هل عادت أميركا الجنوبية حديقة خلفية لواشنطن؟

شفيق طاهرالأحد 2026/01/04
Image-1767472168
ترامب يعيد منطق القوة لكن العالم تغير (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، عاد سؤال قديم إلى الواجهة، هل تستعيد الولايات المتحدة نظرتها التقليدية إلى أميركا الجنوبية كفضاء نفوذ حصري، أو ما كان يسمى تاريخياً الحديقة الخلفية لواشنطن؟

السؤال مشروع، لكن الإجابة معقدة. صحيح أن لغة القوة والعقوبات والضغوط عادت بكثافة، بل حتى التلويح بتغيير أنظمة بالقوة، إلا أن البيئة الدولية تغيرت جذرياً، صعود الصين، تمدد مجموعة بريكس، وتوازنات اقتصادية متعددة الأقطاب تجعل السيطرة المنفردة على أميركا الجنوبية أصعب من أي وقت مضى. أميركا الجنوبية اليوم ليست حديقة مغلقة، بل ميدان تنافس شديد ومفتوح.

 

من هامش الاهتمام إلى أولوية أمن قومي

في الولاية الأولى لترامب، انصب التركيز على ملف الهجرة وبناء الجدار مع المكسيك، مع تصعيد العقوبات على كوبا وفنزويلا، فيما بقيت بقية دول أميركا الجنوبية خارج دائرة الاهتمام العميقلكن في الولاية الثانية، تغير المشهد. أصبحت الأميركيتان محوراً أساسياً في استراتيجية الأمن القومي الأميركية، بوصفهما خط الدفاع الأول أمام الهجرة غير النظامية، وتجارة المخدرات، والأهم تمدد النفوذ الصيني في نصف الكرة الغربي.

من هنا برزت قناعة لدى الإدارة الأميركية الحالية بأن أي فراغ أميركي سيملؤه لاعبون منافسون، وهذا ما يعني العودة إلى سياسة أكثر صلابة وتدخلاً مقارنة بسنوات الرئيسين أوباما وبايدن.

 

اقتصادياً الرسوم والعزل عن الصين

اقتصادياً، تبنى الرئيس ترامب سياسة رسوم جمركية واسعة، تحت عنوان المعاملة بالمثل. ففرض تعرفة عامة على أغلب دول المنطقة، مع نسب أعلى على بلدان معينة، بحجة حماية السوق الأميركية.

الهدف المعلن من رفع الرسوم هو دفع دول أميركا الجنوبية لإعادة توجيه سلاسل الإمداد نحو الولايات المتحدة وتقليص ارتباطها بالسوق الصينية. لكن الوقائع الاقتصادية تروي قصة أخرى. الصين باتت الشريك التجاري الأول لعدد كبير من دول المنطقة، والتبادل التجاري تضاعف عشرات المرات خلال العقدين الماضيين، متجاوزاً في حالات كثيرة حجم التجارة مع واشنطنوبذلك، تحاول الولايات المتحدة كبح موجة اقتصادية تسير عكس اتجاه رغبتها.

 

عسكرة الكاريبي والضربة الكبرى

عسكرياً، شهدت المنطقة عودة واضحة لمنطق عرض القوى، فقد رافق الخطاب الأميركي المتشدد حول فنزويلا حشود بحرية واسعة في الكاريبي، تحت لافتة مكافحة المخدرات، مع نشر قطع بحرية متطورة وغواصات وطائرات مسيرة.

الذروة تمثلت في العملية العسكرية ضد فنزويلا مطلع العام 2026، والتي انتهت بإطاحة الرئيس نيكولاس مادورو واعتقاله مع زوجته. هكذا تكرس للمرة الأولى منذ عقود استخدام القوة المباشرة لتغيير نظام في أميركا اللاتينية، في مشهد أعاد إلى الأذهان عمليات التدخل الكبرى في القرن الماضي.

فنزويلا اعتبرت ما جرى عدواناً، وأعلنت التعبئة والطوارئ. لكن الرسالة وصلت إلى بقية العواصم في أميركا الجنوبية، واشنطن مستعدة عند الضرورة للانتقال من العقوبات إلى الضربات.

 

هل عادت الحديقة الخلفية فعلا؟

يمكن رصد عناصر تدعم هذه الفرضية، أولها، تركيز واشنطن الجغرافي على نصف الكرة الغربي، وإصرارها على إغلاق الطريق أمام الصين وروسيا. ثانيها، التدخل العسكري العلني، الذي يكرس نموذج القوة الصلبةوثالثها، استخدام الأدوات المالية والجمركية للضغط وإعادة تشكيل الخيارات الاقتصادية للدول.

لكن في المقابل، هناك معطيات بنيوية تمنع عودة الاحتكار الأميركي القديم. أبرز هذه المعطيات هو صعود الصين شريكاً اقتصادياً أول في الإقليم. فالبرازيل مثلاً تعتمد على السوق الصينية لتصريف جزء أساسي من صادراتها، وكذلك تشيلي والبيرو وغيرها. كما أن كثيراً من الدول باتت تعتمد على الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والطاقة والمعادن.

إضافة إلى ذلك، لا تتخذ جميع الحكومات الأميركية الجنوبية موقفاً واحداً من واشنطن وبكين، فهناك العديد من المحاولات لتحقيق توازن بينهما، باالاستفادة من الصين من دون خسارة ارتباطات تاريخية بالولايات المتحدة.

كما أن وجود لاعبين آخرين مثل روسيا والاتحاد الأوروبي يمنح الإقليم خيارات إضافية، حتى وإن كان تأثيرهم متفاوتاً.

 

من يملك القدرة على الممانعة؟

داخل المنطقة، تبقى البرازيل المرشح الأبرز للعب دور الموازن مع الولايات المتحدة. فهي من كبرى الاقتصاد في المنطقة، وعضو فاعل في بريكس، وتتمتع بهوامش حركة أوسع بفضل تنوع شركائها. لكنها تميل إلى التوازن لا المواجهة المباشرة، إذ تدرك أن التصعيد مع واشنطن مكلف للجميع.

المكسيك بدورها شديدة الارتباط بالسوق الأميركية، ما يجعل قدرتها على التحدي محدودة، بالرغم من امتلاكها أوراق مساومة في ملفات التجارة والهجرة.

أما بقية الدول من الأرجنتين إلى كولومبيا وتشيلي فتقف بين حاجتها إلى التمويل والدعم الغربي من جهة، ورغبتها في تنويع الشراكات من جهة أخرىعلى المستوى الدولي، تمثل الصين الموازن الأهم اقتصادياً، بينما تؤدي روسيا دوراً أمنياً وسياسياً أكثر منه اقتصادياً، عبر دعم أنظمة معينة ومراكمة نفوذ رمزي في مواجهة واشنطن.

يمكن القول إن إدارة الرئيس ترامب أعادت بقوة منطق الحديقة الخلفية في شقه العسكري والرمزيضربات عسكرية، استعراض للقوة، ورسائل واضحة بأن نصف الكرة الغربي جزء من الأمن القومي الأميركي.

لكن الواقع يتغير واصبحنا في عالم الاقتصاد فيه متعدد الأقطاب، من صعود صيني متسارع، الى حكومات إقليمية تبحث ولو بحذر عن هوامش استقلال. لذلك تبدو العودة إلى الهيمنة الأحادية كما كانت في القرن العشرين أمراً صعباً، حتى وإن بدت واشنطن اليوم أكثر استعدادا لاستخدام العصا من جديد.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث