اختُتمت الثلاثاء، الجولة الخامسة من المحادثات الأمنية بين سوريا وإسرائيل في باريس، برعاية الولايات المتحدة، بعد تعثر في مفاوضات الجولة الرابعة دام أشهراً عدة.
وتركز المباحثات على إعادة تفعيل اتفاق فك الاشتباك لعام 1974، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، مقابل ضمانات أمنية متبادلة تشمل نزع السلاح في جنوب سوريا وحماية الأقليات.
ويقود الوفد السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني ورئيس جهاز الاستخبارات حسين السلامة، بينما يتولى الوساطة الأميركية المبعوث توم باراك، في ظل دفع قوي من إدارة الرئيس دونالد ترامب لإنجاز اتفاق سريع يعزز الاستقرار الإقليمي بحسب وصف الأميركيين.
واستمرت المحادثات يومين وسط أجواء عن تفاؤل حذر، مع نقاط خلاف حول الممرات الإنسانية والضمانات العملية، لكنها تمثل فرصة تاريخية لتهدئة التوترات بعد سقوط نظام الأسد.
نقاشات متقدمة
وتقول مصادر سورية-أميركية مطلعة على سير المفاوضات، لـ"المدن"، إن "النقاشات متقدمة أكثر مما يتصوره كثيرون، والإطار العام للاتفاقات الأمنية جرى إلى حد كبير وضعه". وتضيف أن "هناك بالفعل بعض نقاط الخلاف التي تحتاج إلى حسم"، لكنها تبدي تفاؤلاً بأن "التقدم سيحدث بسرعة الآن بعد أن باتت هذه النقاط واضحة".
وتؤكد المصادر أن نحو 90% من الاتفاق الأمني منجز، وأن القضايا المتبقية تتعلق أساساً بالتنسيق الإنساني، والضمانات الأمنية، وكيفية تنفيذها عملياً في كل من إسرائيل وسوريا، وكيف سينعكس ذلك على أرض الواقع. وتضيف أن "استمرار الانخراط الأميركي، ولا سيما في ظل إدارة ترامب، يبعث على تفاؤل حقيقي للمرة الأولى منذ زمن طويل لدى البلدين"، آملة أن "نرى الاتفاق الأمني قائماً قريباً جداً".
وتشير المصادر إلى أن موقف إسرائيل يتشكل وفقاً للوقائع الأمنية على الأرض، فجنوب سوريا كان تاريخياً نقطة ضعف أمام الميليشيات الخارجية، وشهد نفوذ تنظيم "داعش" ونفوذ إيران، وهي أمور لا ترغب بها سوريا ولا إسرائيل في هذه المرحلة.
مرونة لدى الحكومة السورية
وتوضح أن المستجد اليوم، هو وجود حكومة سورية تبدي استعداداً لاتخاذ خطوات عملية نحو التفاوض ومحاولة إزالة هذه التهديدات، وهذا مهم للطرفين. ومع تحسن الأمن ميدانياً، "تغدو الدبلوماسية أكثر مصداقية، وهنا يمكن أن يبدأ التقدم الحقيقي لسوريا، إذ من دون اتفاق أمني، يبقى الوضع في حالة جمود"، بحسب المصادر نفسها.
وتضيف أن "ما رأيناه مؤخراً في ملف فنزويلا، وتصريحات الرئيس ترامب بشأن إيران، حتى حمله قبعة كُتب عليها: اجعلوا إيران عظيمة مجدداً، يعكس أسلوب وساطة عملياً وقائماً على النتائج، ومباشراً يركز على الإنجاز لا على إطالة الإجراءات".
واللافت لدى المصادر هو التعويل على الاتفاق السوري الإسرائيلي بوصفه انجازاً أو مرتكزاً لتحسن الظروف والأوضاع في سوريا إذ تختم المصادر بالقول إن "ما لا نريده هو تفويت فرصة تاريخية بين إسرائيل وسوريا، فلدينا رئيس أميركي يدفع بهذا الاتجاه، والاتفاق بات قريباً. وسوريا ترسل إشارات جاهزية للمضي قدماً، ونأمل أن نراها تعيد البناء وتندمج إقليمياً، فالانخراط المستدام هو ما سيقلص مخاطر زعزعة الاستقرار في المنطقة".
غرفة عمليات
وفي السياق، كشف موقع "أكسيوس" عن مقترح أميركي قُدِّم إلى كلٍّ من إسرائيل وسوريا يقضي بتشكيل قوة مهام مشتركة تضم الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا، على أن يكون مقرها في العاصمة الأردنية عمّان، في خطوة وُصفت بأنها محاولة لإطلاق مسار أمني وسياسي جديد خاص بجنوب سوريا.
ونقل الموقع عن مسؤول أميركي، اليوم الثلاثاء، قوله إن "واشنطن اقترحت أن تتولى هذه القوة إدارة الوضع الأمني في الجنوب السوري، لتكون بمثابة الإطار الأساسي للمفاوضات المتعلقة بنزع السلاح من المنطقة، إضافة إلى بحث انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي من الأراضي السورية التي سيطرت عليها عقب سقوط نظام بشار الأسد".
وبحسب المصدر ذاته، فإن الخطة تتضمن تجميد جميع الأنشطة العسكرية من الجانبين في مواقعها الحالية إلى حين الانتهاء من بلورة التفاصيل التنفيذية الخاصة بعمل قوة المهام المشتركة، بما يهدف إلى منع أي تصعيد ميداني خلال فترة الإعداد للمسار الجديد.
وأشار المسؤول الأميركي إلى أن كل طرف سيقوم بإرسال ممثلين عنه إلى قيادة عسكرية مشتركة، تتولى إدارة المحادثات الدبلوماسية، والملفات العسكرية والاستخباراتية، إضافة إلى الجوانب المتعلقة بالعلاقات التجارية بين الأطراف المعنية. وأوضح أن ما يُعرف بـ"الخلية المشتركة" ستكون المحرك الرئيسي لهذا المسار، فيما ستضطلع الولايات المتحدة بدور الوسيط بشكل دائم وعلى مدار الساعة لضمان استمرارية التواصل وتذليل العقبات.
