حذر تحليل نشرته صحيفة "هآرتس" من أن العملية الأمنية التي قادها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في بلدة الترابين البدوية داخل أراضي عام 1948، لا تندرج في إطار "مكافحة الجريمة"، بل تمثل نموذجاً أولياً لسياسة ترهيب منظّمة تهدد السلم الأهلي وتفتح الطريق نحو صدام داخلي واسع قد يصل إلى حرب أهلية.
وفي مقال تحليلي للكاتب تسفي برئيل، أكد أن بلدة الترابين ليست في غزة ولا في الضفة الغربية ولا في القدس الشرقية، بل داخل إسرائيل، وسكانها مواطنون إسرائيليون، تعرضوا لما يشبه "احتلالاً شرطياً" في عملية استعراضية قادها بن غفير، وهو سياسي أُدين سابقاً بدعم منظمة إرهابية والتحريض على العنصرية.
ويشير المقال إلى أن المحكمة العليا الإسرائيلية مطالبة حالياً بالبت في أهلية بن غفير للاستمرار في منصبه، على خلفية ادعاء المستشارة القانونية للحكومة بأنه يتدخل بشكل مباشر في عمل الشرطة. وبحسب موقفها، فإن سلوكه المنهجي "يمس باستقلالية الشرطة إلى حد لا يمكن معه حماية الجمهور".
ويرى برئيل أن بن غفير لم يعد مجرد وزير مثير للجدل، بل تحول إلى "التهديد الحقيقي لسلامة وأمن مواطني الدولة"، في ظل توظيفه أجهزة إنفاذ القانون لأهداف سياسية وأيديولوجية.
أطفال في مواجهة السلاح
ويسرد المقال شهادات ميدانية وصفت بالمرعبة، من بينها حادثة احتجاز طفلة صغيرة في فناء منزل جيرانها، بعد أن داهم عشرات من عناصر الشرطة المكان، يتقدمهم المفتش العام، وأغلقوا الساحة بالكامل، بينما كان عنصر مسلح يوجه سلاحه نحوها، في حين كانت والدتها وقريباتها يصرخن من خلف الطوق الأمني.
كما ينقل المقال شهادة شاب بدوي خضع لتحقيق استمر ثلاث ساعات من قبل جهاز الشاباك، قال خلالها: "شعرت بأن منظمة إجرامية تتحدث معي. قالوا لنا: أنتم لستم أقوى من الدولة".
ورغم الإشارة إلى وجود مجرمين وعصابات مسلحة في الترابين، متورطين – بحسب الشبهات – في إحراق سيارات والسيطرة على محاور طرق، يؤكد التحليل أن هذه الظواهر موجودة أيضاً في مدن يهودية مثل نتانيا وهرتسليا وتل أبيب والخضيرة، من دون أن تشهد تلك المدن إغلاق شوارع أو مشاهد إذلال جماعي أو توجيه السلاح نحو الأطفال.
ويفرق الكاتب بين عمل شرطي منظم قائم على الاستخبارات والاعتقالات الموجهة وتقديم المتهمين للقضاء، وبين "كرنفال فوضوي استعراضي" يهاجم مجتمعاً بأكمله ويُستخدم لإرسال رسالة ترهيب جماعية.
ازدواجية فاضحة
يذهب المقال أبعد من ذلك، معتبراً أن ما جرى في الترابين ليس سوى عرضٍ لمنظومة دولاتية عنيفة تختبر حدود توحشها، في وقت "لا تبالي بمقتل مئات المواطنين العرب"، ولا تنجح – أو لا ترغب – في منع اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
ويعدد الكاتب أمثلة على هذه الازدواجية، من بينها اعتقال نساء بسبب منشورات في كنيس، والسعي للتحقيق مع عضو الكنيست أحمد الطيبي بسبب انتقاده متحدث الشرطة، مقابل الصمت الكامل أمام استخفاف عضو الكنيست تالي غوتليب باستدعاءات الشرطة للتحقيق.
ويستند التحليل إلى استطلاع نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في تشرين الثاني/نوفمبر، أظهر أن 47% من الجمهور الإسرائيلي لديهم "ثقة ضئيلة" بالشرطة، و20% لا يثقون بها إطلاقاً، مقابل نحو ثلث فقط يمنحها ثقة عالية.
وتتفاقم الأزمة داخل المجتمع العربي، حيث لا تتجاوز نسبة الثقة بالشرطة 19%. كما تكشف المعطيات فجوة سياسية حادة: 6% فقط من معسكر اليسار يثقون بالشرطة، مقابل 27% في الوسط، و43% في معسكر اليمين.
الطريق إلى الانفجار
يصف المقال الهجوم على الترابين، والذي قُتل خلاله محمد حسين الترابين، بأنه "التجربة الأولية" لنموذج قمعي جديد. وقد وصف مجلس القسوم الإقليمي العملية، في التماس قانوني، بأنها حملة علاقات عامة تعاقب السكان بشكل غير متناسب.
ويرى برئيل أن ما يمنح هذا النموذج قدراً من "الشرعية المشوهة"، هو تعريف الجرائم التي يرتكبها عرب ضد يهود غالباً على أنها "إرهاب قومي"، في حين لا يُستخدم هذا الوصف أبداً في الاتجاه المعاكس.
ويخلص التحليل إلى أن "النجاح التجريبي" في الترابين مرشح للتكرار في بلدات عربية أخرى وفي مدن مختلطة، ومنها الطريق قصيرة إلى سيناريو شبيه بـ"حارس الأسوار 2".
وبينما يُنظر رسمياً إلى تدخل بن غفير في عمل الشرطة بوصفه مساساً إجرائياً بأسس الديمقراطية، يؤكد الكاتب أن الحقيقة أخطر بكثير: بن غفير، بحسب التحليل، لا يسعى لتعزيز الحوكمة، بل "يعمل ويخطط لإشعال حرب أهلية داخل إسرائيل".
