اشتباكات حلب.. فشل السياسة وتقدّم منطق القوة

بثينة عوضالأربعاء 2026/01/07
Image-1767792629
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

على وقع تصعيدٍ عسكريٍّ عنيف خلال الساعات الأخيرة، استعادت حلب مشهد الاشتباكات المباشرة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في جولة قتال جديدة اتسمت باستخدام أسلحة ثقيلة وقذائف مدفعية داخل أحياء مأهولة بالسكان، بعد فترة من هدوء هشّ لم يصمد طويلاً. المواجهات، التي ترافقت مع سقوط قتلى وجرحى بينهم مدنيون بحسب حصيلة أولية، وحالة استنفار واسعة على خطوط التماس، دفعت إلى تعليق الحركة الجوية وإغلاق مطار حلب الدولي مؤقتاً، في وقت ترددت فيه صيحات التكبير من عدد من جوامع المدينة، في مشهد أعاد إلى الأذهان لحظات سابقة من التصعيد، وأضفى بعداً نفسياً ودلالياً إضافياً على التطورات الجارية.

الاشتباكات التي اندلعت مجدداً على محاور الشيخ مقصود والأشرفية ومحيط طريق الكاستيلو لم تكن حدثاً معزولاً أو مفاجئاً بالكامل. فمنذ أسابيع، كانت مؤشرات التوتر تعود تدريجياً إلى الواجهة بصمت ثقيل: تحركات عسكرية متبادلة، تعزيزات ميدانية، تشدد متزايد في الحواجز، وعودة لغة التصعيد في التصريحات السياسية، في إشارة واضحة إلى أن التفاهمات السابقة فقدت قدرتها على ضبط المشهد أو احتواء الخلافات المتراكمة.

ومع سقوط أولى القذائف داخل أحياء سكنية مكتظة وامتداد القصف إلى مناطق مدنية، خرج الخلاف مرة أخرى من غرف التفاوض ومسارات الوساطة البطيئة إلى الشارع الحلبي القلق، لتتحول المدينة مجدداً إلى ساحة اشتباك مفتوح، يدفع المدنيون ثمنه المباشر، عبر الضحايا، والنزوح المؤقت، وتعطّل مظاهر الحياة اليومية، في ظل غياب أي ضمانات حقيقية تحول دون انزلاق الأوضاع نحو تصعيد أوسع قد يتجاوز حدود المدينة... وانقطاع خدمة الانترنت عن حي السريان كما اكد السكان لـ"المدن".

 

صدام متجدد

تعود جذور هذا التصعيد المتجدد إلى اتفاق أُعلن عنه في آذار/مارس 2025، ونصّ مبدئياً على دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن البنية العسكرية والأمنية للدولة السورية، مقابل ترتيبات إدارية وأمنية خاصة بالمناطق ذات الغالبية الكردية في الشمال. الاتفاق، الذي قُدّم حينها بوصفه اختراقاً سياسياً نادراً، بقي عملياً معلّقاً بين التأويل والتسويف، من دون أن يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي.

خلال الأشهر الماضية، لم تُحسم الملفات الجوهرية المرتبطة بالاتفاق، من تسلسل القيادة، إلى انتشار القوات، والسيطرة على المعابر والموارد الحيوية. ومع تراكم هذا التعطيل، تحوّل الاتفاق من مظلة تهدئة إلى مصدر توتر إضافي، مع اختلاف جوهري في تفسير بنوده وأهدافه.

دمشق استمرت في النظر إلى الاتفاق بوصفه خطوة مرحلية لاستعادة السيادة الكاملة واحتكار السلاح، فيما تعاملت "قسد" معه كإطار تفاوضي طويل الأمد يحفظ لها هامش استقلال عسكري وإداري. هذا التناقض البنيوي لم يبقَ في إطار الخلاف السياسي، بل انعكس تدريجياً على الأرض، وصولاً إلى الاشتباكات الأخيرة.

هذا التباين الجوهري في مقاربة الاتفاق لم يبقَ في حدود الخلاف السياسي النظري، بل تحوّل تدريجياً إلى صراعاً ميدانياً صامتاً، تجلّى في احتكاكاتٍ متكررةٍ، وتوسيعٍ لنقاط الانتشار، وتصاعدٍ في منسوب الشك المتبادل. ولم تُحسم خلال ذلك ملفاتٌ أساسيةٌ، مثل تسلسل القيادة، وآليات انتشار القوات، والسيطرة على المعابر والموارد الحيوية، وهي قضايا شكّلت في جوهرها نقاطَ تفجيرٍ مؤجّلةً.

وفي هذا السياق، تشير مصادر سياسية مطلعة لـ"المدن"، إلى أن جولات التفاوض الأخيرة شهدت تصلباً غيرَ مسبوقٍ في مواقف الطرفين، تزامن مع ضغوطٍ إقليميةٍ ودوليةٍ متعارضةٍ، أسهمت في تعطيل أي حلولٍ وسطٍ. ومع انسداد الأفق السياسي، بدا الانفجار مسألةَ وقتٍ لا أكثر، إلى أن جاءت الاشتباكات الأخيرة لتُخرج الخلاف من دائرة المساومة إلى منطق القوة المفتوحة.

 

سرديتان متقابلتان

كما في الجولات السابقة، سارع الطرفان مع اندلاع الاشتباكات الجديدة إلى تثبيت سرديتين متناقضتين.

السلطات السورية تحدثت عن "هجوم مباغت" شنّته قوات سوريا الديمقراطية على مواقع للجيش، متهمة إياها باستهداف أحياء مدنية، واعتبرت ما جرى تصعيداً خطيراً ينسف ما تبقى من تفاهمات. في المقابل، نفت قسد هذه الاتهامات، مؤكدة أن قواتها ردّت على قصف مصدره مواقع للجيش، ووصفت التطورات بأنها محاولة لفرض وقائع عسكرية بالقوة في ظل انسداد المسار السياسي.

وبين هاتين الروايتين، وجد المدنيون أنفسهم مرة أخرى في قلب الاشتباك، بلا حماية فعلية. شهادات من الأحياء المتضررة تحدثت عن هلع واسع، إغلاق للمدارس، وتوقف متكرر للخدمات الأساسية، مع عودة مشاهد النزوح المؤقت التي اعتقد كثيرون أنها أصبحت من الماضي.

لذا يمكن القول أن ما تكشفه الجولة الأخيرة من الاشتباكات في حلب لا يقتصر على تعثر اتفاق بعينه، بل يفضح أزمة أعمق في مقاربة الحل السياسي ككل. فالتفاهمات التي لا تُدعّم بآليات تنفيذ واضحة وضمانات حقيقية، تبقى عرضة للانهيار عند أول اختبار جدي.

يرى محللون أن الأطراف المعنية استخدمت الاتفاق السابق خلال الفترة الماضية لإدارة الصراع لا لحلّه، ومع تبدل موازين الضغط وغياب رعاية دولية فاعلة، عاد السلاح ليكون لغة الحسم، ولو على حساب مدينة منهكة وسكانها.

 

إلى أين تتجه الأمور؟

حتى الآن، لا مؤشرات حاسمة على احتواء التصعيد الجديد. محاولات الوساطة المتداولة لم تُترجم إلى وقف مستقر لإطلاق النار، فيما تبقى خطوط التماس في حالة استنفار مفتوح. الخشية الأكبر أن تتحول هذه الجولة إلى نقطة بداية لتصعيد أوسع، يعيد خلط الأوراق في شمال سوريا.

في المحصلة، تبدو حلب مرة أخرى مرآة للفشل السوري العام: مسارات سياسية عاجزة عن إنتاج تسوية مستدامة، وقوة عسكرية تعود إلى الواجهة كلما تعثرت السياسة. وبين هذا وذاك، يدفع المدنيون الثمن الأكبر، في مدينة لم تخرج بعد من ذاكرة الحرب، ولا تحتمل أن تكون ساحة اختبار جديدة لمنطق القوة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث