من 3 آلاف مدني
وأعلن الدفاع المدني السوري إجلاء أكثر من ثلاثة آلاف مدني، معظمهم من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، عبر نقطتي العوارض وشارع الزهور، استجابةً لتدهور الأوضاع الإنسانية جراء القصف المستمر. وأكد أن فرقه قدّمت الإسعافات الأولية، ولا سيما لكبار السن، ونقلت العائلات إلى مراكز إيواء مؤقتة أو إلى الوجهات التي اختاروها، مع استمرار الجاهزية للاستجابة لأي طارئ.
اشتباكات واتهامات متبادلة
وفيما أكدت هيئة العمليات في الجيش السوري أنها لم تبدأ أي عمليات تقدم، وأنها تواصل تأمين خروج المدنيين، قالت إن التنظيم يستهدف الأهالي أثناء محاولتهم مغادرة الحيين لمنعهم من الخروج، معلنة إسقاط طائرة مسيّرة لـ"قسد" في محيط حي الأشرفية.
في المقابل، نفت القيادة العامة لقوات سوريا الديمقراطية وجود أي تمركز عسكري لها داخل مدينة حلب، مؤكدة أنها انسحبت بشكل "علني وموثق" بموجب اتفاق سابق، وسلمت الملف الأمني لقوى الأمن الداخلي، معتبرة أن ما يجري "هجوم وحشي على أحياء سكنية آمنة"، ودعت الدول الضامنة إلى التدخل الفوري لوقف القصف والحصار.
لكن الحكومة السورية ردّت عبر بيان رسمي، اعتبرت فيه أن بيان "قسد" يتضمن "مغالطات جوهرية" ويخالف اتفاق الأول من نيسان/أبريل 2025، مؤكدة أن نفي "قسد" وجودها العسكري في حلب يُعد إقراراً صريحاً يعفيها من أي دور أمني أو عسكري داخل المدينة، ويؤكد أن المسؤولية الحصرية عن الأمن تقع على عاتق الدولة السورية.
وشددت الحكومة على أن الإجراءات المتخذة تهدف حصراً إلى حفظ الأمن ومنع استخدام المناطق السكنية كورقة ضغط، مع الالتزام بحماية المدنيين وعدم التعرض لممتلكاتهم، مطالبة بخروج المجموعات المسلحة من داخل الحيين، ورفض الخطاب التحريضي الذي يهدد السلم الأهلي.
وحملت رابطة المستقلين الكرد السوريين قوات "قسد" مسؤولية استهداف المدنيين واستخدامهم كورقة ضغط سياسية، معتبرة أن ما يجري "قضية أمنية وعسكرية لا تمت بصلة إلى القضية الكردية"، ودعت الحكومة والجيش السوري إلى حماية المدنيين وصون كرامتهم.
تعليق الدوام وتشكيل لجنة استجابة
وفي ظل التصعيد، أعلنت محافظة حلب تمديد تعليق الدوام في المدارس والجامعات العامة والخاصة اليوم، حرصاً على سلامة الطلاب والكوادر التعليمية، فيما تُرك قرار استئناف العمل في باقي المؤسسات الحكومية لتقدير المسؤولين، بحسب الوضع الأمني.
كما أصدر محافظ حلب عزام الغريب، قراراً بتشكيل "اللجنة المركزية لاستجابة حلب"، لتتولى متابعة أوضاع النازحين وتأمين الإيواء والدعم اللازم، والتنسيق مع الجهات الحكومية والمنظمات المحلية والدولية. وأجرى المحافظ جولة ميدانية على مراكز الإيواء، التقى خلالها نازحين من الشيخ مقصود والأشرفية، مؤكداً أن سلامة المواطنين وكرامتهم تبقى أولوية.
تحذيرات أممية ودولية
وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، بأن التصعيد العسكري منذ 6 كانون الثاني/يناير الجاري، أسفر عن مقتل ما لا يقل عن خمسة مدنيين، بينهم امرأتان وطفل، وإصابة 27 آخرين، إضافة إلى نزوح نحو 30 ألف شخص، توجه معظمهم إلى أحياء داخل حلب ومنطقة عفرين، مع توقعات بارتفاع الأعداد خلال الساعات المقبلة.
وأشار المكتب إلى تضرر واسع في البنية التحتية الصحية، وخروج عدة مشافٍ عن الخدمة، محذراً من تفاقم الأزمة الإنسانية في حال استمرار القتال.
من جهتها، دعت منظمة العفو الدولية إلى الوقف الفوري للعنف والهجمات التي تستهدف المدنيين، مطالبة جميع الأطراف بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وضمان المرور الآمن والطوعي للمدنيين، ومنع استخدام الأسلحة ذات التأثير العشوائي.
كما أعربت وزارة الخارجية البريطانية عن قلقها الشديد من الاشتباكات في شمال حلب، وما تسببت به من إصابات ونزوح، داعية إلى التهدئة والحوار وحماية المدنيين.
في المقابل، صرّح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأن "الهجمات على الأقلية الكردية في حلب خطيرة ومميتة"، معتبراً أن ما وصفه بـ"القمع الممنهج للأقليات" يتناقض مع وعود "سوريا الجديدة"، في موقف أثار تفاعلات سياسية حادة.
