عُقد في دمشق اجتماع رسمي في الرابع من كانون الثاني/يناير 2026، يأتي في إطار متابعة تنفيذ اتفاق 10 آذار الذي انتهت مدته مع نهاية العام الفائت، والموقّع سابقاً بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي. إلا أن الاجتماع، الذي ضمّ وفداً عسكرياً رفيع المستوى من "قسد" ومشاركة أميركية مباشرة، كشف أن الاتفاق لا يزال أقرب إلى إطار سياسي عام منه إلى خطة تنفيذية واضحة المعالم.
الاجتماع جمع، عن جانب "قسد"، كلاً من مظلوم عبدي، وسيبان حمو، وسوزدار ديريك، بينما شارك عن الولايات المتحدة قائد قوات "العزم الصلب" الجنرال كيفن لامبرت. أما الوفد الحكومي السوري، فضمّ ضباطاً من وزارتي الدفاع والداخلية، عُرف منهم حسين السلامة رئيس جهاز المخابرات العامة، والعميد زياد العايش.
وبينما كان متوقعاً أن يشكّل الاجتماع محطة حاسمة في ملف الاندماج العسكري، انتهى من دون أي اتفاق نهائي، مكتفياً بتكريس مسار تفاوضي مفتوح، تُرحّل فيه القضايا الخلافية الكبرى إلى جولات لاحقة.
"مكافحة داعش" تتصدر الطاولة
استحوذ ملف الحرب ضد تنظيم "داعش" على غالبية النقاشات، إلى درجة أن الاجتماع بدا أقرب إلى جلسة تنسيق أمني موسعة، أكثر منه مفاوضات سياسية–عسكرية حول مستقبل "قسد".
تركّز النقاش على ثلاثة عناوين أساسية:
منع الفراغات الأمنية، استمرار الضغط على خلايا التنظيم النشطة، وضمان التنسيق بين مختلف القوى المنتشرة ميدانياً. وقد لعب الجنرال الأميركي دوراً محورياً في إدارة هذا الجزء من الاجتماع، في تأكيد جديد على أن الولايات المتحدة لا تزال ترى في "داعش" أولوية تتقدم على كل الملفات الأخرى.
هذا التركيز لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل عكس بوضوح حدود الدور الأميركي: واشنطن معنية بالاستقرار الأمني ومنع عودة التنظيم، لكنها أقل حماساً للدخول في تفاصيل إعادة هندسة السلطة العسكرية في سوريا، طالما أن الوضع القائم يخدم هدفها الأساسي.
الاندماج المؤجَّل
في المقابل، لم يحظَ ملف الاندماج العسكري إلا بحيّز محدود من النقاش، لم يخرج عن إعادة عرض المواقف المعروفة للطرفين. الحكومة السورية جدّدت تمسكها برؤية واضحة: لا جيوش موازية، ولا هياكل مستقلة داخل الدولة، ولا قبول بأي صيغة يمكن أن تؤسس لازدواجية عسكرية طويلة الأمد.
في هذا السياق، طرحت دمشق مقترحاً يقضي بدمج "قسد" ضمن ثلاث فرق عسكرية، تخضع لإشراف وزارة الدفاع السورية، مع رفض صريح للإبقاء على القيادات الحالية ضمن هيكلها القائم. بالنسبة للحكومة، لا يمكن لأي اندماج أن يكون شكلياً أو مرحلياً، بل يجب أن ينتهي إلى تفكيك البنية المستقلة لـ"قسد" وإعادة إدماجها ضمن المؤسسة العسكرية الرسمية.
في المقابل، رفضت "قسد" دخول الجيش السوري إلى مناطق سيطرتها، ولم تُبدِ استعداداً لتقديم تنازلات عملية في هذا الملف، ما جعل الحديث عن اختراق حقيقي أقرب إلى الوهم.
لا فيدرالية… لكن
سياسياً، حمل الاجتماع رسالة سورية واضحة: لا فيدرالية في المرحلة الحالية. هذا الموقف، الذي تكرره دمشق منذ سنوات، لم يتغير، لكنه أُرفق هذه المرة بنبرة أكثر مرونة تجاه قضايا أخرى.
فالحكومة أبدت استعداداً للتفاهم حول الخصوصيات المحلية، وتوسيع صلاحيات الإدارات المحلية، وضمان حقوق المكونات، ضمن إطار دولة مركزية واحدة. وبذلك، تسعى دمشق إلى تفكيك مطلب اللامركزية إلى عناصر إدارية وقانونية، دون تحويله إلى مشروع سياسي–سيادي.
في المقابل، ترى "قسد" في هذه المقاربة محاولة للالتفاف على جوهر مطالبها، معتبرة أن أي عودة إلى مركزية صارمة ستُفرغ مكتسباتها من مضمونها، خصوصاً في ظل غياب ضمانات دستورية واضحة.
انزعاج أميركي
أظهر الجانب الأميركي انزعاجاً من بطء التقدم في ملف الاندماج، إلا أن هذا الانزعاج بقي محكوماً بسقف منخفض. فلا ضغوط حقيقية مورست على "قسد"، ولا إشارات إلى تغيير جذري في الموقف الأميركي.
ويعكس ذلك إدراكاً أميركياً لحساسية اللحظة: أي ضغط مفرط قد يدفع "قسد" إلى التصلّب، وأي انحياز واضح لدمشق قد يهدد منظومة التنسيق القائمة في محاربة "داعش". لذلك، اختارت واشنطن لعب دور الوسيط المراقب، لا الطرف الحاسم.
خرج الاجتماع بجملة من النتائج الإجرائية، أهمها: عدم التوصل إلى اتفاق نهائي، والاتفاق على استمرار الجلسات وعقد اجتماع جديد خلال الأسبوع التالي، وتمديد غير معلن لفترة المفاوضات، والتأكيد أن الاجتماع يشكّل بداية مسار تفاوضي لا نهايته.
هذه النتائج، رغم محدوديتها، تعكس رغبة مشتركة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وتجنّب الانزلاق إلى المواجهة.
لماذا يستمر التفاوض؟
استمرار الاجتماعات لا يعني قرب التوصل إلى اتفاق، لكنه يدل على غياب أي نية لدى الطرفين للدخول في صراع مفتوح. فالحكومة السورية تدرك أن أي مواجهة عسكرية في الشمال الشرقي ستكون مكلفة، سياسيًا وأمنياً. و"قسد" تدرك بدورها أن الذهاب بعيدًا في التصعيد قد يفقدها الغطاء الدولي الذي تعتمد عليه.
من هنا، يتحول التفاوض إلى إدارة خلاف أكثر منه مسار حل، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي، دون كسر الخطوط الحمراء للطرف الآخر.
وتشير المعطيات إلى أن أي تقدم في ملف الاندماج العسكري سيُفتح على ملفات أكثر حساسية، أبرزها النفط، والمعابر، ومؤسسات الإدارة الذاتية. وهذه الملفات تمثل جوهر الصراع الحقيقي، لأنها تمسّ موارد السلطة والاقتصاد، لا مجرد الترتيبات الأمنية.
ولهذا السبب تحديداً، يتم التعامل معها بحذر شديد، وتأجيلها إلى مرحلة لاحقة، ريثما تتضح ملامح التفاهم العسكري.
ما بعد الاجتماع
تؤكد مصادر حكومية أن "ما بعد هذه الاجتماعات ليس كما قبلها"، ليس لأن اتفاقاً وشيكاً بات قريباً، بل لأن قواعد اللعبة التفاوضية باتت أوضح. دمشق رفعت سقفها بوضوح، و"قسد" كشفت حدود استعدادها للتنازل، والولايات المتحدة حدّدت أولوياتها بلا مواربة.
لا يبدو أن سوريا تقف على أعتاب تسوية شاملة في الشمال الشرقي، لكنها دخلت مرحلة جديدة من التفاوض الطويل، حيث يُدار الصراع بدل حسمه، وتُؤجَّل الأسئلة الكبرى إلى وقت لم ينضج بعد.
وحتى ذلك الحين، سيبقى اتفاق 10 آذار إطاراً عاماً، لا أكثر، وستبقى "داعش" العنوان الوحيد القادر على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، ولو مؤقتاَ.
