طارق صالح في الرياض: بداية لاختبار النوايا؟

عدن - وجدي السالميالاثنين 2026/01/05
Image-1767647870
الأمير خالد بن سلمان والفريق طارق صالح (متداول)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار اللقاء الذي جمع الأحد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الفريق طارق صالح، بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان في الرياض، عاصفة من التساؤلات في الأوساط السياسية اليمنية، تتجاوز في عمقها الصورة البروتوكولية التي نُشرت عن الاجتماع، ورسمت أسئلة عما إذا كان هناك "إعادة تموضع" ناجحة للجنرال الذي فقد غطاءه الإقليمي بانسحاب الإمارات، أم أن الرياض تمارس سياسة "الاحتواء الحذر" لقوة عسكرية لم تكن يوماً تدين لها بالولاء الكامل؟

اللقاء الذي جاء بعد وساطات مكثفة، يطرح السؤال الأبرز: هل اقتنعت الرياض فعلاً بـ "توبة" طارق صالح السياسية وتعهداته بالانضباط تحت المظلة السعودية؟ المعلومات تشير إلى أن صالح وجد نفسه في مأزق وجودي مع اشتعال الجبهة الشرقية (حضرموت والمهرة) وانسحاب الحليف الإماراتي، مما دفعه للهروب إلى الأمام نحو الرياض. لكن مراقبين يتساءلون: هل ستقبل المملكة بلعب دور "البديل" الجاهز لتمويل وحماية قوات "المقاومة الوطنية"، أم أنها ستشترط تفكيك استقلاليتها الواسعة ودمجها كلياً في هيكل وزارة الدفاع اليمنية، وهو ما يعني عملياً نهاية مشروع طارق صالح الخاص في الساحل الغربي.

 

شرخ حاد بين السعودية والإمارات

ويأتي تحرك صالح في أعقاب تصعيد غير مسبوق كشف عن شرخ حاد بين الحليفين الخليجيين السابقين. فقد أدى تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من الإمارات والداعي إلى انفصال جنوب اليمن، في محافظتي حضرموت والمهرة الحدوديتين مع السعودية، إلى تفجير الأزمة بين الرياض وأبوظبي.

وردت السعودية، التي تعتبر تلك المناطق حساسة لأمنها القومي، بتنفيذ غارة جوية على ميناء المكلا، قالت إنها استهدفت شحنة أسلحة إماراتية، ووصفت دعم أبوظبي للمجلس الانتقالي بأنه يشكل "خطورة بالغة" على استقرار اليمن والمنطقة.

وعقب ذلك، أعلنت الحكومة اليمنية إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، وطالبت بانسحاب قواتها، وهو ما نفذته أبوظبي فعلياً. وقد ترك هذا الانسحاب حلفاء الإمارات السابقين، وفي مقدمتهم طارق صالح الذي تسيطر قواته على مناطق استراتيجية مطلة على مضيق باب المندب، في وضع سياسي وعسكري بالغ الحساسية، ما دفعه إلى التوجه نحو الرياض بحثاً عن ترتيبات جديدة.

 

محادثات الرياض

ولم يكن اللقاء الحاسم مع الأمير خالد بن سلمان هو المحطة الوحيدة لطارق صالح في الرياض. تشير المعلومات  إلى أن العميد أجرى محادثات تمهيدية مكثفة شملت اجتماعاً مع رئيس مجلس النواب، الشيخ سلطان البركاني، في اليوم ذاته. ناقش الجانبان التطورات الأخيرة وآليات احتوائها، حيث ثمنا الجهود السعودية الداعمة لليمن. ولا يعد هذا اللقاء حدثاً منعزلاً، بل يأتي في سياق الدور الفاعل للبركاني كوسيط وحلقة وصل بين الأطراف اليمنية الرئيسية. يبدو أن هذه السلسلة من الاتصالات، إلى جانب وساطة بريطانية شكلت مجتمعة الممر الذي مهّد لتحديد موعد اللقاء بين صالح ووزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، كجزء من جهود وساطة داخلية ودولية لإيجاد مخرج من المأزق الراهن.

وتكشف هذه التحركات المتداخلة عن استراتيجية سعودية أوسع تهدف إلى إعادة ترتيب هيكل "الشرعية" اليمنية، التي تشهد انقسامات داخلية حادة. تسعى الرياض، بالتعاون مع أطراف يمنية مؤثرة، إلى صياغة رؤية جديدة قائمة على التنسيق مع جميع المكونات السياسية والعسكرية، شمالية وجنوبية، لوضع حد للإجراءات المنفردة التي تهدد الاستقرار، وفقاً لمصدر سياسي يمني رفيع مقيم في الرياض.

وبحسب المصدر، تتمثل الركيزة الأساسية لهذه الرؤية بإعادة دمج التشكيلات العسكرية المتباينة تحت قيادة موحدة تخضع لإشراف وزارة الدفاع في الحكومة المعترف بها دولياً. ويتجلى هذا المطلب بوضوح في الشرط السعودي لعمل قوات طارق صالح ضمن "غرفة عمليات موحدة"، وهو النموذج الذي قد يتم تعميمه على بقية التشكيلات. الهدف الطموح هو إعادة هيكلة المشهد العسكري اليمني برمته تحت مظلة مؤسسات الدولة، وبإشراف قيادة القوات المشتركة للتحالف العربي، لتحويل الأولوية مجدداً نحو المعركة الأساسية لاستعادة الدولة من الحوثيين.

 

لقاء صالح والأمير خالد بن سلمان

ومساء الأحد، أعلن طارق صالح عبر منصة "إكس" عن لقائه بوزير الدفاع السعودي، قائلاً: "التقيت اليوم أخي سمو الأمير خالد بن سلمان… وفي لقاء عكس روح الأخوة، تبادلنا الرؤى حول المستجدات في الساحة اليمنية وسبل تعزيز الجهود المشتركة لدعم استقرار اليمن وأمن المنطقة". 

ويتقاطع هذا الإعلان مع ما نقله مصدر مسؤول مقرب من صالح، في حديث حصري لـ"المدن"، أفاد بأن اللقاء جاء عقب وساطة بريطانية. ووفقاً للمصدر، قدم صالح خلال الاجتماع تفسيرات لمواقفه السابقة، مؤكداً للجانب السعودي أن قواته، بعد انسحاب الإمارات من المشهد العسكري في اليمن، ستكون "منصاعة في قرار السلم والحرب لتوجيهات قيادة التحالف العربي ممثلة بالسعودية". 

كما أكد التزامه بالعمل "بالتكامل" مع مختلف التشكيلات العسكرية الداعمة للحكومة اليمنية في مواجهة جماعة الحوثي، وتعهد بعدم الانخراط في أي صراعات داخل صف الشرعية. وفيما يتعلق بانحيازه السابق إلى بيان اعتراض داخل مجلس القيادة الرئاسي، كان قد وقعه إلى جانب ثلاثة أعضاء آخرين، أوضح صالح أن اعتراضه انصب على "آليّة إدارة المجلس" واتخاذ القرارات بصورة منفردة، وليس على مضمون تلك القرارات، مشيراً إلى أن مرسوم نقل السلطة كان يتيح تمريرها عبر المجلس.

 

تطمينات سعودية محدود

وبحسب المصدر، الذي طلب عدم نشر هويته لحساسية الموقف، قدمت السعودية تطمينات محدودة لصالح، مفادها عدم وجود نية لتغيير مسرح عمليات قواته في الساحل الغربي. غير أن هذه الضمانة ارتبطت بشرط أساسي، يتمثل في عمل قواته ضمن غرفة عمليات موحدة تتولى تنظيم القرار العسكري وإصدار التوجيهات، وهو ما يعني عملياً تقليص الاستقلالية الواسعة التي تمتعت بها قوات صالح لسنوات، ودمجها تدريجياً في هيكل قيادة موحدة تشرف عليها الرياض بالتنسيق مع وزارة الدفاع في الحكومة اليمنية.

 

مؤتمر شامل

وفي السياق تتحرك الرياض لاستضافة مؤتمر شامل للقضية الجنوبية، بعد أن تقدم رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، بطلب رسمي إلى المملكة لاستضافة مؤتمر جنوبي جامع يضم مختلف المكونات والقوى الجنوبية دون استثناء، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي. وجاء الطلب استجابة لمناشدات من قوى جنوبية رفضت ما وصفته بـ"القرارات الانفرادية" لرئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي.

ورحبت السعودية رسمياً بالطلب، ودعت وزارة الخارجية السعودية في بيان جميع المكونات الجنوبية إلى المشاركة الفاعلة في المؤتمر، مؤكدة أن الهدف هو توفير منصة حوار تسعى إلى "بلورة تصور شامل للحلول العادلة للقضية الجنوبية".

 

صراع أوسع

وتتزامن هذه التحركات مع صراع أوسع حول مستقبل اليمن، ففي الوقت الذي يسعى فيه لاعبون مثل طارق صالح إلى التكيف مع التوازنات الجديدة، أعلن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي عن "فترة انتقالية مدتها عامان" تمهيداً لإجراء استفتاء على انفصال الجنوب، في حين تطرح مبادرة حوار الرياض نفسها كمسار تفاوضي بديل.

ويرى المحلل الاستراتيجي محمد علي المقرعي أن "الأزمة الحالية تعيد تعريف شبكة التحالفات بالكامل"، مضيفاً أن السعودية "تعزز سيطرتها المباشرة عبر تحركات عسكرية في الشرق، وإخضاع ترتيبات القوى في الغرب"، في حين "تترك الإمارات خلفها ورقة سياسية معقدة"، بينما يدفع وكلاء الأمس، ومنهم طارق صالح، ثمن بقاءهم عبر التخلي عن قدر كبير من استقلاليتهم والانصياع لقيادة موحدة تقودها الرياض لصالح الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

ويخلص المقرعي إلى أن صورة المصافحة بين طارق صالح والأمير خالد بن سلمان قد تشير إلى بداية مرحلة جديدة، لكنها لا تقدم إجابة نهائية، مؤكداً أن الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كان صالح قد نجح في تجاوز مأزقه بحليف جديد، أم أنه دخل مرحلة تقيّده بشروط سعودية قد تجعل استمراره مرهوناً بتنازلات صعبة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث