لقاء ترامب - نتنياهو السادس: توافق استراتيجي رغم التباينات

Image-1767618519-1
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

استقبل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في 29 كانون الأول/ ديسمبر 2025، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في منتجع مارالاغو في ولاية فلوريدا، لبحث آليات تنفيذ "خطة السلام" والانتقال إلى "المرحلة الثانية" من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة. وكانت "المرحلة الأولى" قد دخلت حيّز التنفيذ في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، بعد أكثر من عامين من العدوان الإسرائيلي، استناداً إلى "خطة السلام" المؤلّفة من عشرين بنداً، والتي صاغتها الولايات المتحدة الأميركية وتضمنت جميع الشروط الإسرائيلية.

 

سياقات اللقاء

أشار بعض الصحافيين الإسرائيليين، قبل اجتماع ترامب ونتنياهو، إلى أنه سيكون صعباً، لأن الأخير يعرقل الانتقال إلى المرحلة الثانية، في الوقت الذي يعمل فيه ترامب على تشكيل "مجلس السلام" الذي أعلن أنه سيرأسه، وتشكيل "حكومة تكنوقراط" جديدة في غزة، مدعومة بقوة حفظ سلام دولية. وفي حين يسعى ترامب للانتقال سريعاً نحو مرحلة "ما بعد حماس" من دون التوقف عند القضايا الصعبة مثل نزع السلاح، انطلاقاً من قناعته بأن استمرار الوضع الراهن سيُبقي غزة بؤرة صراع ويُعطّل مواصلة مسارات التطبيع في إطار "الاتفاقات الإبراهيمية"، ولا سيما مع السعودية، يتمسّك نتنياهو بموقف مفاده أن أيّ وقف لإطلاق النار مع حركة المقاومة الإسلامية "حماس" أو حزب الله، لن يكون قابلاً للاستمرار، وأن مثل هذه الجماعات لن تنزع سلاحها طوعاً. وعلاوة على ذلك، برزت خلافات إضافية بين واشنطن وتل أبيب بشأن سورية؛ إذ أفادت تقارير أن نتنياهو طلب من ترامب الإبقاء على بعض العقوبات المفروضة على سورية، لكن طلبه قوبل بالرفض. وقد وقّع ترامب قرار إلغاء قانون قيصر في 19 كانون الأول/ ديسمبر 2025 بعد إقراره في الكونغرس. 

ومع ذلك، حرص ترامب ونتنياهو خلال لقائهما على التقليل من أهمية هذه الخلافات، التي يتبيّن في كل مرة أن الصحف تبالغ في وصفها. وأكد ترامب أن ما يصفه بـ "إنجازاته في الشرق الأوسط" يعود إلى العمل المشترك مع نتنياهو. وشدد على أنه غير "قلق بشأن أيّ شيء تفعله إسرائيل"، وأنها التزمت بخطة وقف إطلاق النار في غزة "بنسبة 100 في المئة"، في تناقض واضح مع الوقائع؛ ما يعني، في الحقيقة، أن إدارته جاهزة لتبرير كل ما تقوم به إسرائيل، ولو بأثر رجعي. ولم يكتفِ ترامب بذلك، بل كرّر دعوته إلى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لإصدار عفو عن نتنياهو في قضايا الفساد والاحتيال، باعتباره "رئيس وزراء في زمن الحرب وبطلاً"، وهي تصريحات فُهمت على نطاق واسع باعتبارها دعماً سياسياً مباشراً لنتنياهو في سنة انتخابية. وأبلغ نتنياهو ترامب بأنه سيُمنح "جائزة إسرائيل"؛ وهي أرفع وسام ثقافي في البلاد، ليصبح أول شخصية غير إسرائيلية تحصل عليه منذ نحو ثمانية عقود.

 

مقاربتان لتفسير علاقة ترامب بنتنياهو

يعدّ التباين بشأن بعض القضايا بين ترامب ونتنياهو تفصيلاً ضمن التحالف الاستراتيجي والرؤية المشتركة للمنطقة والعالم من خلال منطق سياسات القوة. ولا ينزعج نتنياهو من وصف ترامب له، خلال مؤتمرهما الصحافي المشترك، بأنه "صعب المراس في بعض الأحيان"، فهو مفيد لكلٍ منهما لدى قاعدته الانتخابية، ويحتاج ترامب إلى قول مثل هذه الملاحظات لإيهام حلفائه العرب أنه يتفهّم موقفهم، وأن نتنياهو يحرجه فعلاً في بعض الحالات. ولكنهما في النهاية متفقان. ويعكس هذا الوصف توافقاً كاملاً في ما يتعلق بالوضع في قطاع غزة والضفة الغربية، ورغبة إسرائيل في التصعيد العسكري ضد إيران وحزب الله في لبنان، مع اختلافات طفيفة في التفاصيل، في حين يبرز تباين أكبر في الملفات المرتبطة بتركيا وسورية. وفي هذا السياق، تبرز مقاربتان لتفسير العلاقة بين ترامب ونتنياهو. تفترض الأولى، وهي الأرجح، وجود قدر من التواطؤ بين الطرفين، بحيث تقدّم الولايات المتحدة دعماً كاملاً للمساعي الإسرائيلية الهادفة إلى "تغيير الشرق الأوسط"، من منطلق حق القوي في فرض إرادته وتحديد مناطق نفوذٍ لنفسه في منطقة عربية تُظهر ضعفاً شديداً في مقاومته. ووفقاً لهذه المقاربة، تتولى إسرائيل التعامل مع إيران في ظل انشغال العالم العربي بصراعاته الداخلية، وهو ما أتاح لها، بتسامح أميركي ضمني، تجاوز التزاماتها في "المرحلة الأولى" من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. ويتجلى ذلك في تأكيد ترامب التزام إسرائيل الكامل بالاتفاق، على الرغم من استمرار الانتهاكات اليومية، سواء عبر استهداف المدنيين وتدمير ما تبقّى من البنى التحتية، أو عبر إبقاء المعابر البرية، ولا سيما معبر رفح، مغلقة، ومنع دخول المساعدات الإنسانية الضرورية في ظل ظروف مناخية قاسية. أما المقاربة الثانية فترى أنّ واشنطن تفضّل تقديم دعم علني متواصل لإسرائيل، مقابل فرض إملاءات واضحة خلف الأبواب المغلقة. وتفترض هذه المقاربة أنّ نتنياهو لا يمتلك هامشاً واسعاً لمقاومة المطالب الأميركية التي تُطرح في اللقاءات المغلقة، وأن "المجاملات المفرطة لها ثمن سياسي". 

 

قضايا الاجتماع

تنوّعت الملفات التي تناولها اللقاء، لتشمل الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من الاتفاق، وتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، ومساعي إسرائيل ضمّ أجزاء منها، وجهود نزع سلاح حزب الله في لبنان، وملف إيران النووي وبرنامج الصواريخ البالستية، والتوترات المتزايدة في علاقات إسرائيل مع سورية وتركيا.

 

1. "المرحلة الثانية" في قطاع غزة

تشير تسريبات اللقاء إلى أن ترامب حصل على موافقة شكلية من نتنياهو على الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من الاتفاق، وهي شكلية لأن الأخير ما زال يصرّ على نزع سلاح حماس شرطاً لتطبيق البنود العشرين من الخطة، ويصرّ أيضاً على أن ترامب متفق معه على ذلك. ومن المتوقع أن يعلن ترامب خلال الفترة المقبلة عن بدء هذه المرحلة، بما يشمل تشكيل "مجلس السلام" وانعقاد اجتماعه الأول برئاسته، وتشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 23 كانون الثاني/ يناير 2026. وعلى الرغم من أن ترامب اتفق مع نتنياهو على أنّ نزع سلاح حماس يجب أن يجري خلال "فترة قصيرة جداً"، وإلا "ستكون هناك عواقب وخيمة"، فإنّ تقارير متعددة تشير إلى منح حماس مهلة تمتد شهرين لنزع سلاحها، مع وضع معايير محددة لتعريف المقصود بنزع السلاح. ولا يوجد اتفاق حتى الآن على تفاصيل مهمّة، مثل كيفية نزع السلاح، ونوع السلاح المقصود، والجهة التي ستنفذ هذه المهمة في حال رفضت حماس التخلي عنه طوعاً. وتؤكد حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى أنّ أيّ خطوة من هذا النوع لا يمكن أن تجري إلا عبر حكومة فلسطينية ذات تفويض وطني وشرعي. وفي حين أشار ترامب إلى أن نحو "ستين دولة ستتولى إجبار حماس على نزع سلاحها"، إلا أن الدول لم تُبدِ استعداداً للمشاركة في ذلك، ولا الدخول في صدام مسلح مع المقاومة في غزة.

أما بخصوص إعادة إعمار غزة، فيبدو خطاب ترامب متناقضاً ومرتبكاً؛ إذ أعرب عن أمله ببدء الإعمار "قريباً" بعد "نزع سلاح حماس"، لكنه عاد وقال، في معرض إجابته عمّا إذا كان الإعمار قد يبدأ قبل ذلك، "أظن أن إعادة الإعمار ستبدأ بسرعة [...] [نتنياهو] يريد ذلك مثلي". ويشير مسؤولون أميركيون إلى أنّ خططهم تتجه نحو إطلاق مشاريع الإعمار "في غضون أسابيع"، مع الاعتراف بأن عملية نزع السلاح ستستغرق وقتاً أطول كثيراً. غير أنّ تناقضات خطاب ترامب لا تقف عند هذا الحد؛ إذ أعاد التأكيد على انفتاحه تجاه فكرة "الهجرة الجماعية" من القطاع، قائلاً: "دعونا نرى إذا ما كانت هذه الفرصة ستتاح"، مدّعياً أنّ أكثر من نصف سكان غزة سيغادرون "إذا أتيحت لهم الفرصة".

 

2. الضفة الغربية

ألمح ترامب بوضوح، خلافاً لحرصه على إظهار درجة عالية من التوافق العلني مع نتنياهو بشأن الوضع في غزة، إلى وجود تباينات بينهما في ما يتعلق بالضفة الغربية، لكنه لم يطلب من نتنياهو وقف التوسع الاستيطاني، ولا وقف الممارسات في المخيمات والمدن والقرى الفلسطينية. فالخلاف المقصود هو بشأن تصرفات المستوطنين. وترى الإدارة الأميركية أنّ تصاعد عنف المستوطنين ضد المدنيين الفلسطينيين، وعدم الاستقرار المالي للسلطة الفلسطينية، واستمرار التوسع الاستيطاني، جميعها عوامل تُقوّض جهود إصلاح علاقات إسرائيل مع الدول الأوروبية، وتعرقل توسيع نطاق "الاتفاقات الإبراهيمية" مع دول عربية وإسلامية. ومع ذلك، لا تبدو سياسات ترامب متسقة مع هذه المخاوف. فعلى الرغم من إعلانه، في أيلول/ سبتمبر 2025، معارضته ضمّ إسرائيل أجزاءً من الضفة الغربية، في سياق ردّه على موجة الاعترافات الأوروبية بدولة فلسطين، فإنّ ممارساته بعد عودته إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025 بدت متناقضة مع هذا الموقف المعلن؛ إذ إنه رفع العقوبات التي فرضتها إدارة سلفه جو بايدن على المستوطنين المتطرفين، وعيّن مايك هاكابي، المعروف بمواقفه المؤيدة بشدة للمستوطنين، سفيراً لدى إسرائيل. 

 

3. إيران وحزب اللّه

ناقش اللقاء أيضاً احتمال شنّ هجمات جديدة ضد إيران في عام 2026، وقدّم نتنياهو لترامب فيه ما وصفه بمعلومات حول سعي طهران لإعادة إحياء برنامجها النووي الذي تعرّض لهجوم إسرائيلي – أميركي مشترك في حزيران/ يونيو 2025، وأثار مخاوف إسرائيل المتعلقة ببرنامج الصواريخ البالستية الإيراني. وفي أعقاب اللقاء، صرّح ترامب بأنّه سيدعم هجوماً إسرائيلياً على إيران إذا حاولت إعادة بناء ما دمّرته الضربات السابقة، سواء على مستوى القدرات النووية أو الصاروخية. ومع ذلك، أبدى تفضيلاً واضحاً للتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع طهران بدلاً من الانخراط في مواجهة عسكرية أخرى. وتُضعف تصريحاته المتكررة بأنّ الولايات المتحدة "قضت" على البرنامج النووي الإيراني قدرته على تبرير شنّ ضربات إضافية ضد إيران أو منح نتنياهو ضوءاً أخضر للقيام بذلك. لكن تصريحاته الأخيرة بشأن استعداده "للتدخل لحماية المتظاهرين في إيران" إذا جرى استخدام العنف في مواجهتهم، فتح الباب على تأويلات عديدة. أمّا في ما يتعلق بحزب الله، فإنّه يدعم سياسة نتنياهو في لبنان، بما في ذلك الخطوات التي تخطط حكومته للقيام بها.

 

4. تركيا وسوريا

شكّل الموقف من تركيا وسوريا نقطتَي الخلاف الأبرز في اللقاء. ففي ما يتعلق بتركيا، تعارض إسرائيل بشدّة مشاركتها في ما يسمى قوات حفظ السلام في غزة، وأيّ دور آخر لها فيها. في المقابل، تنظر واشنطن إلى تركيا بوصفها قوة إقليمية لا يجوز تجاوزها ويفترض منحها أدواراً. ولا يشاطر ترامب إسرائيل مخاوفها أيضاً بخصوص بيع الولايات المتحدة طائرات مقاتلة من طراز F‑35لتركيا، بما يكسر احتكار إسرائيل ملكية هذه الطائرة، ولا سيما أن التكنولوجيا التي تزود بها هذه الطائرات تختلف من مشترٍ إلى آخر. وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، أكد ترامب احترامه للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مضيفاً أنّ "نتنياهو يحترمه أيضاً، ولن تكون هناك مشكلة بينهما"، في محاولة واضحة لتقليل شأن الخلافات.

أمّا في الملف السوري، فتزعم إسرائيل أنّها لا تستطيع الوثوق بالرئيس السوري أحمد الشرع بسبب ماضيه الجهادي، وتستخدم ذلك ذريعةً لتوسيع احتلالها لأراضٍ إضافية في الجولان، وفرض منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا، واستمرار استهدافها لمواقع عسكرية سورية. في المقابل، يرى ترامب أنّه يمكن الوثوق بالشرع، وأنّ القيادة السورية الجديدة قد تفتح الباب أمام علاقة أكثر استقراراً مع إسرائيل. وقد وافق نتنياهو على طلب ترامب استئناف المحادثات مع سوريا للتوصل إلى اتفاق أمني محتمل، مبرزاً أن إسرائيل هي التي تضع الشروط لمجرد التفاوض مع سوريا، ومبيّناً في الوقت ذاته استعداد حكومته للتجاوب مع الرؤية الأميركية في هذا الملف، مع التحفظات التي عبّر عنها علناً.

 

خاتمة

على الرغم من التباينات التي أبرزتها وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية، وتوقّعها أن اللقاء بين ترامب ونتنياهو سيكون صعباً، فإن مجرياته والمؤتمر الصحافي المشترك الذي أعقبه أظهرا مجدداً مقدار التطابق في المواقف بين الطرفين، وأن التباين، إن وجد، فهو حول التفاصيل ضمن التحالف الاستراتيجي والرؤية المشتركة للمنطقة والعالم، والتي تبرز من خلال منطق سياسات القوة التي يتّبعها كلاهما.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث