تتواصل الاحتجاجات الواسعة في إيران لليوم الثامن على التوالي، وسط تصعيد أمني غير مسبوق واتهامات مباشرة لقوات الأمن بـ"الاستهداف العشوائي للمدنيين"، في وقت أفادت فيه منظمات حقوقية بمقتل ثلاثة أطفال واعتقال عشرات القاصرين، على خلفية احتجاجات اندلعت بسبب الانهيار الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور العملة الوطنية.
وجاء التصعيد الأمني بعد تصريحات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي وصف المحتجين بـ"مثيري الشغب"، وقال إنهم يجب أن "يوضعوا في مكانهم". كما أكد رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني إيجئي أنه "لن يكون هناك أي تساهل هذه المرة"، داعياً إلى تسريع الإجراءات القضائية وإصدار الأحكام بحق المتورطين في الاحتجاجات من دون تأخير، بحسب ما نقل التلفزيون الإيراني.
غير أن مسؤولين آخرين، بدت لغتهم أكثر ليونة، مما يعكس انقساماً إيرانياً تجاه التعامل مع الاحتجاجات. فقد دعا رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى التعامل مع المحتجين عبر الحوار، معتبراً أن مطالبهم "مشروعة"، مشدداً على ضرورة بذل أقصى الجهود لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. لكنه شدد في الوقت نفسه على ضرورة الفصل بين المحتجين ومن وصفهم بـ"مثيري الشغب المرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بأجهزة استخبارات أجنبية".
من جهته، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال اجتماع لمجلس الوزراء إن "الأساليب القهرية لا يمكن أن تهدئ المجتمع أو تقنعه"، داعياً إلى التواصل المستمر والشفاف مع المواطنين، وإلى فتح قنوات حوار مع الطلاب والوجهاء المحليين لمنع تصاعد السخط الاجتماعي.
تحذير أميركي وتصعيد إقليمي
على الصعيد الدولي، حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب طهران من أن الولايات المتحدة "ستضرب بقسوة" إذا واصلت قتل المتظاهرين، قائلاً إن واشنطن "تراقب الوضع عن كثب". وجاءت تصريحات ترامب بعد أيام من حديثه عن تشديد الضغوط على إيران، وفي ظل تكهنات متزايدة بشأن احتمال توجيه ضربات أميركية أو إسرائيلية.
وفي السياق نفسه، اتهمت إيران إسرائيل بالسعي إلى "تقويض وحدتها الوطنية"، بعد تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحدث فيها عن تضامن بلاده مع "تطلعات الشعب الإيراني للحرية". وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن هذه التصريحات "تحريض على العنف"، وفق ما نقلته وكالة "فرانس برس".
أطفال في مرمى الرصاص
ميدانياً، قالت منظمة "نشطاء حقوق الإنسان في إيران"، ومقرها الولايات المتحدة، إن الاحتجاجات امتدت إلى 78 مدينة و222 موقعاً في مختلف أنحاء البلاد، وأسفرت حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً واعتقال نحو 990 آخرين. وأضافت المنظمة أنها وثقت اعتقال ما لا يقل عن 44 قاصراً منذ بدء الاحتجاجات.
وأفادت منظمة "هنغاو" الحقوقية، ومقرها النرويج، بمقتل مصطفى فلاحي (15 عاماً) في مدينة أزنا وسط إيران، بعد أن فتحت قوات الأمن النار على متظاهرين في الأول من كانون الثاني/يناير. كما أكدت المنظمة مقتل رسول كديفاريان (17 عاماً) وشقيقه رضا في مدينة كرمانشاه، في الثالث من الشهر نفسه، إثر إطلاق نار مباشر من قبل القوات الأمنية على تجمع احتجاجي.
وفي واقعة ثالثة، تحدثت وسائل إعلام رسمية إيرانية عن مقتل فتى يبلغ من العمر 17 عاماً في مدينة قم، وهو ما أكدته منظمات حقوقية قالت إن هوية القتيل لم تُوثّق بشكل كامل حتى الآن.
ونقلت صحيفة "الغارديان" البريطانية عن نائبة مدير منظمة "هنغاو"، سكايلا تومسون، قولها إن المنظمة وثقت عمليات القتل والاعتقالات بحق القاصرين، مشددة على أن "هذه الأرقام تقدم دليلاً واضحاً على الحضور الواسع للشباب والأطفال في الاحتجاجات الجارية، وأن الاستهداف العشوائي للسكان المدنيين يجب أن يُدان على نطاق واسع بوصفه انتهاكاً للقانون الدولي، ولا سيما في ظل وجود أطفال بين المتظاهرين".
إطلاق نار واقتحام مستشفيات
وقال شهود عيان من محافظة إيلام غرب إيران، إن قوات الأمن أطلقت النار على تجمعات احتجاجية قرب مبانٍ حكومية في منطقة ملكشاهي، حيث كان المحتجون يطالبون بالإفراج عن معتقلين. وقال أحد الشهود لـ"الغارديان" إن "القوات فتحت النار علينا بشكل مفاجئ، وشعرت وكأننا في ساحة حرب. كانوا يطلقون النار كما لو أنهم يواجهون أعداء مسلحين، لا مدنيين عزل. رأيت عدداً من الجرحى، وأعتقد أن بعضهم قُتل في المكان".
وأضاف الشاهد أن المتظاهرين حاولوا نقل المصابين إلى المستشفيات ومنع القوات الأمنية من اعتقال الجرحى. وفي هذا السياق، أفادت منظمات حقوقية بأن قوات الأمن داهمت مستشفى الخميني في مدينة إيلام، حيث نُقل عدد من المصابين، في محاولة لاعتقالهم.
وقال آويار شيخي من منظمة "هنغاو" إن "قوات الدولة تطلق النار مباشرة على التجمعات الاحتجاجية من دون أي اعتبار لكون المستهدفين أطفالاً أو بالغين. القمع وحشي، إذ يُستخدم الغاز المسيل للدموع والأسلحة العسكرية، ويتعرض المعتقلون للضرب المبرح قبل نقلهم إلى أماكن مجهولة".
كما نقلت شهادات من مدينة قم أن القوات الأمنية كانت تدرك وجود أطفال ومراهقين بين المتظاهرين، "لكن ذلك لم يمنعها من إطلاق الرصاص المعدني والغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية"، وفق أحد الشهود.
احتجاجات بلا أفق واضح
وبحسب تقارير صحافية ومنصات حقوقية، فإن الاحتجاجات التي بدأت بإضرابات للتجار وأصحاب المحال احتجاجاً على التضخم وارتفاع الأسعار، تحولت سريعاً إلى شعارات سياسية مباشرة ضد النظام. وتُعد هذه الاحتجاجات الأوسع منذ حركة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، التي قُتل خلالها أكثر من 500 شخص، بينهم ما لا يقل عن 60 طفلاً.
وفي ظل غياب أي إحصاءات رسمية حول أعداد القتلى والجرحى والمعتقلين، واستمرار الخطاب الأمني المتشدد، تبدو إيران مقبلة على مرحلة أكثر توتراً، مع تصاعد الغضب الشعبي، وتزايد الضغوط الدولية، وانسداد الأفق السياسي حتى الآن.
