السابع من أكتوبر يعيد تعريف مفهوم "الأمن القومي" الإسرائيلي

رأيأحمد عبد الحليمالجمعة 2026/01/02
الاقص.jpg
طوفان الأقصى لحظة انكسار مفصلية في مسار الأمن القومي الإسرائيلي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مثّلت عملية «طوفان الأقصى» لحظة انكسار مفصلية في مسار الأمن القومي الإسرائيلي، إذ لم تقتصر تداعياتها على الفشل الاستخباراتي والعملياتي، بل طالت الأسس الفكرية التي قامت عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ بن غوريون وجابوتنسكي. فقد بُنيت هذه العقيدة لعقود على نظرية «الجدار الحديدي»، التي تفترض إخضاع الخصم عبر تفوق عسكري ساحق، غير أن أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر كشفت قابلية هذا الجدار للاختراق، عسكرياً وذهنياً على حد سواء.

وتوضح دراسة الدكتور فادي نحّاس، المنشورة في "دليل إسرائيل العام 2025" الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، أن هذا الحدث شكّل "زلزالاً استراتيجياً" أطاح بمفاهيم "إدارة الصراع" و"جزّ العشب" التي سادت خلال العقدين الماضيين. وقد أظهر هذا التحول قصوراً بنيوياً في فهم ديناميات المقاومة وتأثيرها على الردع، ما دفع المؤسسة الأمنية إلى الانتقال من ردع تأجيلي إلى استراتيجيات "الحسم المطلق" و"المنع الاستباقي" في مواجهة تهديدات وجودية متصاعدة.

في هذا الإطار، لا يكتفي الفصل برصد التطورات العسكرية، بل يعالج الإخفاق الاستراتيجي بوصفه لحظة إعادة تعريف للعقيدة الأمنية، في ظل الحروب متعددة الجبهات، وحرب الإبادة في غزة، والتصعيد في الضفة الغربية، إضافة إلى إعادة تقييم البيئة الإقليمية مع تصاعد التوتر مع لبنان وإيران واليمن.

ومن خلال مراجعة تاريخية لنظرية الأمن القومي، يستكشف المقال تداعيات هذا التحول على العلاقة مع الولايات المتحدة، وعلى توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الحرب، كاشفاً حجم التحديات التي باتت تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بعد اهتزاز ركائزها التقليدية.

 

انهيار الركائز التقليدية

تأسست العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخياً على أربع ركائز أساسية: الردع، والإنذار المبكر، والدفاع، والحسم العسكري السريع. كان الهدف من هذه المنظومة هو ضمان بقاء الدولة في بيئة معادية عبر تعويض نقص العمق الجغرافي بالتفوق النوعي. ومع ذلك، فإن العقد الأخير شهد تحولاً نحو ما سمي بـ"إدارة الصراع"، حيث اعتمدت إسرائيل على الحصار، والتكنولوجيا، والاستخبارات للتحكم في التهديدات دون السعي للقضاء عليها نهائياً، وهو ما ولّد حالة من الجمود الفكري (الكونسيبتسيا) أدت لاحقاً إلى الهزيمة العسكرية والاستخباراتية يوم طوفان الأقصى.

لقد ساد قبل تشرين الأول/أكتوبر من عام 2023 تصور استخباراتي داخل أجهزة "الأمان" و"الشاباك" بأن حركة "حماس" قد تم ردعها اقتصادياً وسياسياً، وأنها أصبحت تفضل استقرار حكمها في غزة على خوض مغامرات عسكرية غير محسوبة. هذا التصور كان العائق الأكبر أمام فهم التحركات الميدانية، حيث تم تفسير المعلومات الاستخباراتية دائماً ضمن إطار هذا الافتراض الخاطئ، حيث كشف هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر أن الردع لا يصمد أمام خصوم يمتلكون منطلقات عقائدية صلبة واستعداداً عالياً للتضحية، مما أدى إلى انهيار المنظومات الدفاعية التكنولوجية التي لم تكن مهيأة لهجوم بري واسع ومنظم.

بالتوازي مع هذا الفشل الذهني، واجهت خطة "تنوفا" (الزخم) التي وضعها رئيس الأركان السابق أفيف كوخافي (2020-2023) انتقادات حادة في دراسة نحاس، إذ كانت الخطة تهدف إلى بناء "جيش صغير، ذكي، وقاتل" يعتمد بشكل مفرط على القوة الجوية، والاستخبارات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، وتقليص حجم القوات البرية والمدرعات. وقد شمل هذا التوجه تسريح حوالي 5000 جندي نظامي وإخراج دبابات قديمة من الخدمة. لكن، أثبتت عملية طوفان الأقصى أن هذا النموذج ترك الجيش مكشوفاً في المواجهات الميدانية المباشرة؛ حيث تم تحييد التفوق التكنولوجي بوسائل بدائية كالمُسيرات التجارية، ما كشف عن مخاطر فك الارتباط بين التكنولوجيا والعنصر البشري والمناورة البرية الواسعة.

علاوة على ذلك، برزت معضلة "انحياز الأتمتة" (Automation Bias) كواحدة من أسباب الفشل؛ حيث وثق القادة العسكريون في الخوارزميات والأنظمة الرقمية أكثر من التحليل البشري الميداني. هذا الاعتماد التقني لم يحل معضلة "الفهم السياقي" للعدو، بل ولد هشاشة أمنية قابلة للانهيار في لحظة واحدة، مما دفع المؤسسة العسكرية بعد 2023 لإعادة اكتشاف إستراتيجيا الحد الأقصى" وهندسة الطبقات الدفاعية الثلاث.

 

"إستراتيجيا الحد الأقصى"

تُبيّن دراسة الدكتور نحّاس أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية دخلت، خلال عامي 2024 و2025، مرحلة جديدة جعلت من "المنع الاستباقي" أولوية مركزية في عقيدتها الأمنية. لم يعد الهدف مقتصراً على تأجيل المواجهة أو تحييد التهديدات بصورة مؤقتة، بل اتجه نحو إحداث تحوّل جذري في الواقعين الجيوسياسي والديموغرافي بما يضمن عدم تكرار هجوم أكتوبر. وقد انهارت في هذا السياق فرضية "السيطرة عن بُعد" التي رافقت الانسحاب من قطاع غزة عام 2005، لتحل محلها نزعة واضحة نحو "السيطرة الميدانية المباشرة"، عبر سياسات تشمل التهجير القسري، وإقامة مناطق عازلة عميقة، والتدمير المنهجي للبنى التحتية، بهدف تحويل المناطق المصنّفة معادية إلى فضاءات غير قابلة للحياة.

ضمن هذا التحول، بلورت إسرائيل تصوراً دفاعياً جديداً يقوم على ثلاث طبقات متكاملة، تسعى من خلالها إلى تأمين وجودها الكياني وإعادة تشكيل محيطها الجغرافي. تتمثل الطبقة الأولى في تعزيز الدفاع العميق داخل الأراضي الإسرائيلية، من خلال تكثيف الحواجز الأرضية، وتوسيع حضور قوات الاحتياط الدائمة، وتحسين تحصينات المستوطنات الحدودية، بما يهدف إلى منع تكرار صدمة الاختراق البري وتحويل المناطق الحدودية إلى نطاقات عسكرية مغلقة قادرة على الصمود الذاتي.

أما الطبقة الثانية، فتقوم على ما تسميه إسرائيل "خط الدفاع الأمامي" أو "الاحتلال الوقائي"، حيث يُخطط لإنشاء نطاقات أمنية داخل أراضي الدول المجاورة. يشمل ذلك إقامة منطقة عازلة واسعة داخل قطاع غزة، ومنطقة أخرى جنوب نهر الليطاني انطلاقاً من نقاط حدودية في لبنان، إلى جانب نطاق أمني يمتد ليشمل كامل الجنوب السوري، بما يضمن إبعاد أي قوى أو ميليشيات مسلحة عن الحدود الإسرائيلية.

فيما تركز الطبقة الثالثة على نزع السلاح الشامل من المناطق المصنّفة مهدِّدة، عبر تجريدها من الأسلحة الثقيلة والصاروخية، وإبعاد الفاعلين المسلحين، مثل حزب الله وحماس، عنها بالكامل، بهدف منع إعادة إنتاج أي تهديد مستقبلي. وتعتمد هذه الطبقة على توسيع منطق "المعركة بين الحروب"، ولكن بصيغة أكثر عنفاً واستمرارية.

كذلك، لا تقتصر هذه المقاربة على البعد العسكري وحده، بل تتجاوز ذلك إلى محاولة شاملة لـ"حسم الصراع" من خلال إعادة تشكيل الواقعين السكاني والجغرافي. فعلياً، تسعى إسرائيل إلى إعادة الإقليم إلى ما قبل اتفاقات أوسلو، رافضةً أي وجود لكيان سياسي فلسطيني منافس، ومديرةً الصراع وفق رؤية أحادية تمزج بين الاستخدام المكثف للقوة العسكرية والسيطرة الجغرافية المباشرة. ويصف نحّاس هذا التوجه بوصفه "هندسة أمنية وديموغرافية جديدة" تهدف في جوهرها إلى اقتلاع فكرة المقاومة ذاتها.

 

الزلزال الإقليمي

شهدت السنوات الممتدة بين 2020 و2025 تحولات جيوسياسية عميقة أسهمت في إعادة تشكيل بنية التهديدات التي تواجهها إسرائيل، وأعادت رسم خرائط الصراع في الإقليم. ويُعدّ سقوط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر من عام 2024 أحد أبرز هذه التحولات المفصلية. فوفقاً للدراسة، أدى الانهيار السريع للنظام السوري إلى قطع أحد أهم شرايين الإمداد الاستراتيجية التي اعتمدت عليها إيران في دعم حزب الله، لا سيما فيما يتعلق بنقل الأسلحة النوعية والقدرات الصاروخية. غير أن هذا التطور، على الرغم من تقليصه لنفوذ طهران في سوريا، فتح في الوقت ذاته فراغاً أمنياً واسعاً وغير مضبوط، ما دفع إسرائيل إلى تبني نمط جديد من عمليات "المنع الاستباقي" الصامت، تمثل في تدخلات محدودة وغير معلنة هدفت إلى السيطرة على مخازن الأسلحة الاستراتيجية ومنع وصول القوى الصاعدة أو الفاعلين الجدد في الساحة السورية إليها.

هذا التحول الإقليمي الأوسع وضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع ما تصفه بعقيدة "حلقة النار"، وهي شبكة التهديدات الممتدة التي تضم إيران وحلفاءها في اليمن والعراق ولبنان. ونتيجة لذلك، لم يعد الصراع مع طهران محصوراً في إطار "حرب الظل" التي اتسمت بالعمليات السرية والضربات غير المنسوبة، بل انتقل تدريجياً إلى مستوى المواجهة المباشرة والعلنية، بما يعكس تصعيداً نوعياً في طبيعة الاشتباك الإقليمي وحدوده.

في هذا السياق التصاعدي، تبرز عملية "الدرع الحديدي" في حزيران/يونيو 2025 بوصفها ذروة هذا التحول، حيث شنت إسرائيل، بدعم أمريكي مباشر، هجمات واسعة استهدفت المفاعلات النووية الإيرانية ومنشآت الصواريخ الباليستية. وتمثل هذه العملية انتقالاً واضحاً إلى ما تسميه الدراسة منطق "الردع الوجودي"، أي السعي إلى توجيه ضربة قاصمة للبنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية، بما يحدّ من قدرة طهران على تهديد إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو عبر شبكة حلفائها الإقليميين. وبهذا المعنى، لم يعد الهدف الإسرائيلي يقتصر على الاحتواء أو الردع التقليدي، بل اتجه نحو محاولة فرض معادلة إقليمية جديدة تقوم على التفوق العسكري المطلق وإعادة هندسة توازنات القوة في الشرق الأوسط.

في المقابل، كشفت هذه الحرب بوضوح عن عمق ما تصفه الدراسة بـ"التبعية الاستراتيجية" للولايات المتحدة. فعلى الرغم من الخطاب الإسرائيلي التقليدي الذي يؤكد القدرة على الدفاع الذاتي والاستقلالية العسكرية، أظهرت الوقائع أن إسرائيل تعمل بوصفها "دولة حدودية" تعتمد وجودياً على المظلة الأمريكية. فقد شكلت المساعدات العسكرية الضخمة، التي بلغت نحو 14.25 مليار دولار، إضافة إلى تدفق الذخائر والأسلحة الاستراتيجية عقب أحداث أكتوبر، العامل الحاسم في منع تآكل أو انهيار القدرات العملياتية الإسرائيلية في ظل حرب متعددة الجبهات. غير أن هذه التبعية لا تأتي من دون كلفة سياسية، إذ تفرض قيوداً واضحة على هامش السيادة الإسرائيلية، وتجبر تل أبيب على مراعاة الأولويات الأميركية الأوسع، ولا سيما في سياق المنافسة العالمية مع الصين وروسيا. ويخلق ذلك توتراً دائماً بين رغبة إسرائيل في تحقيق "حسم مطلق" للصراع، وبين الخطوط الحمراء التي تضعها واشنطن للحفاظ على حد أدنى من الاستقرار الإقليمي.

وأخيراً، سلطت الدراسة الضوء على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مزدوجة التأثير في هذه الحرب. فمن جهة، مكّنت أنظمة مثل "لافندر" و"حبشور" الجيش الإسرائيلي من توليد آلاف الأهداف البشرية بوتيرة غير مسبوقة، ما أدى إلى تسريع عمليات الاستهداف واتخاذ القرار العسكري، إلَّا أن هذا الاعتماد المكثف على الخوارزميات أسهم، وفق الدراسة، في ارتكاب مجازر واسعة بحق المدنيين، وجرى توصيفه كجزء من عمليات "إبادة جماعية" ممنهجة. وقد ترتب على ذلك تعميق عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، وتحولها في نظر قطاعات متزايدة من الرأي العام العالمي إلى "دولة منبوذة"، الأمر الذي يهدد صورتها التقليدية بوصفها "واحة ديمقراطية" في المنطقة، وربما يقوض في المدى البعيد شرعية المشروع الصهيوني نفسه.

 

نهاية، تخلص دراسة الدكتور فادي نحّاس إلى أن إسرائيل تمر بمرحلة تحوّل بنيوي عميق وغير مسبوق في تاريخها، تحاول من خلالها فرض واقع إقليمي جديد يقوم على منطق القوة العسكرية الخالصة، متجاوزةً بصورة متعمدة الأطر السياسية والقانونية الدولية التي حكمت الصراع لعقود. فبينما قد يفضي تنفيذ اغتيالات نوعية أو فرض سيطرة ميدانية مؤقتة على مساحات جغرافية محددة إلى ترميم صورة الردع التي تعرضت لاهتزاز شديد، فإن هذا "النجاح" يظل محدود الأثر، إذ يضع الدولة في حالة احتكاك دائم وصدام وجودي مستمر، ليس فقط مع تنظيمات مسلحة بعينها، بل مع مجتمعات وشعوب المنطقة ككل. وبهذا المعنى، تتحول إسرائيل من فاعل يسعى إلى إدارة التهديدات إلى كيان منخرط في مواجهة مفتوحة مع بيئات اجتماعية كاملة، بما يحمله ذلك من تبعات أمنية وأخلاقية وسياسية طويلة الأمد.

أيضا، تحذر الدراسة، في خاتمتها، من أن ما تصفه بـ"إستراتيجية الحد الأقصى" التي تعتمدها الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الأمنية قد تقود الدولة إلى الوقوع في فخ "حرب استنزاف طويلة الأمد" لا يمكن حسمها أو الخروج منها عبر الأدوات العسكرية وحدها. فغياب أي تصور سياسي واضح لـ"اليوم التالي"، واستبداله بمحاولات فرض هندسة ديموغرافية قسرية وعدوانية، يحمل في طياته نتائج عكسية، من شأنها أن تؤدي إلى تآكل الصمود الداخلي، وتضخم الكلفة الاقتصادية، وتفاقم الأعباء الأخلاقية للحرب على المجتمع الإسرائيلي ذاته.

وفي هذا السياق، يظل التحذير المركزي الذي يطرحه نحّاس بالغ الدلالة: "إسرائيل دولة صغيرة تتصرف كدولة كبرى". فهذا التناقض البنيوي بين الحجم الجغرافي والديموغرافي للدولة وبين طموحاتها الإمبراطورية قد يفرض عليها، في المستقبل، أثماناً باهظة تتجاوز المكاسب الظرفية التي حققتها خلال ما يسميه الباحث "الزلزال الاستراتيجي". وفي المحصلة النهائية، تؤكد الدراسة أن الأمن القومي لا يمكن أن يُبنى على القوة العسكرية وحدها، وأن معالجة الخلل البنيوي في منظومة الردع الإسرائيلية تستلزم، قبل كل شيء، فهماً أعمق للجذور السياسية للصراع، وهو صراع لا يمكن حسمه بالخوارزميات، ولا بالجدران الحديدية، مهما بلغت صلابتها.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث