تركيا.. وجهة عالمية لمستثمري "تجارة الفائدة"

إسطنبول - محمد جانالجمعة 2026/01/02
turkish currency.jpg
الفريق المالي التركي نجح بإرساء سياسة "الارتفاع الحقيقي" لليرة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شهد عام 2025 تحولاً جذرياً في المشهد الاستثماري العالمي، مع انخفاض قيمة الدولار أمام العملات الرئيسية، مما أدى لارتفاعات قياسية في سوق السلع لا سيما الذهب والفضة والإقبال على شراء السندات الحكومية ذات الفائدة المرتفعة في الدول الناشئة وفي مقدمتها تركيا.

 لم يكن تميز تركيا بالنسبة لمستثمري "تجارة الفائدة" (Carry Trade) بمعزل عن السياق العالمي، حيث يرى كبار المستثمرين في مؤسسات مثل "غولدمان ساكس" و"بنك أوف أميركا" أن عام 2025 كان عاماً استثنائيا لاستراتيجية تجارة الفائدة. كما أن مؤشر "بلومبرغ" الذي يقيس أداء تجارة الفائدة عائداً بنسبة 17 بالمئة، وهو أعلى مكسب منذ عام 2009.

 كانت تركيا من بين الأسواق الناشئة كأكثر الوجهات ربحية لمستثمري "تجارة الفائدة" فبينما اتجهت البنوك المركزية الكبرى نحو خفض أسعار الفائدة، حافظت أنقرة على معدلات عوائد مغرية، مما جذب تدفقات مليارية من رؤوس الأموال الباحثة عن الربح في ظل استقرار نسبي للعملة.

نجح الفريق المالي التركي منذ استلامه لمهامه في 4 حزيران/يونيو 2023 بقيادة وزير الخزانة والمالية التركي الحالي محمد شيمشك في إرساء سياسة "الارتفاع الحقيقي" لليرة، مما قلل من مخاطر تقلب سعر الصرف التي عادة ما تؤرق مستثمري تجارة الفائدة.

 اعتمد شيمشك وفريقه، استراتيجية تمثلت في تحويل تركيا إلى منصة عالمية لتجارة الفائدة بهدف ترميم العجز في احتياطات البنك المركزي من النقد الأجنبي والتي بلغت (نحو -74 مليار دولار) قبل الانتخابات الرئاسية المنعقدة في أيار/مايو 2023.

 وتقوم هذه الآلية على جذب الأفراد وكبرى المؤسسات المالية للاقتراض بعملات ذات فائدة منخفضة كالين الياباني والفرنك السويسري وضخ تلك السيولة في الأصول المقومة بالليرة التركية التي تمنح عائداً استثنائياً وصل في بعض فتراته في تركيا إلى 50 بالمئة سنوياً. 

 ورغم أن هذه الاستراتيجية تحمل بطبيعتها مخاطر تقلب سعر الصرف، إلا أن "الرسائل الشفوية" التي قدمها البنك المركزي ووزير المالية بشأن استقرار الليرة حوّلت هذه العملية من مغامرة محفوفة بالمخاطر إلى استثمار قصير الأجل عالي الربحية، مما حفّز تدفقات هائلة من الأموال الساخنة الباحثة عن عوائد شهرية تتراوح بين 3 و4 بالمئة شهريا.

 

المناخ العالمي والأسواق الناشئة

 ساهم انخفاض سعر صرف الدولار الأميركي، الذي فقد أكثر من 9 في المئة من قيمته عام 2025 بحسب مؤشر الدولار، في تعزيز جاذبية العملات ذات العائد المرتفع. 

 ويشير ويم فاندنهوك الرئيس المشارك لقسم ديون الأسواق الناشئة في شركة "إنفيسكو" الأميركية لإدارة الأصول، أن الليرة التركية تقع على رأس قائمة العملات التي يرى فيها مستقبلاً واعداً إلى جانب الريال البرازيلي والراند الجنوب أفريقي.

 

 الليرة التركية تتربع على العرش

حققت الليرة التركية هوامش ربح حقيقية لمستثمري تجارة الفائدة، مع الأخذ بعين الاعتبار هامش التضخم، وهذا ما أكدته إيليا أوليفيروس روزن، كبيرة اقتصادي الأسواق الناشئة في وكالة "أس آند بي غلوبال راتينغ". 

 وبحسب روزن ستواصل الليرة التركية تربعها على عرش تجارة الفائدة وجذب السيولة بين العملات، ما لم تصدر إشارات "تشددية" مفاجئة وغير متوقعة من القوى الاقتصادية الكبرى.

وتعد اليابان المصدر الأكبر لمستثمري تجارة الفائدة نظراً للفوائد المتدنية والسالبة (سابقاً) على القروض المالية التي تقدمها، البنوك، فعلى الرغم من رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى 0.75 بالمئة من 0.5 بالمئة، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، إلا أنّ إقبال اليابانيين على تجارة الفائدة في تركيا لم تتأثر بسبب اتساع فارق الربح في العوائد.

 

المخاطر

تعدّ تركيا عرضة للتقلبات السياسية والاقتصادية، وتجلى ذلك جلياً في 19آذار/مارس 2025 مع توقيف رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، بتهم تتعلق بالفساد وشهادته الجامعية، حيث تلقى مستثمرو تجارة الفائدة صفعة قوية بخسائر كبيرة عندما انخفض سعر صرف الليرة مقابل الدولار في يوم واحد بنسبة 14 في المئة.

وصبيحة 19 آذار/مارس، مع انتشار حالة الذعر بين مستثمري تجارة الفائدة، تحول البنك المركزي التركي من "مجمع للدولار" إلى مدافع عن الليرة.

هذا الانهيار المفاجئ دفع البنك المركزي التركي لضخ نحو 15 مليار دولار في غضون 48 ساعة من أصل نحو 59 مليار دولار (صافي الاحتياطيات باستثناء المقايضات)، لمحاولة كبح جماح الدولار الذي قفز بشكل مفاجئ والذي أعاد للأذهان سيناريوهات "استنزاف الاحتياطيات" سابقاً.

 

استعادة الثقة

بعد 19 آذار/مارس تمكن البنك المركزي التركي من استعادة ثقة مستثمري تجارة الفائدة من خلال إجراءات مريرة كلفته ضخ 49 مليار دولار من احتياطاته في أقل من شهر لينخفض إلى نحو 8 مليار دولار فقط، في 10 أبريل/نيسان 2025.

وبعد هذا الانخفاض الحاد في احتياطي البنك المركزي التركي من العملات الأجنبية، سجل البنك المركزي التركي في كانون الأول/ديسمبر 2025 ارتفاعاً في النقد الأجنبي وصل إلى مستوى 66 مليار دولار باستثناء أموال المقايضات.

الارتفاع الكبير في حجم احتياط البنك المركزي من النقد الأجنبي، يشير إلى استعادته قدرته على ضبط سعر الصرف مما يعني تواصل تدفق الأموال الساخنة إلى تركيا وفي مقدمتها أموال مستثمري تجارة الفائدة في عام 2026.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث