لم تعد غرينلاند مجرد جزيرة نائية في شمال الأطلسي، بل تحوّلت إلى إحدى أكثر النقاط حساسية في الصراع الدولي المقبل. خلال أيام قليلة، أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب فتح ملف السيطرة على الجزيرة، ضمن سياق تصعيد عسكري، توتر داخل حلف الناتو، وسباق محموم على القطب الشمالي في مواجهة روسيا والصين. ترامب يستغل لحظة ضعف أوروبية واضحة، يضغط سياسياً، ويبني سلاحه مسبقاً، لأن المعركة القادمة بالنسبة إليه ليست احتمالية، بل واقع استراتيجي.
المبعوث والخطة الأميركية
الخطوة الأولى جاءت سياسية. ترامب عيّن حاكم ولاية لويزيانا جيف لاندري، مبعوثاً خاصاً إلى غرينلاند، بمهمة معلنة تتمثل في العمل على جعل الجزيرة جزءاً من الولايات المتحدة. ترامب وصف غرينلاند بأنها "حاسمة للأمن القومي الأميركي"، ولاندري اعتبر أن العمل على ضم الجزيرة "شرف"، في تصريح أثار صدمة سياسية في أوروبا.
غرينلاند تتمتع بالحكم الذاتي منذ عام 2009، لكنها تظل إقليماً تابعاً للدانمارك، التي تحتفظ بالسيطرة على السياسة الخارجية والدفاع. لذلك، اعتُبر الطرح الأميركي مساساً مباشراً بالسيادة الدنماركية والقانون الدولي، حتى لو جرى تسويقه تحت عنوان حماية الأمن العالمي. وهكذا، كان الردّ الدنماركي حاسماً: لا يمكن ضم دولة إلى أخرى، ولا حتى بذريعة الأمن الدولي. رئيسة الوزراء الدنماركية ورئيس حكومة غرينلاند شدّدوا على أن مستقبل الجزيرة يقرره سكانها فقط.
أوروبياً، سارع الاتحاد الأوروبي إلى إعلان دعمه للدنمارك، فيما استدعت كوبنهاغن السفير الأميركي للتوضيح. غير أن هذا التضامن بقي سياسياً، في ظل إدراك واضح لاختلال موازين القوى مع الولايات المتحدة، خصوصاً في أي سيناريو يتجاوز الضغط الدبلوماسي.
خطر تفكك الناتو وأميركا القوية
القلق الأكبر يتمثل في تداعيات أي تصعيد عسكري محتمل. خبراء أمنيون حذروا من أن أي محاولة أميركية لفرض السيطرة على غرينلاند بالقوة، ستضع "الناتو" أمام أخطر اختبار في تاريخه. فالجزيرة أرض دنماركية، والدنمارك عضو في الحلف، ما يعني أن أي هجوم عليها قد يفعّل المادة الخامسة، التي تنص على الدفاع الجماعي. عندها، سيجد "الناتو" نفسه أمام مفارقة غير مسبوقة: صراع بين أعضائه، تكون فيه الولايات المتحدة طرفاً مباشراً.
هذا السيناريو يأتي في توقيت بالغ الحساسية. التوتر بين روسيا و"الناتو" بلغ مستويات مرتفعة، والكرملين أعلن صراحة أن خطر المواجهة مع الحلف "كبير". الحرب في أوكرانيا مستمرة بلا أفق واضح، فيما بدأت دول شمال أوروبا تتصرف على أساس أن سيناريو الحرب لم يعد افتراضياً. النروج، الجار العسكري الأهم للدنمارك والأقرب جغرافياً إلى غرينلاند، شرعت بالفعل في إعداد خطط لإجلاء مدنيين من مناطق شمالية قريبة من الحدود الروسية، استناداً إلى دروس الحرب الأوكرانية واحتمالات توسّع الصراع.
القطب الشمالي والخطة الكبرى
في هذا السياق، تتحرك واشنطن بثقة القوة. الولايات المتحدة تمتلك بالفعل قواعد عسكرية في غرينلاند، ما يجعل أي تحرك عسكري محتمل سهل التنفيذ نسبياً، وإن كان بالغ الخطورة سياسياً. والتصعيد لم يتوقف عند هذا الحد. بالتوازي مع ملف غرينلاند، أعلن ترامب عن مشروع ضخم لبناء فئة جديدة من السفن الحربية، تحمل اسمه "Trump Class"، واصفاً إياها بأنها ستكون الأكبر والأقوى في تاريخ البشرية. وفي أكثر من مناسبة، ربط ترامب بين هذه الخطط العسكرية وحاجته إلى غرينلاند، معتبراً أن السيطرة على الجزيرة ضرورة استراتيجية.
أهمية غرينلاند لا تقتصر على موقعها بين أوروبا وأميركا الشمالية، الذي يجعلها عنصراً أساسياً في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية، بل تشمل أيضاً ثروتها من المعادن النادرة، التي تسعى واشنطن من خلالها إلى تقليص اعتمادها على الصين. كذلك، تمثل الجزيرة نقطة مفصلية في القطب الشمالي، حيث تتقاطع مشاريع الطرق البحرية الروسية الصينية مع الطموحات الأميركية لفرض مسار بديل تهيمن عليه.
ما يجري اليوم يشير إلى أن إدارة ترامب لا تتعامل مع غرينلاند كاحتمال مستقبلي، بل كجزء من معركة استراتيجية أوسع بدأت ملامحها تتشكل. معركة تُخاض في القطب الشمالي، لكنها تهدد بتفكيك تحالفات قائمة منذ عقود، وتحويل الحليف إلى مصدر تهديد. والسؤال لم يعد ما إذا كانت غرينلاند مهمة للولايات المتحدة، بل ما إذا كان النظام الدولي، وحلف الناتو تحديداً، قادرين على استيعاب رئيس أميركي مستعد لدفع التوازنات إلى حافة الانفجار، حتى لو كان الثمن وحدة الحلف نفسه.
