نحو مقاومة خطاب "العنف المتبادل" في الضفة الغربية

أحمد عبد الحليمالثلاثاء 2026/01/06
Image-1767723315
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تشهد الضفة الغربية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تحولاً جوهرياً في كيفية تمثيلها داخل أروقة الإعلام الغربي والإسرائيلي، حيث يتم انتزاعها من سياقها التاريخي كأرض محتلة وإعادة صياغتها كـساحة فوضى أمنية تتطلب تدخلاً عسكرياً وتقنياً مستمراً. هذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات، بل هو ضم خطابي يسبق ويمهد للضم الفعلي على الأرض، حيث تُستبدل المصطلحات السياسية والقانونية التي تعترف بوجود الاحتلال بلغة تقنية محايدة ظاهرياً تهدف إلى تبريد الصراع وإفراغه من محتواه التحرري. في المقابل، تبرز سردية فلسطينية محلية، وعربية، ترفض هذا التأطير، وتُصر على إعادة تعريف الضفة كفضاء حي للمقاومة، حيث لا يُنظر إلى الحواجز والاجتياحات كمؤشرات على انهيار أمني، بل كفصول في صراع مستمر على الوجود والكرامة.

 

نزع التاريخية

يعتمد الإعلام الغربي في تغطيته للضفة الغربية على استراتيجية نزع السياق (Decontextualization)، حيث يتم تصوير العنف كظاهرة تبدأ من لحظة الاشتباك دون الإشارة إلى النظام الاستعماري المستمر منذ عقود. هذا النمط من التغطية يحول الاحتلال العسكري والاستيطان غير القانوني من كونهما السبب الجذري للصراع إلى مجرد خلفية باهتة لا يتم استحضارها إلا في حالات نادرة. وبدلاً من الاعتراف بوجود نظام احتلال استيطاني متكامل، يتم استبدال هذا الواقع بمصطلحات مثل التوترات (Tensions)، التي تحول الصراع من قضية سياسية كبرى إلى أزمة سلوكية أو نفسية عابرة يمكن حلها عبر تهدئة النفوس.

كما تستخدم كبريات المؤسسات الإعلامية الغربية مثل نيويورك تايمز وبي بي سي ورويترز مصطلحات تُضفي صفة التبادلية على العنف، مما يوحي بوجود طرفين متكافئين في القوة والمسؤولية القانونية. على سبيل المثال، يُستخدم مصطلح العنف المتبادل (Mutual Violence) أو دائرة العنف لوصف هجمات المستوطنين المحميين بالجيش ضد القرويين الفلسطينيين العزل، وهو ما يخفي الطبيعة الهيكلية للعنف الاستيطاني بوصفه أداة من أدوات الدولة للتوسع والسيطرة المكانية. هذا التأطير يجعل من المستحيل على القارئ الغربي التمييز بين المعتدي (الذي يمتلك سلطة الدولة وجيشاً نظامياً) وبين المعتدى عليه (الذي يدافع عن وجوده اليومي، وأرضه).

وعلاوة على ذلك، تلعب القواعد اللغوية دوراً سياسياً في هذه التغطية، حيث يبرز الاستخدام الممنهج لصيغة المبني للمجهول عند الحديث عن الضحايا الفلسطينيين. فبينما يتم وصف الإسرائيليين بأنهم قُتلوا بفاعلين واضحين، غالباً ما يتم الإبلاغ عن الفلسطينيين بأنهم ماتوا أو وُجدت جثثهم، ما يزيل المسؤولية الجنائية والسياسية عن جيش الاحتلال. هذا التجريد من الإنسانية يمتد ليشمل تسمية الاجتياحات العسكرية الواسعة بـالاشتباكات (Clashes)، وهو مصطلح يوحي بمواجهة عفوية في شارع ما، بدلاً من كونه غزواً عسكرياً منظماً يستهدف تدمير البنية التحتية للمخيمات والمدن. إن هذا التلاعب اللفظي ليس مجرد خطأ مهني، بل هو انحياز هيكلي يتماشى مع السياسات الخارجية للدول التي تدعم إسرائيل، مما يحول الإعلام إلى أداة تبرير للمُمارسات العسكرية تحت غطاء الموضوعية.

 

من إدارة النزاع إلى الجبهة الرابعة

في الداخل الإسرائيلي، ومنذ السابع من أكتوبر، انتقل الخطاب الرسمي والإعلامي من الحديث عن إدارة الصراع في الضفة إلى التعامل معها كـجبهة قتال نشطة ضمن حرب سيوف حديدية، حيث يُروج الإعلام الإسرائيلي لفكرة أن الضفة الغربية هي الجبهة الرابعة أو الخطر الوشيك الذي قد يكرر سيناريو السابع من أكتوبر إذا لم يتم تطهير مخيماتها الشمالية، ما يمنح الشرعية لاستخدام أدوات عسكرية كانت محظورة سابقاً في جبهات القتال الخارجية، مثل الطيران الحربي والمسيرات والمدفعية، داخل مناطق مدنية مكتظة بالسكان.

تتجلى هذه الرؤية في التسميات الرمزية للعمليات العسكرية؛ فبينما أطلق الجيش الإسرائيلي اسم مخيمات الصيف على اجتياحه الواسع لشمال الضفة في آب/أغسطس 2024، إذ كان الهدف هو تصوير العملية كفعل تطهيري روتيني لإحباط ما يسمى البنية التحتية للإرهاب. وفي كانون الثاني/يناير 2025، برز مصطلح السور الحديدي (Iron Wall) لوصف عملية عسكرية أوسع، تهدف إلى فرض سيطرة عسكرية دائمة وتجريد المقاومة من قدرتها على المناورة. هذه الأسماء ليست مجرد رموز عسكرية، بل هي أدوات لشرعنة العنف المفرط عبر ربطه بمفاهيم الأمن القومي والدفاع عن النفس ضد المحور الإيراني، مما يسحب الشرعية عن أي دافع وطني محلي للمقاومة ويجعلها مجرد «أداة خارجية».

وبموازاة ذلك، يتم "خصخصة الأمن" من خلال تسليح المستوطنين وشرعنة مليشياتهم كـ"فرق طوارئ" معترف بها. في السردية الإسرائيلية، يتحول المستوطن المعتدي إلى "مدافع عن الحدود"، بينما يُصور أي تقرير دولي يتحدث عن "عنف المستوطنين" بأنه "فرية دم" (Blood Libel) حديثة تهدف إلى نزع الشرعية عن الوجود اليهودي في "يهودا والسامرة". هذا الخطاب يسعى إلى قلب الحقائق رأساً على عقب؛ فالحاجز العسكري يصبح إجراءً "أمنياً ضرورياً" بدلاً من كونه أداة إذلال وفصل عنصري، والمقاوم الفلسطيني يصبح "إرهابياً تم تحييده" بدلاً من كونه مدافعاً عن أرضه. عبر هذا المنظور الأمني، تُحول الضفة إلى "ثقب أسود" قانوني، حيث تُمارس الدولة أقصى درجات العنف تحت ذريعة "الأمن الداخلي"، ما يمهد الطريق لعمليات الضم الفعلي التي يقودها اليمين المتطرف داخل الحكومة.

 

السردية الفلسطينية واستعادة المعنى

بينما يحاول الإعلام الخارجي اختزال الضفة في "مشهد أمني"، تصر السردية الفلسطينية المحلية على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، محولةً اللغة إلى ساحة للمقاومة، إذ تبرز قيمة "الصمود" كركيزة أساسية؛ فالصمود ليس مجرد بقاء سلبي، بل هو فعل سياسي واعٍ يتحدى محاولات الاقتلاع والتهجير. يتجلى هذا الصمود في تفاصيل الحياة اليومية، من إصرار المزارعين على جني الزيتون رغم هجمات المستوطنين، إلى إعادة بناء المنازل المهدمة كفعل تحدٍ للاحتلال. في هذا السياق، تتحول "البطيخة" أو "المثلث الأحمر" من مجرد رموز بصرية إلى أدوات لكسر الحصار الرقمي واستعادة ملكية السردية للأرض.

على مستوى اللغة الميدانية، أعاد الفلسطينيون تعريف المصطلحات العسكرية؛ فما يسميه الاحتلال "عملية أمنية"، يسميه الفلسطينيون "اجتياحاً" (Invasion) أو "غزواً"، وما يوصف بـ"الاشتباك المحايد" في الإعلام الغربي، يُعرف محلياً بـ"الاشتباك" والذي يحمل دلالة الندية والوعي الثوري. وحين أطلق الاحتلال اسم "مخيمات الصيف" على عدوانه، ردت المقاومة في مخيمات الشمال بإطلاق اسم "رعب المخيمات" على تصديها، في محاولة لقلب موازين الرعب النفسي وتأكيد قدرة المخيم على حماية نفسه. هذا الصراع على التسمية هو في جوهره صراع على الشرعية؛ فالفلسطيني لا يرى نفسه "مشتبكاً" فحسب، بل يرى نفسه "حامياً للمخيم" في مواجهة نظام استعماري يسعى لإبادته مكانياً ومعنوياً.

كما تلعب "الحرب الرقمية" دوراً حاسماً في كسر الحصار الإعلامي؛ فمع تبني منصات التواصل الاجتماعي الكبرى لمعايير أمنية منحازة، طور الفلسطينيون لغة "الألغوسبيك" (Algospeak) للالتفاف على الخوارزميات، من خلال استخدام الرموز وتغيير هجاء الكلمات مثل(P@l3stine) لضمان وصول الرواية إلى العالم بعيداً عن مقص الرقيب الرقمي. هذه المقاومة السيبرانية لا تهدف فقط لنقل الصورة، بل تهدف إلى "أرشفة" الانتهاكات لتكون شهادة تاريخية وقانونية ضد الرواية الإسرائيلية المضللة. إن السردية الفلسطينية اليوم تعيد صياغة الضفة من "منطقة فوضى" في الخطاب الخارجي إلى "ساحة وعي" ومقاومة وجودية، حيث يتم الربط الدائم بين وحدة المصير في غزة والضفة، مؤكدين أن الاحتلال واحد وأن المقاومة حق مشروع بموجب القانون الدولي لتقرير المصير.

اليوم، تقف الضفة الغربية أمام معضلة أنطولوجية (وجودية) تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال ماهية الحقيقة ذاتها في عصر ما بعد الحقيقة (Post-Truth). فعندما يتم تعريف البيت بأنه ثقب أمني، ويُعاد تأطير الوطن بوصفه منطقة فوضى (Chaos Zone)، فإننا لا نواجه مجرد انحياز إعلامي، بل نشهد محاولة راديكالية لإعادة اختراع الواقع من خلال اللغة. إن هذا التجريد الأمني، الذي يحول الجثث إلى أرقام والمدن إلى أهداف، يضعنا أمام سؤال فلسفي جوهري: هل يمكن للحقيقة أن تنجو إذا كانت الكلمات التي تصفها قد صودرت مسبقاً؟ وكيف يمكن لضمير العالم أن يشاهد الإبادة والاجتياح في بث حي ومباشر (Live-streamed Genocide)، ومع ذلك يظل عاجزاً عن الرؤية أو التسمية، محاصراً خلف جدران الموضوعية الزائفة التي تجعل من الجريمة فعلاً قابلاً للتخيل سياقياً؟

في نهاية المطاف، تطرح الضفة الغربية تساؤلاً يؤرق الحداثة المادية برمتها: هل فلسطين هي الاستثناء، أم هي المرآة التي تكشف زيف المنظومة الدولية التي تدّعي حماية حقوق الإنسان بينما تمارس الصمت الخافت أمام تمزيق أجساد وجغرافيا بأدوات تكنولوجية متطورة؟ إن الانتصار في صراع السرديات ليس ترفاً ثقافياً، بل هو شرط ضروري للتحرر؛ لأن تحرير الأرض يبدأ من تحرير الاسم، ولا يمكن بناء مستقبل عادل فوق ركام الكلمات المذبوحة. وأيضاً، يبقى الصمود الفلسطيني مؤكداً أن الحكاية التي تُروى بصدق هي وحدها القادرة على هزيمة السلاح الذي يحاول إخفاء معالم الجريمة، وأن الميلاد السياسي الذي يصنعه الفعل المقاوم هو الذي سيعيد صياغة الزمن والوجود مقاوماً ممارسات الهيمنة الاستعمارية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث