في خطوة توصف داخل أوساط سياسية ودبلوماسية بأنها محاولة أخيرة لاحتواء التفكك داخل معسكر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، تدفع السعودية بثقلها السياسي والمالي، وحتى العسكري، نحو إعادة هندسة بنية الشرعية، عبر مشروع يهدف إلى إعادة تنظيم ودمج التشكيلات المسلحة المتعددة الولاءات تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، في إطار ما بات يُعرف بخطة "الجيش الواحد".
وتأتي هذه التحركات في وقت تتصاعد فيه التحديات أمام الحكومة اليمنية، وسط تآكل نفوذها على الأرض، وتعدد مراكز القرار العسكري، مقابل تماسك نسبي لجماعة الحوثي في شمال البلاد، واستمرار التنافس بين القوى المناهضة لها في الجنوب والشرق.
من التدخل إلى السلطات الموازية
وتعدّ الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة شرقي البلاد، ذروة متوقعة لمسار بدأ مع التدخل العسكري في اليمن عام 2015، وهو مسار افتقر، منذ بداياته، إلى رؤية سياسية وعسكرية موحدة بين التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات وبين الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، لإدارة الملفين العسكري والسياسي.
وبحسب محللين، فإن السماح للتدخل الخارجي بتجاوز مؤسسات الدولة اليمنية، والتعامل المباشر مع الفصائل المحلية، أسهم في تفكيك البنية العسكرية والأمنية للدولة الوطنية، واستبدالها بتركيبة هشّة من الميليشيات والتشكيلات الموازية ذات الولاءات الخارجية المتعددة، ما مهّد الطريق لتحول اليمن إلى ساحة مفتوحة لإعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي.
دعم خارجي وتآكل احتكار القوة
وخلال سنوات الحرب، وافقت القيادات اليمنية المتعاقبة، في عهد الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، ثم رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، على نموذج تدخل سمح لكل من السعودية والإمارات بتقديم دعم مباشر لتشكيلات مسلحة خارج الإطار المؤسسي لوزارة الدفاع.
ومن بين القوات التي تعمل خارج هيكل وزارة الدفاع اليمنية، قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يضم نحو 120 ألف مقاتل، وينتشر في محافظات عدن ولحج وأبين والضالع الجنوبية، بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي وبدعم من الإمارات، وقوات ألوية العمالقة الجنوبية وقوامها نحو 70 ألف مقاتل، تتركز في الساحل الغربي ومحافظة شبوة الجنوبية، ويقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي أبو زرعة المحرمي وبدعم إماراتي. بينما تضم قوات المقاومة الوطنية (حراس الجمهورية) نحو 35 ألف مقاتل في الساحل الغربي وباب المندب، بقيادة طارق محمد عبد الله صالح وتحظى بدعم الإمارات، وقوات درع الوطن، بقيادة رسمية للقائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، يبلغ قوامها نحو 45 ألف مقاتل، تنتشر في المهرة وحضرموت وتدعمها السعودية.
وتحولت كل هذه التشكيلات العسكرية إلى قوى أمر واقع، لكل منها قيادتها الخاصة، ومصادر تمويل خارجية، وأجنداتها الميدانية الخاصة. ويرى مراقبون أن هذا النموذج أفرغ الدولة من احتكارها المشروع للقوة، ورسّخ ما يصفونه بـ"منطق السلطات الموازية"، حيث باتت الحكومة تعتمد على قوى لا تخضع فعلياً لقرارها المركزي.
إعادة ضبط المسار
وقالت مصادر سياسية على صلة بإدارة الملف اليمني، لـِ "المدن"، إن الرياض لم تعُد تنظر إلى أزمة الشرعية بوصفها خللاً سياسياً يمكن احتواؤه بالبيانات أو التسويات الجزئية، بل باعتبارها مشكلة بنيوية تتطلب إعادة تركيب شاملة، تبدأ من المؤسسة العسكرية ولا تنتهي عند مجلس القيادة الرئاسي.
وأضافت المصادر المطلعة على النقاشات الجارية في الرياض، أن السعودية انتقلت من سياسة الاحتواء إلى سياسة الفرض المنظم. وقال أحد هذه المصادر: "الرياض لم تعد مستعدة لتمويل فوضى مسلحة تُدار باسم الشرعية". وأضاف مصدر آخر "إما القبول بقواعد جديدة للعبة، أو الخروج التدريجي من مظلة الدعم".
وبحسب المصادر، فإن إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية لم تعد خياراً مؤجلاً، بل شرطاً سعودياً أساسياً لأي دعم سياسي أو مالي في المرحلة المقبلة.
وكشفت مصادر يمنية مطلعة على النقاشات الجارية في الرياض، أن الخطة المطروحة تبدأ بتمكين قوات درع الوطن التابعة لرئيس مجلس القيادة رشاد العليمي والمدعومة سعودياً، من الانتشار والسيطرة على كافة المحافظات الجنوبية، إذ سيتم تكليفها إلى جانب سيطرتها على المهرة وحضرموت، بالسيطرة والانتشار في شبوة وأبين وعدن.
وبعد هذه الخطوة وفقاً للمصادر، سيتم مناقشة خطة إعادة هيكلة وتوحيد التشكيلات العسكرية على ثلاث مراحل تنفيذية؛ مرحلة الضبط المالي والإداري، وتشمل إعادة هيكلة وزارتي الدفاع والداخلية وتعيين كفاءة متوافق عليها ومقبولة في الوسط العسكري، ثم بعد ذلك سيتم توحيد قوائم الرواتب، وإنهاء الازدواج الوظيفي والأسماء المكررة والوهمية داخل التشكيلات العسكرية، وربط أي دعم مالي خارجي بقنوات وزارة الدفاع حصرياً.
فيما تتمثل المرحلة الثانية بإعادة الانتشار، وتتضمن إعادة توزيع الوحدات العسكرية بعيداً عن خطوط النفوذ السياسي، خصوصاً في عدن وحضرموت ومأرب. أما المرحلة الثالثة، فتشمل الدمج القيادي، وتعيين قيادة عسكرية عليا بدعم وإشراف سعودي مباشر، مع تقليص صلاحيات قادة التشكيلات الموازية.
وقالت المصادر إن الرياض أبلغت أطرافاً يمنية صراحة بأن مرحلة "المرونة" انتهت، وأن استمرار الدعم مرهون بالالتزام العملي، لا السياسي، بخطة الدمج.
وفي هذا السياق، أعلن حزب "التجمع اليمني للإصلاح"، دعمه العلني لقرار العليمي، بإعادة تنظيم القوات العسكرية والأمنية. وقال الناطق باسم الحزب عدنان العديني على منصة "إكس"، إن الخطوة تمثل "مدخلاً ضرورياً لاستعادة الدولة وترسيخ سيادتها"، مؤكداً أن الدولة لا يمكن أن تقوم في ظل تعدد الجيوش.
ورغم الخطاب العلني الداعم، تشير تسريبات إلى مقاومة صامتة داخل بعض المكونات. وقال مصدر سياسي لـ"المدن"، إن "الجميع يقول نعم أمام السعوديين، لكن كل طرف يعمل على تحصين قواته". وأضاف "الدمج يعني خسارة نفوذ، ولا أحد مستعد للتخلي عن أوراقه بسهولة".
فصل العسكري عن السياسي
وبقول محللون سياسيون، إن الرياض تحاول تفكيك عقدة الدمج العسكري للفصائل المسلحة عبر فصل المسار العسكري عن الملف السياسي الجنوبي، لكن دون ضمانات لنجاح هذا الفصل، في ظل تشابك السلاح بالسياسة.
و يرى محللون أن المضي في إعادة دمج التشكيلات العسكرية المتعددة، لا يمكن فصله عن معالجة العقدة السياسية الجنوبية، وهو ما يفسر – وفق مصادر مطلعة – تركيز الرياض في هذه المرحلة على الدفع نحو انعقاد مؤتمر جنوبي–جنوبي شامل، مخصص لمناقشة مسار القضية الجنوبية.
وبحسب مراقبين، فإن أي محاولة لدمج القوات الجنوبية، وعلى رأسها التشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، قبل التوصل إلى تفاهم سياسي واضح حول مستقبل القضية الجنوبية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية وتفجّر صراعات داخلية جديدة.
وتقول مصادر "المدن"، إنه من المتوقع أن يناقش المؤتمر الجنوبي المرتقب انعقاده في الرياض، إطاراً سياسياً منظماً، يسمح، في حال التوافق عليه، ببحث دمج القوات الجنوبية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، باعتباره جزءاً من تسوية سياسية أوسع في إطار المكونات المنخرطة في صف الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وليس مجرد إجراء عسكري أو إداري مفروض من الخارج.
ويشير مراقبون إلى أن هذا الطرح يعكس تحولاً في المقاربة السعودية، من التعامل مع الملف العسكري كأولوية منفصلة، إلى ربطه مباشرة بالمسار السياسي، في محاولة لتفادي تكرار إخفاقات سابقة نتجت عن فرض ترتيبات أمنية دون غطاء سياسي جامع.
صراع مؤجل
ويقول الخبير والمحلل العسكري العميد علي الذهب، لـ"المدن"، إن ما يجري على الأرض لا يعكس عملية دمج حقيقية للقوات، بل "إعادة توزيع نفوذ وتموضع قوى عسكرية في جغرافيا جديدة"، معتبراً أن الحديث عن بناء مؤسسة عسكرية موحدة في الظرف الراهن "يتجاوز شروط الواقع الداخلي والإقليمي".
ويضيف أن انتشار تشكيلات مستحدثة مثل قوات "درع الوطن" لا يعني أن هذه خطوة تمهد إلى دمج حقيقي ضمن هياكل وزارة الدفاع، بل "تقاسماً للسلطة المسلحة"، محذراً من أن استمرار هذا النهج قد "يؤجل صداماً مستقبلياً"، ويعيد إنتاج تجربة ما بعد وحدة 199، حين فشل الدمج الحقيقي وانتهى الأمر بمواجهة عسكرية.
تحدي
ويرى محللون أن العقبة الأساسية أمام مشروع "الجيش الواحد"، لا تكمن في الجانب الفني أو التنظيمي، بل في تضارب المصالح السياسية والعسكرية، وغياب تسوية وطنية شاملة تحدد شكل الدولة ومستقبل السلطة.
بل ويصطدم بعقبة مركزية تتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي المنادي بالانفصال والذي يمتلك قوة عسكرية منظمة، ونفوذاً فعلياً على الأرض، ولا يخفي تحفظه على أي عملية دمج لا تضمن له مكاسب سياسية واضحة.
كما أن تباين أولويات القوى الإقليمية المنخرطة في الملف اليمني، إلى جانب تركيز المجتمع الدولي على مسار التهدئة مع الحوثيين، يضيف طبقة أخرى من التعقيد أمام تنفيذ الخطة.
ويقول محللون إن الرهان السعودي على إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية، يعكس إدراكاً متأخراً لكلفة نموذج التدخل السابق، لكنه في الوقت نفسه يواجه إرثاً ثقيلاً من التفكك والولاءات المتعددة.
وفي بلد جرى فيه تقويض الدولة لمصلحة قوى الأمر الواقع، تبدو إعادة بناء جيش وطني موحد مهمة شديدة التعقيد، تتجاوز القرارات الإدارية، وتبقى رهينة بتسوية سياسية أوسع لم تتضح ملامحها بعد.
سيناريوهات مفتوحة
ويقول مراقبون إن هناك ثلاثة سيناريوهات، إما أن تنجح الرياض في فرض قيادة عسكرية موحدة شكلياً، تقلص الفوضى داخل معسكر الشرعية، دون أن تنتج جيشاً وطنياً متماسكاً، أو قد تتوقف الخطة عند حدود إعادة التنظيم المالي والإداري، مع بقاء الولاءات الميدانية على حالها، أو يدفع الضغط المفرط على بعض الفصائل إلى خطوات أحادية، ما يفتح الباب أمام صدامات داخلية جديدة.
