شهدت مدن إيرانية عدة، تجمعات احتجاجية متفرقة في اليوم التاسع على التوالي من موجة الاحتجاجات، وفق مقاطع مصورة جرى تداولها على منصات التواصل الاجتماعي.
وأظهرت المقاطع خروج محتجين في مدن شمال البلاد وشرق العاصمة طهران، إضافة إلى مناطق في غرب إيران، حيث ردد المشاركون شعارات مناهضة للسلطات والمسؤولين، في مؤشر واضح على اتساع الطابع السياسي للتحركات التي انطلقت أساساً على خلفيات معيشية واقتصادية.
وبالتوازي، عاد الاحتجاج والإضراب، صباح اليوم الثلاثاء، إلى بازار طهران الكبير، على وقع قفزة جديدة في سعر صرف الدولار، الذي ارتفع خلال يوم واحد من نحو مليون و360 ألف ريال إلى قرابة مليون و460 ألف ريال، قبل أن يعود ويتراجع لاحقاً. وتخللت احتجاجات البازار مواجهات محدودة، أطلقت خلالها قوات الأمن قنابل غاز مسيلة للدموع لتفريق المحتجين في بعض أجزائه.
ويأتي هذا التطور في سياق قرار حكومي بإلغاء العملة التفضيلية المخصصة لاستيراد السلع الأساسية، واستبدالها بنظام دعم نقدي مباشر يُحوَّل إلى حسابات المواطنين، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار عدد من السلع الحيوية.
إيلام تحت المجهر
ميدانياً، تصدرت محافظة إيلام، ولا سيما مدينة ملكشاهي، مشهد التوتر خلال الأيام الماضية، بعدما تطورت احتجاجات إلى أعمال عنف. وبحسب مقاطع فيديو متداولة، أطلقت النار على محتجين عقب مهاجمتهم مركزاً للذخيرة يتبع للحرس الثوري، في حين تحدثت أنباء غير رسمية عن سقوط قتلى وجرحى.
وأظهرت مقاطع لاحقة تطويق مستشفى "الإمام الخميني" في مدينة إيلام من قبل قوات الأمن بعد نقل المصابين إليه، مع تقارير عن محاولة اعتقال عدد من الجرحى، قبل أن تواجه هذه المحاولة مقاومة من ذويهم وبعض أفراد الطاقم الطبي.
وتفاعلت وزارة الخارجية الأميركية عبر حسابها باللغة الفارسية على منصة "إكس" مع الصور المتداولة، ووصفت اقتحام المستشفى بأنه "جريمة ضد الإنسانية".
على إثر ذلك، وجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وزير الداخلية بتشكيل فريق خاص يضم الجهات المعنية للتحقيق "بشكل شامل وتخصصي" في أحداث إيلام، ورفع تقرير مفصل إلى رئاسة الجمهورية في أسرع وقت.
أصوات من الداخل
من جانبها، أكدت النائبة عن محافظة إيلام، سارا فلاحي، في كلمة أمام البرلمان، أن "الضغوط المعيشية وسوء الإدارة لا تقل خطورة عن التهديد العسكري"، مشددة على أن احتجاجات ملكشاهي بدأت "سلمية وهادئة" رفضاً لتردي الأوضاع الاقتصادية، قبل أن "تخترقها أطراف معادية" وتحرفها نحو العنف، بحسب تعبيرها.
من جهته، قال بزشكيان، خلال اجتماع حول دور المجالس المحلية، إن الأوضاع في بعض المدن الكبرى ومحيط العاصمة "مقلقة"، لافتاً إلى أزمات بنيوية في طهران ومحيطها، تشمل نقص المياه، وهبوط التربة، ومشكلات بيئية. وفي حديثه عن الضغوط الخارجية، اتهم "أعداء إيران" بالسعي لاستغلال صعوبة الأوضاع عبر العقوبات، ثم الادعاء بالحرص على حقوق الإيرانيين، مستشهداً بما يجري في غزة ولبنان وفلسطين.
أرقام متضاربة وضغط دولي
وبينما لم تعلن السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للضحايا، قدرت وسائل إعلام ومصادر حقوقية عدد القتلى بما يتراوح بين 17 و35 شخصاً. وأفاد موقع "هرانا" الحقوقي بمقتل 29 محتجاً واعتقال ما لا يقل عن ألف و203 أشخاص، مع تسجيل تجمعات احتجاجية في أكثر من 250 موقعاً داخل 27 محافظة.
وفي تقارير متطابقة لوكالة "رويترز" ووكالة "أسوشييتد برس"، جرى التأكيد على أن الاحتجاجات، رغم أنها لا ترقى إلى حجم اضطرابات 2022–2023 عقب وفاة مهسا أميني، سرعان ما تجاوزت مطالبها الاقتصادية لتشمل هتافات ضد الحكم الديني.
وتحدثت "رويترز" عن انتشار كثيف لقوات مكافحة الشغب والأمن بلباس مدني في محيط البازار، مع محاولات لإجبار التجار المضربين على فتح محالهم، وإطلاق قنابل غاز مسيلة للدموع في بعض الشوارع.
الاقتصاد في قلب الأزمة
وواصل الريال الإيراني تراجعه، مسجلاً مستويات قياسية قاربت 1.49 مليون ريال للدولار، أي انخفاض بنحو 4% منذ بداية الاحتجاجات. وأقرت الحكومة بإلغاء العملة التفضيلية "28 ألفاً و500 تومان" واستبدالها بدعم نقدي مباشر، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 10كانون الأول/ يناير، مع تعهدات بإصلاح النظامين النقدي والمصرفي وحماية القدرة الشرائية.
وفي محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، أقر البرلمان الإيراني الخطوط العامة لموازنة العام الجديد "يبدأ في 21 آذار/مارس 2026" بعد إدخال "إصلاحات معيشية"، تضمنت زيادات تصاعدية في رواتب الموظفين تصل إلى 43%، وخفض ضريبة القيمة المضافة، وتخصيص مليارات الدولارات لمنع ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
غير أن خبراء حذروا من أن معدل تضخم سنوي تجاوز 50%، مع توقعات بارتفاع إضافي لسعر الدولار، ينذر بأزمة أعمق قد تدفع البلاد نحو "الدولرة"، وفق تحذيرات الخبير الاقتصادي حسين عبده تبريزي.
صراع السرديات
وفي ذات الوقت، واصل المرشد الإيراني علي خامنئي تحميل "العدو" مسؤولية اضطراب سوق الصرف وغياب الاستقرار، واصفاً المحتجين بأنهم "يقفون خلف التجار المسالمين لإحداث الفوضى". في المقابل، رأى معارضون أن إيران "تقف على أعتاب تحول عميق"، داعين المجتمع الدولي إلى دعم "انتقال سلمي وديمقراطي".
