إيران: احتجاجات بلا قيادة وبلا عمق

Image-1767468547
احتجاجات إيران ظلت محدودة بسبب مجموعة من العوامل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كما كان متوقعاً، تحولت الاحتجاجات المحدودة التي أطلقها أصحاب المحلات التجارية المتوسطة في بازار طهران يوم الأحد الماضي، إلى احتجاجات جماهيرية في المحافظات والمدن البعيدة عن العاصمة. كانت حدة الاحتجاجات أكبر في المدن التي تعاني أكثر من الفقر والبطالة، وكذلك في المناطق البدوية في محافظات لرستان وفارس وإيلام، لكن الوضع في العاصمة كان هادئاً خلال الأيام الثلاثة الاخيرة.

 

مقتل متظاهرين

حاولت وسائل الإعلام الرسمية تقديم أول قتيل في الاشتباكات، الذي قُتل في مدينة كوهدشت بمحافظة لرستان، على أنه عضو في قوات تعبئة الباسيج التابعة للحرس الثورة، لكن والد القتيل – أمير حسين خداياري – أعلن في مراسم الجنازة أن ابنه لم يكن عضواً في التعبئة ولا من مثيري الشغب. المعلومات التي حصلت عليها "المدن" من سكان مدينة كوهدشت تشير إلى أن أمير حسين كان من المتظاهرين وليس عضواً في الباسيج ويشير بعض المشاركين في الاحتجاجات إلى أن عنصراً عسكرياً متقاعداً قام بإطلاق الرصاص على أمير حسين ما أدى إلى مقتله. وقد أصيب ذلك العسكري المتقاعد بجروح خطيرة بعد إطلاق النار على أمير حسين أثناء هجوم الناس عليه، لكنه ما زال على قيد الحياة وتم تحديد هويته، وقد هدد سكان المدينة بالانتقام منه.

كما قُتل أحد المتظاهرين في حي محطة الطاقة في مدينة قم، وهي منطقة فقيرة، بسبب انفجار مواد متفجرة، وتم اعتقال مجموعة. وبلغ العدد الإجمالي للقتلى حتى اليوم السابع سبعة أشخاص وفق التقارير.

 

 إسرائيل وأميركا تريدان اسقاط النظام

واجه موقف إسرائيل الداعم للاضطرابات وتشجيعها الشعب الإيراني إلى إسقاط النظام، وتهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بهجوم عسكري على إيران في حالة قمع المتظاهرين، برد فعل حاد من قبل السلطات السياسية، وكان أشدها رد فعل علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن الوطني، الذي هدد ترامب صراحة بهجوم عسكري على القواعد الأميركية في حالة تدخل الولايات المتحدة عسكرياً في إيران. ومن ناحية أخرى، أدى ذلك إلى تحسس القوات العسكرية الإيرانية من خطر التدخل الأمني الإسرائيلي في ما يتعلق بتوسيع نطاق الاحتجاجات. إضافة إلى ذلك، امتنع العديد من المعارضين الذين كانوا يرغبون في الانضمام إلى الاحتجاجات تجنباً لاتهامهم بالتآمر مع الأعداء.

لقد أظهر سلوك الشعب الإيراني خلال الحرب الإسرائيلية على إيران التي استمرت 12 يوماً أن الشعب الإيراني، على الرغم من استيائه من الحكومة والنظام، لا يقبل التدخل العسكري للدول الأجنبية لتغيير النظام.

في الأيام الأولى للحرب، طلب رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ومسؤولون آخرون من الشعب الإيراني النزول إلى الشوارع للتحرك ضد النظام على الأرض بالتوازي مع الهجوم الجوي للجيش الإسرائيلي لإسقاط النظام.

كان رد فعل الشعب الإيراني على طلب نتنياهو محبطاً له، لأن ذلك دفع العديد من المعارضين إلى صفوف مؤيدي النظام.

 

ضياع رأس المال الاجتماعي

أتاحت الحرب الإسرائيلية التي استمرت 12 يوماً فرصة ذهبية للنظام لفتح صفحة جديدة في التعامل مع الشعب من خلال تقدير وقوفهم إلى جانبه وصمودهم أمام الأعداء، والاستماع لصوت الأمة، وتخفيف القيود على الناس، واتخاذ التدابير اللازمة للتضامن والوحدة والتماسك الوطني. لكن خلال الأشهر الستة التي تلت الحرب، حاولت القوى المتشددة داخل النظام إعادة فتح ملف الحجاب الإجباري مرة أخرى، بل وأجبروا الرئيس مسعود بزشكيان، الذي امتنع قبل عام عن تنفيذ قانون الحجاب الإجباري، على اتخاذ موقف بشأن ملابس النساء وتهديد النساء اللواتي يرتدين ملابس غير معتادة.

هكذا عادت حليمة إلى عادتها القديمة وعودتها تلك أثارت موجة من الاستياء الشعبي تجاه النظام والحكومة.

بالإضافة إلى ذلك، تسبب التضخم الجامح في انهيار نظام السوق، بينما وقفت الحكومة موقف المتفرج فقط، وبدلاً من زيادة القوة الشرائية للناس وتقديم المساعدات المالية للشرائح المجتمعية المحتاجة وتحرير الأسعار، قدمت الدعم للمستوردين للمواد الغذائية والسلع الأساسية وتركت لهم حرية تحديد أسعار السلع المستوردة لأنها تفتقر أيضاً إلى القدرة على الرقابة.

 

عودة المرشد الأعلى إلى الشاشة

يوم السبت الماضي، بعد أسبوع من بدء الاحتجاجات وبعد غياب إعلامي طويل اتخذ المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي موقفاً بشأن الاحتجاجات الأخيرة خلال زيارة عامة، حيث نفى فعلياً للمرة الألف الشائعات المتعلقة بصحته. وأكد دعم موقف الحكومة في ما يتعلق بالحوار مع أصحاب المحلات التجارية والتجار، مشدداً على الفرق بين الاحتجاجات السلمية ضد عدم استقرار سعر الصرف وتدهور قيمة العملة الوطنية وبين أعمال الشغب والاضطرابات وإثارة الفوضى في المجتمع، ويجب قمع المشاغبين. 

 

مستقبل الاحتجاجات

تكرر حدوث ظاهرة الاحتجاجات والمسيرات الواسعة النطاق في إيران خلال العقدين الماضيين، وكان أكبرها وأشملها في عام 2009 بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، وقد أطلقت من قبل أنصار مير حسين موسوي المرشح الخاسر، الذين اعتقدوا أن محمود أحمدي نجاد قام بتزوير نتائج الانتخابات. هذه الاحتجاجات، المعروفة في التاريخ السياسي الإيراني باسم "الحركة الخضراء"، والتي استمرت قرابة عامين حتى فرض الإقامة الجبرية على مير حسين موسوي وزوجته زهراء رهنورد ومهدي كروبي، كانت تفتقر إلى الطابع الاقتصادي وأطلقتها الطبقة الوسطى، لكنها لم تؤدي إلى إسقاط النظام نظرا لأن الطبقة الوسطى كانت ترى مصالحها الاقتصادية داخل النظام وليس خارجه، ولم تكن تنوي أساساً الإطاحة بالنظام القائم.

على الرغم من أن الاحتجاجات الجارية امتدت إلى الطبقات الدنيا في المجتمع والجماهير الفقيرة والمناطق العشائرية، إلا أنها لم تستطع، تحت تأثير الأوضاع شبه الحربية في إيران بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، جذب الطبقة الوسطى إليها. 

 

نتائج ضبط النفس

ويرى خبراء سياسيون أن اتساع الاحتجاجات الحالية وعمقها أقل بكثير من الحركة الخضراء وحتى حركة مهسا أميني التي انطلقت عام 2022 بشعار "المرأة، الحياة، الحرية".

لقد أدى ضبط النفس من قبل حكومة بزشكيان وفتح باب الحوار بين النظام والمحتجين، ودعم الكيان الصهيوني وأميركا لمشروع إسقاط نظام إيران، إلى بقاء نطاق هذه الاحتجاجات محدوداً. هذه المظاهرات، كما تفتقر إلى العمق، تفتقر أيضاً إلى القيادة، ولم يبرز بعد قائد يسمع صوته بين المحتجين، ولم يتمكن رضا بهلوي نجل شاه إيران السابق من تولي قيادة هذه الحركة. وبالنظر إلى أن الثورات ظاهرة معدية، فإن فشل الثورات العربية أو عدم وصولها إلى نتائج مرضية قد أثر أيضا في عدم رغبة الإيرانيين في الثورة وإسقاط النظام. لقد كانت الثورات في الغالب مكلفة وقليلة الفائدة، وربما لهذا السبب أطلق فقهاء الإسلام منذ القدم المقولة الشهيرة التي تقول: "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث