ما جرى في فنزويلا لا يمكن فهمه كعملية لإسقاط نظام، ولا كمعركة نفط مؤجلة. الوقائع وحدها كافية لاستبعاد هذين التفسيرين: النظام لم يسقط، سياسة الدولة لم تتغير، والتوازن الإقليمي في أميركا الجنوبية بقي على حاله. العملية انتهت من دون حرب، ومن دون انتقال سياسي، لكنها أدّت إلى نتيجة واحدة فقط ذات قيمة استراتيجية عالية: إخراج نيكولاس مادورو نفسه من المشهد. هنا، وليس في أي مكان آخر، يكمن جوهر ما جرى.
الولايات المتحدة لم تكن تسعى إلى تغيير النظام الفنزويلي، لأن هذا المسار يتطلب وجوداً برياً طويل الأمد وحرب استنزاف داخلية لا تتناسب مع أولويات واشنطن ولا مع نمط تدخلها الحالي. كما أن النفط لم يكن الدافع الحاسم، ذلك أن مادورو كان منفتحاً أصلاً على التفاوض، ولم يكن العقبة الأساسية أمام أي تسوية نفطية محتملة. ما يهمّ واشنطن هو مادورو بوصفه رئيساً لدولة ذات نفوذ إقليمي، وموقع تماس مباشر مع موسكو وآليات تنسيقها.
مادورو كعقدة داخل شبكة
في الصراعات المعاصرة، لم يعد استهداف الدول بحد ذاتها كافياً. ما يُستهدف اليوم هو موقع الدولة داخل الشبكات. مادورو لم يكن مجرد رئيس لدولة محاصرة، بل واجهة سياسية لدولة تلعب دور نقطة ارتكاز في شبكة تنسيق تمتد بين موسكو وأميركا اللاتينية، وتتقاطع مع مسارات نفوذ غير تقليدية.
هذه الشبكات لا تقوم فقط على العلاقات الدبلوماسية، بل على تداخلات أمنية واقتصادية، واتصالات مع جماعات مسلحة و"non-state actors"، أو ما يُسمّى بالعربية "الفاعلون من غير الدول". امتلاك رئيس دولة لهذه المعرفة التراكمية، بعد سنوات طويلة في الحكم، يجعله أصلاً معلوماتياً بالغ القيمة، لا يمكن تعويضه بالرصد التقني وحده.
شبكة التنسيق الروسي
في أميركا اللاتينية، تلعب فنزويلا دور نقطة ارتكاز أساسية. روسيا تنسّق، على نحوٍ مباشر أو غير مباشر، مع جماعات مسلحة وعصابات منظّمة في المنطقة، ليس بوصفها أدوات فوضى، بل كعناصر ضغط ونفوذ ضمن صراع عالمي مفتوح. هذا النوع من التنسيق يمنح موسكو قدرة على التأثير غير التقليدي في الخاصرة الجنوبية للولايات المتحدة، ويحوّل بعض هذه الجماعات إلى أوراق تفاوض أو ردع، فضلاً عن كونها مصادر تشتيت داخلي محتملة في حال اندلاع حرب كبرى مع روسيا أو الصين تكون فيها واشنطن طرفاً رئيسياً.
عسكرياً، لم تكن العملية في فنزويلا اجتياحاً برياً ولا إعلان حرب، بل استعراضاً محسوباً للتفوّق التكنولوجي الأميركي. السيطرة الجوية، تعطيل الدفاعات، وقطع الكهرباء عن كاراكاس لساعات، كلها عناصر هدفت إلى الشلل لا التدمير. استخدام طائرات F35 وF-22 وF-18 وقاذفات B-1، قبل أي رد فعل ممكن، يوضح أن فنزويلا لم تكن ساحة حرب بحد ذاتها، بل عقدة اختبار داخل شبكة حرب أوسع.
من أميركا الجنوبية إلى الشرق الأوسط وإفريقيا
أولوية واشنطن اليوم لا تقتصر على أميركا الجنوبية. مركز الثقل الحقيقي بات في الشرق الأوسط، البحر الأحمر، وإفريقيا. في هذه الساحات تُحضَّر الحروب المقبلة، وهناك تتقاطع المصالح الأميركية مع إيران وروسيا والصين. الولايات المتحدة تتحضّر لمواجهة كبرى مع إيران، وتحتاج إلى تفكيك وفهم الكيفية التي تدير بها موسكو شبكات الجماعات المسلحة المتداخلة.
كيف ينسّق بوتين مع طهران لضبط الجماعات المسلحة؟ كيف تُدار العلاقة مع الحزب في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، وبقية الحركات المسلحة؟ وكيف يمتد هذا التنسيق ليشمل الحوثيين في البحر الأحمر، وقوات "فاغنر" الروسية في إفريقيا، وصولاً إلى العصابات المنظّمة في أميركا اللاتينية؟ هذه الشبكات، لا الجيوش النظامية وحدها، هي التي ستحدد شكل أي حرب مقبلة، وحدود توسّعها أو احتوائها.
ما الذي حققته العملية فعلياً؟
من هنا، يصبح مادورو مصدراً نادراً للمعلومة، بوصفه نقطة تقاطع بين روسيا، أميركا اللاتينية، والجنوب العالمي، وواجهة سياسية مطّلعة على آليات التنسيق الروسي العابرة للأقاليم. المعلومات المتعلقة بكيفية إدارة موسكو لعلاقاتها مع رؤساء الدول لضبط الجماعات المسلحة، ومع الجماعات المسلحة نفسها، تشكّل كنزاً لا يملكه إلا من ترأس لسنوات طويلة دولة منضوية في حلف الشرق وذات نفوذ إقليمي مثل فنزويلا.
وبالتوازي مع هدف المعلومة، حققت العملية أهدافاً إضافية. فنزويلا تمثّل احتياطياً نفطياً بديلاً في حال انفجار الصراع في الخليج أو تعطّل إمدادات النفط بسبب التصعيد في مضيق هرمز. كما حملت العملية رسالة ردع واضحة للدول الأضعف ضمن سلّم الصراع الدولي: الاستهداف لم يعد مرتبطاً بالحرب التقليدية، والوقوف في وجه الرغبات الأميركية بات مكلفاً.
ولم تكن هذه العملية بعيدة عن حسابات واشنطن عند لقاء ترامب بكل من الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض الأسبوع الفائت. اللقاء لم يكن بروتوكولياً، بل جاء لتنسيق الاحتمالات الاستراتيجية بعد خطف مادورو: تقييم ردود الفعل الروسية، خصوصاً على الساحة الأوكرانية، وفهم كيفية تصرّف موسكو تحت ضغط جديد، بالتوازي مع التنسيق مع نتنياهو بشأن الحرب المحتملة على إيران، وتحديد الأهداف المشتركة وأدوار التدخل العسكري والاستخباراتي قبل أي مواجهة إقليمية كبرى.
بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع خطف مادورو كحادث معزول. ما جرى هو ضربة محسوبة في حرب لم تبدأ بعد بشكلها التقليدي، لكنها تُدار منذ الآن عبر الشبكات، والعُقد، والمعلومة، قبل أن تُدار بالدبابات والصواريخ.
