نقلت شبكة "فوكس نيوز" عن مصادر مطلعة أن الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو قد يمثل أمام محكمة فدرالية في نيويورك، يوم الاثنين المقبل، في تطور قضائي غير مسبوق.
ونشرت وزيرة العدل الأميركية لائحة اتهام رسمية بحق مادورو، تتضمن سلسلة اتهامات ثقيلة تتعلق بالإرهاب وتهريب المخدرات واستخدام السلاح، في ملف يعاد فتحه بعد سنوات من الجمود.
وتأتي هذه الخطوة في إطار تحرك جديد لوزارة العدل الأميركية، أعادت من خلاله فتح واحد من أخطر الملفات القضائية المرتبطة بفنزويلا، عبر لائحة اتهام معدلة تتهم مادورو، إلى جانب كبار مسؤولي نظامه وقيادات في "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" "فارك"، بإدارة شبكة دولية لتهريب المخدرات ذات طابع "إرهابي"، استمرت لأكثر من عقدين.
اللائحة، الصادرة عن محكمة فدرالية في نيويورك، لا تتعامل مع مادورو بوصفه رئيس دولة فحسب، بل تصفه كـ"قائد فعلي" لمنظمة إجرامية استخدمت مؤسسات الدولة الفنزويلية – من الجيش إلى القضاء والمطارات والموانئ – لتحويل الكوكايين إلى أداة حرب سياسية وأمنية ضد الولايات المتحدة.
"إرهاب مخدرات" ضد الولايات المتحدة
ويتمثل جوهر ملف الاتهامات في اتهام مادورو وشركائه بالتورط في مؤامرة إرهابية– مخدراتية، جمعت بين ما يُعرف بـ"كارتيل الشمس" الفنزويلي وتنظيم القوات المسلحة الثورية الكولومبية "فارك"، المصنف تنظيماً إرهابياً في الولايات المتحدة.
وبحسب الادعاء الأميركي، لم تكن العلاقة مع "فارك" علاقة تهريب تقليدية، بل شراكة استراتيجية شملت حماية ممرات تهريب الكوكايين عبر فنزويلا والكاريبي، وتوفير أسلحة عسكرية ورشاشات وصواريخ للتنظيم، واستخدام المخدرات كسلاح لإغراق المجتمع الأميركي.
وتؤكد اللائحة أن مادورو، منذ كان وزيراً للخارجية ثم رئيساً، لعب دوراً مباشراً في إدارة هذه الشبكة، ونسق مع دول ومطارات وموانئ لتأمين مرور الشحنات وحمايتها.
ارسال الكوكايين إلى أميركيا
وفي تهمة منفصلة، تتهم الولايات المتحدة مادورو وشركاءه بالتآمر على استيراد كميات ضخمة من الكوكايين إلى الولايات المتحدة، سواء مباشرة أو عبر دول وسيطة في الكاريبي وأميركا الوسطى.
وتشير الوثائق القضائية إلى شحنات بمئات الأطنان سنوياً، واستخدام طائرات مدنية وأخرى مسجلة في الولايات المتحدة، ونقل الكوكايين جواً وبحراً عبر مسارات منظمة، وعلم مسبق بأن المخدرات ستصل إلى الأراضي الأميركية أو مياهها الإقليمية.
وتُصنَّف هذه التهمة ضمن أخطر جرائم تهريب المخدرات العابرة للحدود، حتى بمعزل عن البعد الإرهابي.
السلاح جزء من الشبكة
ولا يقتصر الملف على المخدرات، فالادعاء الأميركي يتهم مادورو وشركاءه أيضاً بحيازة واستخدام أسلحة رشاشة وصواريخ ومتفجرات، والتآمر المسبق على استخدام هذه الأسلحة لحماية شحنات المخدرات.
وتعتبر هذه النقطة شديدة الخطورة قانونياً، لأنها تربط تهريب المخدرات باستخدام أسلحة عسكرية ثقيلة، ما يرفع توصيف الجرائم من جنائية إلى قضايا تمس الأمن القومي الأميركي.
ولا تستهدف اللائحة مادورو وحده، بل تشمل شبكة واسعة من المسؤولين، أبرزهم ديوسدادو كابيو، أحد أقوى رجال النظام الفنزويلي، ومدراء سابقون للاستخبارات العسكرية، وجنرالات في الجيش، وقيادات بارزة في "فارك"، مثل إيفان ماركيز وخيسوس سانتريتش.
وتصفهم النيابة بأنهم شكلوا "شبكة متكاملة" داخل مؤسسات الدولة الفنزويلية، عملت بشكل منظم لتأمين التهريب والحماية والتغطية السياسية والقضائية.
لماذا نيويورك؟
ولا يُعد اختيار محكمة المنطقة الجنوبية من نيويورك تفصيلاً إجرائياً عابراً، إذ تُعد هذه المحكمة إحدى أكثر الهيئات القضائية الأميركية خبرة في النظر بملفات الإرهاب وتهريب المخدرات العابرة للحدود، وقد تولت سابقاً قضايا كبرى مرتبطة بتنظيم "فارك" وشبكات دولية مشابهة، كما تملك سوابق في محاكمة شخصيات أجنبية رفيعة المستوى.
وفي موازاة المسار الجنائي، تسعى وزارة العدل الأميركية إلى ضرب البنية المالية للشبكة، عبر المطالبة بمصادرة جميع الأموال المتحصلة من تهريب المخدرات، والممتلكات المستخدمة في العمليات، إضافة إلى الأسلحة والذخائر، مع الإشارة إلى أنه في حال تعذر ضبط هذه الأصول، يحق للمحكمة المطالبة بـ"أصول بديلة" تعادل قيمتها المالية، في محاولة لتجفيف الموارد التي قامت عليها الشبكة.
أكثر من ملف قضائي
وبالرغم من الطابع القانوني، يحمل الملف أبعاداً سياسية واضحة، فالولايات المتحدة لا تعترف بشرعية مادورو منذ عام 2019، وتعتبره "حاكماً بحكم الأمر الواقع"، ما يسهل قانونياً التعامل معه كمتهم جنائي لا كرئيس دولة يتمتع بالحصانة.
في المقابل، دأب مادورو على وصف هذه الاتهامات بأنها "حرب قانونية" وامتداد مباشر للعقوبات الأميركية، في إطار صراع سياسي مفتوح بين واشنطن وكاراكاس.
