تفكيك البُنى الأهلية في سوريا: "داعش" وأخواتها

ماهر اسبر الأربعاء 2026/01/07
Image-1765994588
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يقدم القسم الثاني من سلسلة تفكيك البُنى الأهلية في سوريا، نظرة على البنية الاجتماعية للبدو واستغلالهم لأدوار وظيفية تخدم السلطة في سوريا من دون أن تخدم مصالحهم، وصولاً إلى علاقتهم بتنظيم "داعش" وتأمين بيئة حاضنة له. كما يغوص في الأصول الدينية والاجتماعية التي أنبتت "داعش"، ويعالج تمدده كحالة وظيفية منطلقة من ركيزة اجتماعية محلية.

للاطلاع على الجزء الأول: تفكيك البُنى الأهلية في سوريا: توزيع النفوذ وتعارض المصالح

 

"فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين! تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟ فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزة بغيره".

ابن كثير، البداية والنهاية، أحداث سنة 18 هـ .

لا يقدّم هذا الجزء تفسيراً أمنياً لعودة التنظيم أو بقائه، بل تفسيراً اجتماعياً بنيوياً، فـ"داعش" كما أفترض لا تعيش لأن لديها عقيدة أو مقاتلين فقط، بل لأنها تعيش داخل بنية اجتماعية ترى فيها استمراراً مألوفاً لتاريخها. ومن دون تفكيك هذه البنية، سيبقى التنظيم "أو ما يشبهه" احتمالاً مفتوحاً على الزمن ودائم التحقق في الجغرافيا السورية.

لقد عانت المناطق الشرقية، وسكّانها عموماً، ولا سيما العشائر البدوية، من تهميشٍ طويل الأمد مارسته جميع الحكومات المركزية المتعاقبة منذ نشوء الدولة السورية، حيث فرضت نخبٌ مدنية ثم عسكرية بحقهم شكلاً فَجّاً من العنصرية وسياسات الحرمان على مدى عقود، ما أفضى في النهاية إلى إقصائهم عن أي مكاسب حقيقية نتجت عن عمليات العصرنة أو التحوّل الحضاري أو التحديث. كانت مناطقهم تُنهَب حين تكون خصبة، ويُقمع أهلها ويُسحقون حين تُجدِب، وبالعودة إلى بدايات إنشاء الجمهورية السورية من العشرينات حتى بدايات الستينات، تُظهر بوضوح أن أكثر المناطق التي استُبيحت وارتُكبت فيها أوسع الجرائم من قِبل المتنفذين حينها الذين اصطلح على تسميتهم ب"البرجوازية السورية"، كانت مناطق العشائر البدوية وتجمعاتها أكثر حتى من مناطق الأقليات كما شاع لاحقاً في السرديات السياسية، وهو أمر موثّق حتى في بعض محاضر ونقاشات البرلمان السوري طوال تلك الفترة.

 

البدو والبعث

ثم بعد وصول حزب البعث إلى السلطة، (حزب المهمّشين)، جرى إعادة توظيف البدو بأسوأ صورة ممكنة، إذ غُزيت حماة بقوات متعددة، إلا أن روايات أهل حماة أجمعت على أن "الشوايا" كانوا الأكثر وحشية بحقهم، ثم نكّل حافظ الأسد وبعده ابنه بشار باللبنانيين عبر "الشوايا" عندما كان يتم فرز أغلبهم الى لبنان لأداء الخدمة العسكرية هناك. ثم، مع أول انتفاضة محدودة في السويداء ضد بشار الأسد في بدايات تسلّمه الحكم، أُنيط بالبدو دور مواجهة الدروز، بعد أن كانت الانتفاضة في أصلها مواجهة بين النظام والدروز كما هو موثّق، فتم تحييد النظام عن واجهة الصراع، ثم لاحقاً، استُخدم البدو في أحداث الكورد سنة 2004.

بهذا المعنى، لم يكن الدور الذي وُضع فيه البدو داخل منظومة حكم الأسد سوى دور العصا الأغلظ التي تُشهر عند الحاجة، وتُلقى جانباً بعد انتهاء المهمة. ودون الحاجة إلى تعداد ما فعله لاحقاً أحمد الشرع، يمكن فهم كيف جرى، خلال عام واحد فقط، تحشيد واستخدام نفس العصا في الساحل والسويداء ومناطق سيطرت قسد، في استمرارٍ لاستخدام البنية البدوية العشائرية بنفس طريقة النظام السابقة وبصورة أكثر كثافة وكلفة، وفق أرقام السلطة الحالية نفسها، فقد وقع في "الغزوة" التي تمت على مناطق الدروز "دون بقية المناطق" أكثر من 700 قتيل، غالبيتهم العظمى من أبناء العشائر.

وبما أن حال عشائر البادية استمر على هذا الوضع، فإن "العزّة" والقيمة التي وفّرها لها التنظيم بدت، في هذا السياق، أنجعَ مداواةٍ لوعيها الجريح، وتعويضاً مناسباً لها عن "المهانة" التي أنزلها بها الآخرون، حيث إن تنظيم الدولة منحها موقعاً يحقّق لها التسييد الرمزي، ويُمكّنها من استعادة كرامتها.

 

البدو وداعش

يقول تنظيم "داعش" في بيان نشرته صحيفة النبأ في آب/أغسطس 2021: "أن أودية الشّام باتت الآن قواعد عسكريّة ومدارس للقانون ... وأن المقاتلين في البادية باتوا في مرحلةٍ قريبة من تلك التي عاش فيها إخوانهم في وادي العراقِ في الماضي... والتي شكّلت مخيّماتهم الغارقة في أعماق الصحراء، بعد سنواتٍ، خطوةً رئيسيّةً باتجاهِ المدن وتجديد بنية الدولة الاسلاميّة".

منذ ولادة تنظيم "داعش" جرى نسبه إلى آباء كُثُر، غير أنّ التنظيم اعتبر نفسه الابن الشرعي الوحيد لبيئة العشائر البدوية، وقدّم ذاته بوصفه تطويراً لها وتجسيداً راديكالياً مُعولماً لمنطقها، كما حمّلها "رومنسيّة" قصص وفقه الجهاد العالمي في النصف قرن الأخير، وقام بتحديث أدواته من دون أن يمسّ بصلب هذه البنية.

في السياق السوري، ظلّت البداوة حاضرة بوصفها نمط تنظيم اجتماعي فعّال، يتعايش مع "الدولة" حيناً، ويعمل تحت سطحها طوال الوقت، فمن المعلوم الآن أن خلايا التنظيم أخفت خلال تقهقرها الأخير كميّاتٍ هائلة من الأموال النقدية والأسلحة والذخائر فيما يُسمّى "الدفائن". بعضها كُشف لاحقاً وضُبطت فيه ملايين الدولارات مع أسلحة، والكثير منها اختيرت مواقعُه في مُغُر وكهوف في جبال البادية وامتداداتها "الجبال التدمرية - جبال البلعاس - جبال البشري والشومري". هذه الكهوف تُسميها العامة "المُغُر أو الجباب الرومانية"، وقد استُخدمت تاريخياً منذ العصر الروماني وما قبله لإخفاء المؤن والغنائم، وكملاذات اختباء محصّنة في عمق الصخر. إن تنظيم "داعش" اليوم يستثمر الإرث البدوي القديم ذاته، في بيئة جغرافية خصبة للاختباء، فيدفن "كنوزه" من الأسلحة والنقود هناك ليعود إليها عند الحاجة، ويؤوي في مغاوره الرومانية المقاتلين الفارّين.

ومن مخابئهم هذه، يقوم مقاتلو التنظيم بالإغارات والغزوات، يفرضون الخوات والمكوس، ويجمعون الزكاة، ويسرقون المواشي. ومع أن البداوة ليست في جوهرها حركة دينية، إلا أن هذه البنى العشائرية، التي تُعدّ اليوم حاضنةً للتنظيم، وجدت فيه أداة لتحقيق "مصالحها"، وفي عقيدته مبرِّراً للسلب والنهب والاغتصاب وخطف الأطفال والنساء، بل تحولت بقدرة التنظيم هذه الأفعال لتصبح جهاداً في سبيل الله يؤجرون عليه، كما أنها جعلت من أبناء العشائر سادة على مهاجرين "أوروبيين شقر وأميركيين سود" جاؤوا ليضحّوا بحياتهم في سبيل رفعة هؤلاء السادة.

 

البدو في الإسلام

ܩܪܫܐ. ولفظها قَرْشَا. (qaršā) -  انعقد/ تجمع / تصلّب
J. Payne Smith – A Compendious Syriac Dictionary

اعتُبرت قبيلة قريش سيدةَ القبائل، واعتُبرت لغتُها هي اللغةَ المقدّسة كما هو معروف، وفي الفقه الإسلامي حُصرت الخلافة بها، ولذلك كان جميع الخلفاء بحاجة إلى نسبٍ قرشي إن أرادوا لأنفسهم تمثيلاً لصلب العقيدة الإسلامية السلفية. ومن هنا عُرفت أسماء جميع قادة داعش منتهيةً بـ"القرشي". 

في لسان العرب لابن منظور تُورَد معاني قريش على النحو الآتي: (وتَقَرَّشَ القومُ: تَجَمَّعوا بعد تَفَرُّق)، و(سُمِّيَت قريشٌ قريشًا لتَقَرُّشِها بعد تَفَرُّق). ويُضاف إلى ذلك مصطلح (قَرْشَا) في السريانية، الذي نذهب إلى أنّ أصل التسمية (قريش) بالعربية قد أُخِذَ منه.

تشيرمصادر متعددة لفقهاء إسلام تاريخيين ومعاجم عدّة إلى أن قريش ذاتها لم تكن، في أصل تشكّلها، أكثر من تحالفٍ سياسي. وتلتقي مع هذا الطرح قراءاتٌ غربية حديثة، كما لدى (Crone, Cook, Donner)، التي ترى أن قريش لم تكن جماعة نسب مغلقة، بل تحالفاً سياسياً–تجارياً، وأن (القُرَشيّة) كانت هوية قابلة للاكتساب عبر الاندماج في شبكة السلطة والمصالح، قبل أن يُعاد لاحقاً تأطيرها فقهياً بوصفها شرطاً عقدياً للخلافة، بحيث إن كل من دخل ضمن هذا التحالف، ولو كان من أواسط آسيا، سُمّي قرشياً.

لا يمكن مقاربة ظاهرة داعش من دون العودة إلى أصول الإسلام نفسها، ولا إلى السياق الذي جاء فيه بوصفه ديناً (مُتمِّماً لما قبله) لا قاطعاً معه. غير أن من أهم ما ثبّته الإسلام، كان البنية التراتبية والقبلية في المجتمع القبلي الذي نشأ فيه. فقد أقر الإسلام بأغلب عهود القبائل العربية السابقة عليه (إيلاف قريش)، ورفع كثيراً منها إلى مرتبة القداسة، سواء عبر النص أو عبر الممارسة السياسية والفقهية اللاحقة. ورغم الحديث الشهير (دعوها فإنها منتنة)، إلا أنّ التدقيق التاريخي والفقهي يُظهر أن البنية البدوية داخل الإسلام، جرى تقنينها وإعادة تنظيمها وتقديسها ضمن شروط جديدة.

هذه البنية القبلية أو العشائرية ظلّت، على امتداد التاريخ الإسلامي، موضع شدٍّ وجذبٍ دائمين بين منطق الدين ومنطق العصبية، إلا أنّها كانت في الوقت نفسه، مادة الإسلام الأولى وحامله الاجتماعي الأساسي. ومن هنا، يصعب على المتبحّر في تاريخ الإسلام وفِقْهه أن يفصل بين الإسلام والقبائل العربية، أي أن ينظر إلى الإسلام بوصفه دينهم المجرد، وإلى العرب بوصفهم مجرد حاملٍ له. العلاقة بين الطرفين عضوية وعلاقة تأسيس متبادل.

 

بنية حاضنة

هل يمكن مقاربة وفهم تنظيم "داعش" من خلال نظرية "الارتكاز الاجتماعي" للحركات السياسية أو التنظيمات المسلحة، (تفترض نظرية الارتكاز الاجتماعي أن الحركات السياسية والأيديولوجيات ليست كيانات مستقلة بذاتها، بل تعبيرات منظَّمة عن بنية اجتماعية قائمة، وأن قدرتها على النشوء والاستمرار والتوسع مرهونة بوجود حاضنة اجتماعية توفّر الموارد، والشرعية، والكوادر، والمعنى).

تقول النظرية أن أي حركة، مهما بدت أيديولوجية أو عقائدية في خطابها، لا يمكن أن تنشأ أو تستمر خارج بنية اجتماعية حاضنة تعبّر عن مصالحها وتوتراتها. 

وإن أردنا اختبار داعش وحواضنها وفق هذا المنظور "الماركسي"، فلا تُعدّ هنا الأيديولوجيا سبباً أولياً في ذاتها، بل تشكّل تعبيراً فوقياً عن بنية اجتماعية/اقتصادية محددة، قوامها مجتمعات مهمّشة، ذات تنظيم عشائري تقليدي، عاشت طوال تاريخها في ظل "دول صورية" شديدة المركزية، وتآكل اقتصادها المحلي "الذي كان بغالبه ريعياً/رعوياً"، ما أفرز حاجة موضوعية إلى إطار يعيد توزيع القوة والموارد ولو بالعنف.

من زاوية فيبرية، يمكن قراءة "داعش" كتحالف مصالح اجتماعية متعدّدة توحّدها شرعية من نمط خاص، فهي ليست شرعية عقلانية ولا تقليدية، بل مصلحة مستلهمة من "يوتوبيا أُخروية"، تُنتِج وتوزّع العائد عبر أقنية الإيمان والنسب. هنا لا تعمل العقيدة بوصفها منظومة إيمانية مجرّدة، بل كآلة تمنح "قيمة مادية" للتديّن، تُحوِّل المؤمنين إلى "عمّال"، والعشائر والأعراق والجماعات إلى "طبقات".

إن هذا التوافق بين منظّري جهاد عالميين وشيوخ عشائر، ومقاتلين محليين، وشبكات جهادية عابرة للقارات مهمتها التمدد وتوسيع التعبئة إلى بعدٍ أُممي، هذه التشكيلة "العالمية" لا تنفي الجذر الاجتماعي، بل تقوم عليه. إذ يجري تصدير نموذج محلّي متجذّر في بنية عشائرية إلى فضاءات أخرى تشترك في غياب الدولة أو هشاشتها، وفي تفكّك الاجتماع السياسي.

وعليه، فإن البعد العالمي لـ"داعش" لا يناقض كونها نتاجاً لبنية اجتماعية محددة، بل يمثّل توسيعاً وظيفياً لها. فالتنظيم يظل، في جوهره، حركة ذات ارتكاز اجتماعي محلي، تستخدم الخطاب الأممي والإرهاب العابر للحدود كأدوات استراتيجية لتعظيم النفوذ، لا كبديل عن قاعدتها البنيوية الأصلية. بهذا المعنى، لا يمكن تحليل "داعش" بوصفها ظاهرة دينية أو أمنية فقط، بل كعرض مركّب لأزمة اجتماعية/سياسية عميقة في مجتمعات بعينها، جرى تعميمها عالمياً.

في التحليل الاجتماعي والسياسي لعلاقة الحركات السياسية بالبُنية الاجتماعية التي نبتت منها، يبرز رابط تحليلي لا يمكن فصله عن دورة الاقتصاد ومصالح تلك البُنى نفسها. فالحركات السياسية لا تنمو خارج الترب الاجتماعية، بل تظهر كتعبير عن مصالح اجتماعية داخل بنية الإنتاج وتوزيع الموارد. السياق الغربي الحديث وكمثال، أفرز بنيتين واضحتين، البنية العمالية أو الطبقية، التي انبثقت عنها الأحزاب الاشتراكية بمختلف تياراتها، كما أفرزت المركزية الأوروبية أفكاراً قومية تراوحت بين الوطنية المدنية والعنصرية العرقية. غير أن جميع هذه الحركات، على اختلافها، كانت لها في النهاية بنية اجتماعية احتضنتها وشكّلت شرط وجودها.

 

البعد الميتافيزيقي

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ۝ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) - سورة الصف.

في أيديولوجيا "داعش"، لا يشكّل البعد الميتافيزيقي (الغيبي) مجالاً متعالياً عن الواقع المادي، فـ"الله" ليس مفارقاً، بل هو حاضر، وإن كان حضوره ليس بـالمعنى الصوفي "الحلول"، بل يعمل الميتافيزيقي هنا بوصفه وسيطاً يُحوِّل المجرّد إلى غير مجرّد، ويُستخدَم كأداة تنظيم وسيطرة داخل صراع فيزيقي (دنيوي) ملموس على السلطة والموارد. هنا يصبح للتدين عائد مادي ولو كان أخروياً، التعويض لدى "داعش" ليس روحياً، بل مادياً، فلكل عمل أجر.

بهذا المعنى، فالجنة، كما تُقدَّم في هذا الخطاب، ليست وعداً أخلاقياً مؤجلاً، بل بنية مصلحية مكتملة، تُشكّل إجابةً عن المخاوف الوجودية، وتعويضاً عن الحرمان، وضماناً للكرامة والسلطة واللذّة والانتصار، بما يتجاوز اليوتوبيا البشرية نفسها بمراحل. وهنا تتحوّل الميتافيزيقا إلى اقتصاد رمزي، أو عملة رقمية "بتكوين فاحش الفائدة والقيمة" وبالغة الكفاءة، تُنتج حوافز أقوى من أي مقابل مادي دنيوي يمكن تخيله.

داخل التنظيم، يظهر صراع بنيوي بين فئتين متداخلتين لا متناقضتين، الفئة الأولى هي "العقائدية" وهم المنتسبون الذين يتحركون بدافع إيماني صريح، يرون في الجهاد والخلافة تحقيقاً للخلاص الفردي والاصطفاء الإلهي. هؤلاء يعملون ضمن ما يمكن تسميته العقل الميتافيزيقي التعبوي، حيث يُختزل العالم باليوم الآخر.

الفئة الثانية هي "المصلحية" وهم المنتسبون الذين ينخرطون في التنظيم بدوافع تتعلق بالسلطة، والغنيمة، والحماية، والانتقام، والمكانة الاجتماعية. وهؤلاء لا يقفون خارج الخطاب الإيماني، بل يستخدمونه كلغة شرعية لتبرير مصالحهم وتحقيقها، فيندمج الفيزيقي بالميتافيزيقي في جسم واحد، وحالة طقوسية واحدة.

العلاقة بين الفئتين تنتج توتراً لكنه لا يؤدي إلى صراع صفري "إلا في شواذ قليلة حيث قام التنظيم بإعدام أفراد منه بتهمة الغلو". فالعقائدي هنا يمنح الشرعية والاندفاع، والمصلحي البراغماتي يؤمّن الاستمرارية والتنظيم والقدرة على السيطرة. ويمكن توصيف هذا التداخل مفهومياً بوصفه تديين المصلحة أو تسليع الإيمان.

وعليه، فإن التوفيق بين الفئتين هو ما يقود التنظيم، وفي الحالتين لا يعمل الإيمان هنا كحالة روحية، بل كأداة لتحقيق المصالح، بتحوبل الأنفس وموتها إلى أصل قابل للتداول.

 

منبت التنظيم

هناك تحليلات ركزت على أن الأساس في تنظيم "داعش" هو الخطاب، وأخرى حللته من زاوية الموروث الديني الإسلامي وأن سبب ظهورها هو الفشل في إصلاحه، وهناك من تناولها من زاوية الاقتصاد والتهميش. وأكثر التفسيرات صفاقةً تلك التي سعت إلى نسبها إلى "مؤامرات مخابراتية"، سواء أُسندت هذه المؤامرات إلى إيران أو أميركا أو إسرائيل أو نظام الأسد، وهي قائمة لا تنتهي ساق بها إسلاميون كُثُر وأفلاكهم، أو على اعتبار أنها مجرد نتيجة لفراغ أمني عراقي بعد انهيار نظام صدام، وأن ضباط المخابرات الذين فقدوا مواقعهم وجدوا في داعش تعويضاً عن مكانتهم السابقة.

كل ذلك قد يصح جزئياً، إلا أن ما يعمي الأبصار عن الحقيقة، كما ندّعي هنا، هو تقديم الإجابات المقتطعة أو الحقائق الجزئية بوصفها حقائق كلية نهائية، بما يحجب الوقائع الأكثر رسوخاً، وهي المنابت الاجتماعية للتنظيمات الجهادية.

إن الافتراض الذي يحاول نسب التنظيم إلى هذه الحركة أو ذلك الحزب، "حتى أن هناك من اعتبره مجرد استعارة للحداثة بشكل ما"، هو استخفاف بقدرة التنظيم ومفكريه على اختلاق نموذج له تأصيل تاريخي اجتماعي قبلي في بنيته وسلفي في عقيدته. فالتنظيم أصولي قولاً وفعلاً، باطناً وظاهراً، وهو لا يرفض الحداثة الغربية فحسب، بل كما هو معروف فإنه يرفض التحديث من داخل الثقافة الإسلامية نفسها. فالسلفية هنا ليست عودة إلى الأصول الفقهية والتشريعية فقط، بل إلى الأصول الهيكلية والإدارية والتنظيمية للبنى المنتجة لها. ومن يقترح أي تطوير ليس في المجال الفقهي الديني، بل حتى ولو كان على مستوى البنية الاجتماعية والتراتبية "الطبقية" داخل العالم الداعشي، وإن كان من كبار قادة التنظيم، يُعد مبتدعاً في فكر التنظيم، ويمكن لأصغر عنصر في التنظيم لديه علم بسيط في العقيدة أن يتهمه بالابتداع، وحكم المبتدع هنا هو القصاص، أو ربما اتهم بما هو أخطر "الخوراج"، والعبث بالبنية هنا يعد أخطر من العبث بالعقيدة، لأن أكبر الانشقاقات التي حدثت في تاريخ الأسلام، كانت بالتحديد بسبب هذه الطروحات، وهناك اتفاق على أن السبب الرئيس الذي أدى لثورة الخوارج هو رفضهم لأن تحصر الخلافة في قريش، بينما كان مثلاً خلاف الشيعة مع الأمويين هو عدم حصر الخلافة في آل البيت "علي وسلالته" بينما بنو أمية جعلوا الخلافة في قريش.

يعود هذا النقص في التحليلات إلى أن كثيراً من الغربيين الذين تصدروا لهذه المهمة عجزوا عن فهم الكتب الأصولية الإسلامية، أو فك "طلاسم" خطابات قادته وأخلاط عناصره من مهاجرين أجانب ومهاجرين عرب وعشائر محلية، فهذه الأمور استعصى فهمها وتفكيكها حتى على كثير من العرب. وغالباً ما حاول مفكرون عرب من خلفيات متنوعة غير إسلامية تحليل الظواهر الإسلامية، إلا أنهم واجهوا الصعوبة نفسها، فكتب أغلبهم قراءات ناقصة، مقتصرة على تصوراتهم وخلفياتهم، لا على الوقائع ذاتها.

في المقابل، فإن المفكّرين الإسلاميين الذين تعلّموا في المدارس الشرعية، وخالطوا أنماط المتديّنين، وجادلوهم أو "باهلوهم"، وهم الأقدر على قراءة النصوص وتحليل داعش، كانوا الأكثر علماً بأن هذه البنية تمثّل، في أحد أوجهها، المجتمع العشائري الإسلامي في صورته "الأكثر نقاءً" ونصوصه المؤسسة، إلا أنهم إمّا جبنوا أو زاغوا عن قول الحق. بعضهم توهّم أنه يدافع عن دينه أو طائفته عبر إلصاق هذه التهمة بالأغيار، في محاولة لنفيها عن جوهر الإسلام وعن أنفسهم، فأسقط في أيديهم، وانقلب فعلهم هذا ليصبّ في قناة "داعش" بدل أن يُنقِص منها، وقد كان من السهل على منظّري داعش إبطالها، ونسب أنفسهم إلى الإسلام في صيغته "الأنقى"، وكما وردت في المراجع المعتمدة، على نحو جعلهم أكثر تصالحاً مع ذواتهم وأكثر انسجاماً مع خطابهم. 

أمّا من تجرّأ من رجال الدين المسلمين على الدعوة إلى التصحيح، وهم قِلّة، فقد جرى تشويههم أو قتلهم أو اغتيالهم معنوياً.

تنظيم "داعش" ليس طارئاً على الإسلام، بل هو منتج مستند إلى نصوص قائمة، ومُتبنّى من بُنية اجتماعية حاضنة. ومن هنا، فإن مواجهة "داعش" لا تستقيم عبر نزعها عن سياقها الديني أو الاجتماعي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث