كيف حاول نظام الأسد طمس أدلة جرائم الأفرع الأمنية؟

المدن - عرب وعالمالجمعة 2026/01/02
Image-1763238823
كمال الحسن اقترح شطب هوية المعتقلين الذين قضوا تحت التعذيب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشف تحقيق لصحيفة "نيويورك تايمز" كيف حاول رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد في العام 2018، إخفاء جرائمه بحق المعتقلين في سجون أفرع الأمنية، بعد كثرة التسريبات حول المقابر الجماعية التي أقامها.

 

اقتراح كمال الحسن 

وقال التحقيق إن الأسد استدعى رؤساء الأفرع الأمنية ليناقشه معهم أفضل طريقة للتغطية على جرائهم، حيث اقترح رئيس "فرع فلسطين" حينها، كمال الحسن، شطب هويات السوريين والسوريات الذين فارقوا الحياة في السجون السرية من السجلات، وقد وافق رئيس المخابرات لدى الأسد، علي مملوك، على التفكير بالمقترح.

وبعد أشهر على الاجتماع، بدأت فروع الأمن بالتدخل في الأدلة التي تثبت ارتكاب النظام المخلوع للجرائم، وقام بعض مسؤولي الأمن بتزوير الأوراق الرسمية لوفيات المعتقلين بحيث لا يمكن تعقب الفرع الأمني الذي سجنهم أو فارقوا الحياة فيه، وبذلك مسح التفاصيل المتعلقة برقم الفرع ورقم المعتقل.

كما أصدر كبار المسؤولين في حكومة النظام المخلوع أوامر للفروع الأمنية تقضي باختلاق اعترافات للسجناء الذين قضوا في المعتقل، لأن الاعترافات الخطية تمنح الحكومة غطاء قانونياً يبرر لها قتل عدد كبير من السجناء.

وحصلت "نيويورك تايمز" على وثائق، وروايات مع أكثر من 50 مسؤولاً أمنياً وسياسياً، ترسم مساعي النظام المخلوع للتهرب من المحاسبة على منظومة القمع الموسعة التي أدارها، كما تقدم لمحة قل نظيرها عن طريقة رد النظام الديكتاتوري السري على تزايد العزلة والضغط الدولي من حوله.

وتظهر الوثائق كيف حاول النظام المخلوع إخفاء سجلات أكثر من 100 ألف إنسان في السجون، بطرق كثيرة، إذ كان المسؤولون يعقدون اجتماعات لمناقشة الرسائل الموجهة للرأي العام، وكيف يضعون استراتيجيات للتعامل مع أهالي المعتقلين.

وأشار التحقيق إلى أن الوثائق الورقية كانت تقلق المسؤولين، لأنها يمكن أن تستخدم ضدهم في حال تعرضهم للملاحقة القانونية، فيما فروع الأمن السورية بدمشق، لم توافق دئماً على إجراءات التعتيم، كما لم يتضح ما إذا كانت تلك الممارسات قد عُممت على مختلف فروع الأمن في البلاد.

 

نصيحة الروس 

وأضاف أنه في بداية الحرب السورية، كانت فروع الأمن تجهز سجلات دقيقة جداً حول أنشطتها، وحول السوريين والسوريات الذين اختفوا في السجون، وكانت كل عملية استجواب توثق كتابة، وكل حالة وفاة تُدوّن، وكل جثة تُصوّر.

ونصح الحلفاء الروس والتونسيون الأسد بفعل ذلك، وأخبروهم بأن اعترافات السجناء وغيرها من المعلومات يمكن أن توفر الغطاء القانوني للنظام.

لكن هذا الارشيف الموثّق، أصبح وبالاً عليهم، بعد تهريب سجلات تضمن صور لـ6 آلاف جثة من السجون السرية على يد المصور العسكري المعروف باسم قيصر، ثم تلويح الولايات المتحدة بفرض عقوبات قاسية تهدد بحرمان قادة النظام المخلوع من مكاسبهم غير المشروعة، كما بدأت المحاكم الأوروبية بتوجيه الاتهامات للأسد وحلفائه.

ووفق مذكرة اطلعت عليها الصحيفة، فقد أخذ كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين، يخططون على مدار يومين لخلق حالة من التشكيك بتلك الصور، إذ نظراً لعدم إرفاق أية أسماء بتلك الصور، صار بوسع المسؤولين الادعاء بأن عدداً قليلاً منها يعود لسجناء سياسيين، إلا أن أغلبها يعود لثوار قتلوا في المعارك أو لمجرمين ارتكبوا أموراً حقيرة.

كما نصح المسؤولون غيرهم في الحكومة "بتجنب الخوض في التفاصيل وتفادي أي محاولة لإثبات أو إنكار أي حقيقة من الحقائق"، وشجعوهم على "التشكيك بمصداقية" من سربها.

ومع انقلاب موازين القوى 2018، ضغط الروس على الأسد ليعيد بناء علاقات بلد ه مع غيره من الدول بعد سنوات من معاملة سوريا كدولة منبوذة، وهذا ما أقلق مسؤولين في حكومته، إذ أنه في حال إعادة العلاقات الدبلوماسية، يمكن لمحققين دوليين أن يأتوا إلى سوريا ويعثروا على أدلة تثبت وقوع تلك الجرائم.

كما كشفت تقارير جديدة لمنظمات حقوقية مزيداً من التفاصيل التي تقشعر لها الأبدان عن العنف الذي مارسه النظام بحق السوريين، ما زاد من ضغط الأهالي المطالبين بمعرفة مصير أبنائهم.

 

مسح الأدلة 

وخلال اجتماع 2018 في القصر الرئاسي، وضع رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك استراتيجية لمسح الأدلة التي تثبت وقوع جرائم سابقة، ولإخفاء ما سيُرتكب من جرائم وحشية مستقبلاً.

وسارع قادة بعض الفروع الأمنية لتغيير طريقتهم في توثيق وفيات المعتقلين، إذ جرت العادة على تحويل جثث المعتقلين السياسيين الذين قضوا في المعتقلات بدمشق إلى ثلاثة مشافٍ عسكرية في العاصمة بعد كتابة رقمين على جبهة كل جثة، بحيث يُظهر الرقم الأول فرع الأمن المتورط بقتل السجين، فيما يظهر الثاني رقم السجين.

وفي العام 2019، بدأ فرعان أمنيان على الأقل، وهما "الفرع- 248" و"فرع فلسطين"، بشطب بعض أو كل المعلومات التعريفية عند تحويل الجثث إلى المشافي العسكرية، كما بحثت القيادات في الحكومة عن أساليب لتبرير حالات وفاة السوريين الذين قضوا في المعتقلات.

وفي وثيقة تعود للعام 2020، اقترح ضباط من مديرية المخابرات الجوية توثيق حالات وفاة المعتقلين ضمن السجل المدني بسوريا، لأن ذلك يعتبر إبلاغاً للأهالي ودعوة لهم لإغلاق الملف والتصالح مع الفكرة، كما سيخفف الضغط الشعبي بخصوص معرفة مصير المختفين.

إلا مسؤولين آخرين، أعربوا عن قلقهم من ذلك، لأنه قد يتسبب ذلك بإغضاب الأهالي وخروج مظاهرات، فيما رد رئيس فرع القضاء العسكري محمد كنجو الحسن على المقترح بالقول: "لا نرى أي حاجة لمشاركة معلومات عن الجثث مع أهاليهم، لأن ذلك قد ينطوي على مخاطر"، بحسب الوثيقة.

إضافة إلى ذلك، رفض المسؤولون في وزارة الدفاع تلك الفكرة، نظراً "للضغوطات التي يتعرض لها البلد" نتيجة لقانون قيصر، كما تخوفوا من احتمال تسريب القوائم التي تشتمل على أسماء المعتقلين الذين قضوا في السجون في حال إعداد أجهزة الأمن لتلك القوائم، وهذا ما قد يتم استغلاله للضغط على النظام.

ووفق التحقيق، فقد شكّل علي مملوك في أواخر حزيران/يونيو 2020، لجنة داخل مكتب الأمن القومي لدراسة الخيارات المطروحة، وأمر باختلاق اعترافات لكل من قضى في المعتقل، على أن تؤرخ تلك الاعترافات بتاريخ قديم. واشتملت بعض الاعترافات على انضمام لجماعة إرهابية دولية.

لكن المشكلة في هذا الاجراء، أن الإجراءات القانونية تحتم على السجين التوقيع على اعترافاته ببصمة إبهامه، ولهذا خشي البعض من افتضاح أمر التزوير في حال بصم الموظفون في فروع الأمن على تلك الوثائق المزورة عدة مرات.

إلا أن بعض من تورطوا في تلك العمليات تمكنوا من الالتفاف على تلك الإجراءات عبر التوقيع على الاعترافات الأصلية ببصمات أصابعهم باستخدام الحبر الخفيف نفسه ثم يصورونها كنسخ بحيث تصبح تلك البصمات غير واضحة. بعد ذلك كانوا يتلفون النسخة الأصلية ويحتفظون بالنسخة في أرشيفهم.

 

نقل مقبرة جماعية 

وذكر التحقيق كيف قام العميد مازن إسمندر، الذي كان يشرف على عمليات الدفن في المقابر الجماعية في العاصمة السورية، بنقل كل الجثث من مقبرة القطيفة بعد تسريب المعلومات عن وجودها، إلى مقبرة جديدة.

وأوضح أن فريق إسمندر قام بالاستعانة بحفارات لإخراج الجثث وجمعها في شاحنات نقل القمامة، ثم نقلها إلى مقبرة في البادية في منطقة الضمير الواقعة شمال شرقي دمشق.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث