كيف حاصرت "حرب الظل" والاحتجاجات الشعبية النظام الإيراني؟

أحمد عبد الحليمالجمعة 2026/01/02
Image-1767381389
بازار طهران تحول من ركيزة استقرار إلى وقود مباشر للمطالبة بتغيير سياسات النظام (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع مطلع عام 2026، لم يعُد المشهد الإيراني يبدو كحلقة جديدة في سلسلة الاضطرابات المزمنة، بل كاحتمال، وإن كان، إلى الآن، لا زال ضعيفاً، فصل أخير لمنظومة أنهكها التآكل الداخلي والانكشاف الخارجي. فالشرارة التي اندلعت في 28 كانون الأول/ديسمبر الماضي، لم تكن حدثاً طارئاً، بل انفجاراً مؤجلاً لمرجل اقتصادي ظل يغلي لسنوات تحت ضغط العقوبات، وسوء الإدارة البنيوية، وتداعيات "حرب الـ12 يوماً" في تموز/يونيو الماضي، التي أصابت أجزاءً حيوية من البنية التحتية الإيرانية بالشلل. وقد مثّل "بازار طهران الكبير"، إلى جانب الأسواق الحيوية في أصفهان وتبريز، المختبر الحقيقي لهذا الانفجار، إذ أدى الانهيار التاريخي للريال الإيراني — متجاوزا عتبة 1.45 مليون مقابل الدولار — إلى توقف شبه كامل لحركة البيع والشراء، لا بوصفه فعلاً احتجاجياً في بدايته، بل كاستحالة تقنية فرضها العجز عن تسعير السلع أو تعويض المخزون في ظل تضخم جامح تخطى 42%.

هذا الاختناق المعيشي، الذي حوّل تأمين الاحتياجات الأساسية إلى معركة يومية من أجل البقاء، هو ما منح الاحتجاجات طابعها الوجودي، ودفع "البازار" — الحليف التقليدي والتاريخي للمؤسسة الدينية — إلى التحول من ركيزة استقرار إلى وقود مباشر للمطالبة بتغيير سياسات النظام، أو حتى تغييره بالكامل. وفي هذه اللحظة الإيرانية الهشة، حيث تتقاطع طوابير الخبز مع دخان الحرائق في شوارع "لورديغان" و"أزنا"، جاء الخطاب الأميركي عبر الرئيس دونالد ترامب بنبرة غير مسبوقة في حدتها؛ إذ مثَّل تحذيره وتعهده بـ"إنقاذ" المتظاهرين في حال تعرضهم للقتل، انتقالاً واضحاً من سياسة الضغط الاقتصادي إلى منطق "التدخل الاستباقي" لحماية الحراك الشعبي، ما يضع الصراع الأميركي-الإسرائيلي مع إيران على عتبة مواجهة مباشرة مفتوحة على جميع الاحتمالات، في ظل تدخل إسرائيلي نشِط يسعى إلى التلاعب بمسارات التصعيد والانفجار.

 

"عقيدة الإنقاذ" الأميركية

مثّل خطاب ترامب في مطلع أمس، وتحديداً تهديده بأن الولايات المتحدة "على أهبة الاستعداد وجاهزة للانطلاق"، تحولاً جوهرياً، وأكثر حدَّة، في العقيدة السياسية الأميركية تجاه طهران. فبعد أن كانت واشنطن تكتفي في السابق ببيانات التضامن المعنوي، انتقلت الآن إلى وضع "خط أحمر" عسكري يتعلق بكيفية تعامل النظام الإيراني مع أزمته الداخلية فيما يخص قمع المتظاهرين. هذا التحول لا ينبع فقط من رغبة ترامب في حسم ملف إيران، بل هو نتاج لتقييم استراتيجي يرى أن النظام في أضعف حالاته بعد الضربات الجوية "الخارقة للتحصينات" التي استهدفت منشآته النووية، مما جعل التهديد الأميركي يحمل شبه مصداقية ميدانية لم تكن تتوفر من قبل.

أيضاً، ما يمكن تسميته بـ "عقيدة الإنقاذ" (Rescue Doctrine) التي لوّح بها ترامب، تعتمد على استغلال ملف حقوق الإنسان ليس كقيمة أخلاقية مجردة، بل كأداة "لنزع الشرعية السيادية" عن نظام الحكم في طهران. فمن خلال قوله "إن الولايات المتحدة ستأتي لنجدتهم"، يمهد ترامب الطريق لشرعنة تدخل عسكري تحت بند "المسؤولية عن الحماية" في حال وقوع مجازر واسعة، ما يهدف إلى خلق حالة من "الارتباك العملياتي" داخل أجهزة الأمن الإيرانية؛ فالعسكري في الباسيج أو الحرس الثوري يجد نفسه أمام معادلة صعبة، وهي، تنفيذ أوامر القمع يعني احتمال التعرض لضربات جوية أميركية مباشرة أو ملاحقات دولية لاحقة، وهو ما يراه بعض أوساط اليمين الأميركي وسيلة فعالة لتشجيع الارتباكات والانشقاقات داخل المؤسسة العسكرية.

من الناحية القانونية والدستورية، يثير هذا التوجه جدلاً واسعاً داخل الولايات المتحدة؛ حيث تستند الإدارة إلى سلطات الرئيس بموجب المادة الثانية من الدستور لحماية المصالح الحيوية، بينما يرى المعارضون في الكونغرس، وفئات شعبية أُخرى، أن هذا التوسع في استخدام القوة قد يجرّ البلاد إلى حرب أبدية جديدة في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن "المنطق الترامبي" لعام 2026 ربما يتجاوز هذه التحفظات، معتبراً أن "صفقة شاملة" أو "انهياراً منظماً" للنظام الإيراني هو السبيل الوحيد لإنهاء تهديدات الصواريخ والوكلاء، وهو ما يفسر استمرار واشنطن في إرسال رسائل مزدوجة، التهديد بالـ"بي-2" من جهة (القاذفة الاستراتيجية الشبحية الأميركية)، والتلويح بـ"الإنقاذ"، أي التدخل العسكري من جهة أخرى، لإبقاء طهران في حالة من الدفاع الدائم.

 

"المعضلة الإيرانية".. شلل القيادة

في المقابل، يجد النظام الإيراني نفسه في مطلع عام 2026، محاصراً بين استحقاقات معيشية مستحيلة ومرحلة انتقالية سياسية هي الأخطر منذ عام 1989 (انتهاء الحرب مع العراق). كما أن الاحتجاجات الحالية تختلف جذرياً عن انتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" في عام 2022؛ فهي احتجاجات "الخبز والريال" التي تمس قاعدة النظام التقليدية، حيث أدى التراجع الحاد في إيرادات النفط، التي لم تلبي سوى 16% من التوقعات في ميزانية 2025/ نتيجة الانكشاف الأمني وتدمير المصافي، إلى عجز الحكومة عن تقديم أي حلول حقيقية سوى الوعود الكلامية وإقالة مديري البنوك، فما يحدث في الشارع اليوم هو تعبير عن فقدان الثقة الكامل في قدرة "الجمهورية" على الاستمرار كدولة وظيفية، حيث تحولت الشعارات من المطالبة بالإصلاح إلى المناداة الصريحة بإسقاط النظام الحالي. 

وما يزيد من خطورة الموقف هو "حالة الفراغ" في قمة الهرم القيادي؛ إذ تتناول تقارير عدة التدهور الحاد في صحة المرشد الأعلى علي خامنئي (86 عاماً) وإصابته بضعف إدراكي أو دخوله في نوبات غيبوبة، قد أدخلت البلاد في حالة من شلل اتخاذ القرار. فغياب "المايسترو" الذي كان يوازن بين الأجنحة المتصارعة، فتح الباب أمام "حرب تحالفات" سياسية داخلية؛ حيث يتصارع جناح "مجتبى خامنئي" المدعوم من مراكز القوى الأمنية مع أجنحة أخرى ترى في "حسن الخميني" أو وجوه إصلاحية سابقة، مخرجاً محتملاً للأزمة. هذا الصراع على "الخلافة" ينعكس بشكل مباشر على الشارع؛ فبينما تحاول حكومة الرئيس مسعود بزشكيان تبني نبرة تصالحية والاعتراف بمشروعية مطالب الناس، تصرّ قيادات من الحرس الثوري على أن ما يحدث هو "فتنة خارجية" تتطلب حزماً دموياً، ما يخلق حالة من التخبط الأمني تزيد من غضب المتظاهرين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يواجه المواطن الإيراني في عام 2026 واقعاً كارثياً؛ حيث تشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى استمرار ارتفاع الأسعار بمعدلات تفوق 40% طوال العام الحالي، مع انكماش في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.8%، فتجفيف منابع العملة الصعبة لم يؤثر فقط على استيراد السلع، بل شلّ القطاع الصناعي والزراعي الذي يعاني أصلاً من أزمة مياه وكهرباء حادة، ما جعل المدن الإيرانية تعيش في "عتمة" مزدوجة، سياسية وخدمية. وفي ظل هذه الظروف، يصبح الحديث عن "الصمود والمقاومة أمام الإمبريالية" خطاباً مستهلكاً لا يجد من يشتريه في أسواق طهران الفارغة، ما يدفع النظام نحو خيارات انتحارية مثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز لرفع أسعار النفط عالمياً، والضغط على المجتمع الدولي، وهو خيار، ربما، مع قلة احتماليته، قد يمثل الشرارة التي يبحث عنها ترامب، ومعه نتنياهو، لتنفيذ تهديده بالتدخل العسكري.

 

اليد الإسرائيلية في أعصاب النظام

بينما تشتعل الشوارع الإيرانية وتترقب القوات الأميركية الأوامر، ويبحث النظام الإيراني عن مخرج له من الأزمة، تدور رحى حرب أخرى لا تقل ضراوة في الفضاء الرقمي، تقودها إسرائيل ببراعة تقنية تهدف إلى تقويض أسس الاستقرار الإيراني من الداخل. انتقل التدخل الإسرائيلي في الأزمة الحالية من استهداف "المفاعلات" إلى استهداف "المعيشة"؛ حيث يرى العقل الأمني الاستراتيجي في تل أبيب أن شلّ الحياة اليومية للإيرانيين هو أسرع طريق لإسقاط النظام دون الحاجة لغزو بري. ومن أبرز تجليات هذه الحرب السيبرانية الهجينة، ما قامت به مجموعة "العصفور المفترس" (Predatory Sparrow)، المرتبطة بالاستخبارات الإسرائيلية، من تدمير شامل لبيانات "بنك سيباه" المملوك للدولة، ما أدى إلى حرمان آلاف العسكريين والموظفين من الوصول لمرتباتهم، وهو ما يهدف مباشرة لزرع الانشقاق والتذمر داخل نواة البيروقراطية الصلبة للنظام.

كما لم تتوقف العمليات السيبرانية عند الحدود المالية التقليدية فحسب، بل امتدت لتضرب القنوات الخلفية لتمويل الوكلاء الإقليميين؛ فقد تم اختراق منصة "نوبيتكس" (Nobitex) الإيرانية للعملات الرقمية وحرق أصول تقدر بـ 90 مليون دولار، قيل إن جزءاً منها يعود لعائلة المرشد ولتمويل الحوثيين، ما وجه ضربة موجعة للالتفاف الإيراني على العقوبات. هذا "الردع السيبراني" المبتكر يعمل كعامل مساعد للاحتجاجات؛ فعندما يجد المواطن نفسه غير قادر على سحب أمواله أو تزويد سيارته بالوقود بسبب الهجمات، يتوجه غضبه تلقائياً نحو النظام الذي يدعي، ويتغنى دائماً، بامتلاك صواريخ عابرة للقارات بينما يعجز عن تأمين بنية تحتية رقمية بسيطة.

وتتكامل هذه الهجمات الرقمية مع حرب نفسية مكثفة، حيث نجحت مجموعات "الهاكتيفيزم" في اختراق البث المباشر للإعلام الرسمي (IRIB) وبث فيديوهات تظهر قمع المتظاهرين مع شعارات تدعو لرحيل خامنئي، تزامناً مع الضربات العسكرية السابقة، ما يؤشر إلى أن الرسالة الإسرائيلية في عام 2026 واضحة: نحن داخل غرف عملياتكم، وداخل حساباتكم البنكية، وداخل شاشات منازلكم. هذا الانكشاف الاستخباري الهائل، الذي أدى أيضاً لاغتيال قيادات نُخبوية في الحرس الثوري، قد أفقد طهران ثقتها في أجهزتها الأمنية، وجعلها تعيش حالة من "البارانويا" تجاه ذاتها والآخر، الشعب، التي تدفعها لاتخاذ قرارات أمنية خاطئة تزيد من عزلتها الدولية وتصب في مصلحة المخطط الأميركي الرامي لتدويل الأزمة بالكامل.

نهاية، يبدو كانون الثاني 2026، لحظة استكمال مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط، تتجاوز كونها موجة احتجاجات داخلية إلى كونها أزمة بنيوية تضرب جوهر النموذج الإيراني القائم على تصدير الثورة والمواجهة الخارجية. فمع تراكم الانهيار الاقتصادي، وتآكل الشرعية، وأزمة القيادة، لم يعُد النظام يواجه خصومه التقليديين بقدر ما يواجه "الجوع الداخلي" كقوة سياسية مُضعفة وقد تكون كاسرة. وفي ظل التهديد الأميركي الوجودي، والتفوق التكنولوجي الغربي-الإسرائيلي، تبدو الحلول الحكومية التقنية والوعود الاقتصادية عاجزة عن احتواء شارع انتقل من المطالب المعيشية إلى التشكيك في أساس النظام ذاته، واستراتيجياته، في وقت لم تعُد فيه الدولة تمتلك الموارد أو المصداقية اللازمة لتنفيذ وعودها.

في المقابل، يفتح التهديد الأميركي الصريح واحتمالات غياب المرشد علي خامنئي، الباب أمام سيناريوهات شديدة التعقيد، من تعميق الانقسامات داخل الحرس الثوري بين كبح القمع خشية التدخل الخارجي أو الانزلاق نحو خيارات كارثية تجرّ الإقليم إلى الفوضى، إلى احتمال إعادة تشكيل النظام من الداخل عبر انقلاب ناعم أو ولادة جمهورية عسكرية أكثر تشدداً وعزلة. هكذا، لا تتوقف الأسابيع المقبلة عند سؤال بقاء النظام من عدمه، بل تتعداه إلى رسم ملامح شرق أوسط جديد، تتنازع فيه احتمالات التحول ولو أنها لا تزال غير كبيرة، وترجيح أن يتفهم ويحتوى النظام الاحتجاجات الشعبية، وكلفة التغيير وفوضى ما بعد السقوط، وهو الكابوس الذي يطارد العواصم الكبرى من واشنطن إلى بكين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث