يشكّل الإعلان عن قرب بدء تنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار بين الدولة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد)، محطة سياسية وأمنية مفصلية في مسار إعادة بناء الدولة السورية بعد سنوات طويلة من الصراع والتشظّي. فهذا الاتفاق، الذي أُنجز في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، لا يمكن قراءته بوصفه تفاهماً تقنياً أو أمنياً محدود الأثر، بل باعتباره محاولة جادّة لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة السورية ومناطق شمال وشرق البلاد، على أسس السيادة ووحدة المؤسسات، وبما يفتح الباب أمام معالجة واحدة من أعقد الإشكاليات التي خلّفتها الحرب.
الحضور الأميركي… إشراف أم ضمانات؟
إن حضور الطرف الأميركي في الإشراف على تنفيذ الاتفاق، بطلب مباشر من الرئيس أحمد الشرع، يعكس إدراكاً رسمياً لحساسية المرحلة، وحجم التشابكات الإقليمية والدولية المرتبطة بملف شمال وشرق سوريا. فالدور الأميركي هنا لا يمكن فصله عن كونه عامل ضمان مرحلي، يهدف إلى منع الانزلاق نحو صدامات جديدة، وضبط إيقاع التنفيذ بما يراعي توازنات القوى القائمة.
غير أن هذا الحضور، رغم أهميته العملية، يبقى محكوماً بسقف واضح: التأكيد على أن الاتفاق شأن سوري–سوري في جوهره، وأن الإشراف الدولي لا يُنتج وصاية سياسية، بل يوفّر مظلة انتقالية مؤقتة تتيح للأطراف تنفيذ التزاماتها ضمن بيئة أقل توتراً. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن قبول الدولة السورية بهذا الدور جاء من منطلق براغماتي، لا يمسّ جوهر السيادة، بل يهدف إلى استعادتها بصورة تدريجية ومدروسة.
"قسد" بين الواقعية السياسية ومنطق الدولة
اللافت في الخطاب المرافق للاتفاق، هو التأكيد المتكرر من جانب "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) على احترام سيادة الدولة السورية، والاستعداد لتفعيل المؤسسات السيادية في مناطق شمال وشرق البلاد. هذا التحول في الخطاب لا يمكن فصله عن إدراك "قسد" لمحدودية الخيارات المتاحة أمامها، في ظل المتغيرات الإقليمية، والضغوط التركية المستمرة، وتراجع هامش المناورة الدولية.
لقد أظهرت السنوات الماضية أن إدارة مناطق واسعة خارج الإطار السيادي للدولة، مهما بدت مستقرة نسبيًا، تبقى حالة هشّة وقابلة للانفجار عند أول تحوّل إقليمي كبير. من هنا، يمكن فهم حرص "قسد" على الانخراط في مسار يعيد إنتاج علاقتها بالدولة، لا بوصفها خصماً أو بديلاً، بل كجزء من بنية وطنية أوسع، تحفظ لها دوراً سياسيًاً وأمنياً ضمن سقف الدولة الواحدة.
الجيش الواحد… تعددية التشكيلات ووحدة القرار
يُعدّ التأكيد على أن سوريا لا تحتمل سوى جيش واحد، حتى وإن تعددت تشكيلاته، من الركائز الأساسية لاتفاق العاشر من آذار. فالتجارب المقارنة في دول ما بعد النزاعات أثبتت أن بقاء قوى عسكرية موازية، مهما كانت نواياها، يُنتج دولة رخوة، ويُبقي احتمالات العنف قائمة.
في هذا السياق، تبرز التفاهمات المتعلقة بدمج عدد من قيادات "قسد" في وزارة الدفاع السورية، بصفات رسمية كضباط في الجيش، باعتبارها خطوة عملية باتجاه توحيد السلاح والقرار العسكري. هذا الدمج، إذا ما أُنجز وفق معايير مهنية ووطنية واضحة، يمكن أن يشكّل جسرًا بين مرحلتين: مرحلة الصراع والانقسام، ومرحلة الدولة الجامعة التي تستوعب أبناءها ضمن مؤسساتها الشرعية.
الثقة بشخص الرئيس
تعتمد "قسد"، وفق المعطيات المتداولة، على ما تصفه بوطنية الرئيس أحمد الشرع، وحرصه على إنجاح عملية الدمج، ليس بوصفها تسوية أمنية مؤقتة، بل كمدخل للتفرغ لمهمة أكثر إلحاحاً: إعادة بناء سوريا بما يليق بتضحيات السوريين جميعاً.
هذه الثقة، سواء اتفق معها البعض أو اختلف، تعكس قناعة لدى "قسد" بأن القيادة السياسية الحالية تمتلك هامشاً من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ قرارات صعبة، دون الانجرار إلى منطق الإقصاء أو الغلبة. غير أن نجاح هذا الرهان يبقى مشروطاً بترجمة النوايا السياسية إلى سياسات واضحة، تُطمئن مختلف المكوّنات، وتؤكد أن الدمج ليس استيعاباً شكلياً، بل شراكة وطنية ضمن دولة القانون.
الثروات الباطنية
يشكّل ملف الثروات الباطنية، وفي مقدمها المشتقات النفطية، أحد أكثر الملفات حساسية في شمال وشرق سوريا. وقد أكّد الاتفاق، وفق ما تسرّب من معطيات، أن هذه الثروات ستكون بمتناول جميع السوريين، ضمن إطار مؤسسات الدولة السورية.
إن هذا التحول، في حال تنفيذه فعلياً، ينقل إدارة الموارد من منطق السيطرة الجغرافية إلى منطق الشراكة الوطنية، حيث تصبح الثروات ملكاً عاماً تُدار لصالح الدولة والمجتمع. كما أن تخصيص جزء من عائدات المشتقات النفطية للمناطق التي تُستخرج منها، يقدّم نموذجًا متوازنًا يجمع بين العدالة التنموية ووحدة المالية العامة، ويُسهم في تخفيف الشعور بالتهميش الذي عانت منه تلك المناطق تاريخيًا.
البعد التركي… الدولة كوسيط وحامٍ
لا يمكن تجاهل حجم الخلافات بين "قسد" وتركيا، والتي شكّلت على الدوام عامل ضغط رئيسي على مناطق شمال وشرق سوريا. فتركيا تنظر إلى "قسد" من زاوية أمنية صِرفة، في حين ترى قسد في التدخلات التركية تهديدًا مباشرًا لوجودها.
في هذا السياق، تطمح "قسد" إلى أن تُحلّ هذه الخلافات عبر بنية الدولة السورية، بما يعنيه ذلك من نقل العلاقة من مستوى الصراع المباشر إلى مستوى التفاوض بين دول. إن نجاح الدولة السورية في لعب هذا الدور الوسيط، والحامي لسيادتها وحدودها في آن واحد، من شأنه أن يخفّف من احتمالات التصعيد، ويعيد ضبط العلاقة مع أنقرة ضمن أطر سياسية وأمنية أكثر استقراراً.
بين الفرصة والمخاطر
يمثّل اتفاق العاشر من آذار، وما يرافقه من بدء وشيك للتنفيذ، فرصة نادرة لإعادة ترتيب المشهد السوري على أسس أكثر تماسكاً. لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطر حقيقية، إذا ما تعثّر التنفيذ، أو جرى التعامل معه بمنطق التكتيك المؤقت بدل الرؤية الاستراتيجية.
إن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية صلبة، وقدرة على تقديم تنازلات متبادلة، دون المساس بالثوابت الوطنية، وفي مقدمتها وحدة الأرض والشعب والمؤسسات. وفي حال أُحسن استثماره، قد يشكّل هذا الاتفاق خطوة متقدمة على طريق خروج سوريا من منطق السلاح والانقسام، إلى منطق الدولة والسياسة، وهو ما يتطلع إليه السوريون بعد سنوات طويلة من الألم والتضحيات.
