كشفت وكالة "رويترز"، في تحقيق موسّع نُشر اليوم الأربعاء، تفاصيل غير مسبوقة عن استخدام الجيش الإسرائيلي ناقلات جند مدرعة من طراز "M113" بعد تحويلها إلى شاحنات مفخخة تحمل بين طن وثلاثة أطنان من المتفجرات، خلال الأسابيع الستة التي سبقت وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر، ما أدى إلى تدمير واسع النطاق لأحياء سكنية كاملة في مدينة غزة.
وبحسب التحقيق، فقد جرى تفجير هذه الناقلات البرية الضخمة بالتزامن مع غارات جوية وتوغلات برية وجرافات مدرعة، أثناء تقدم القوات الإسرائيلية نحو وسط مدينة غزة، لا سيما في تل الهوى وصبرا والرمال الجنوبي.
تأثير يوازي أضخم القنابل الجوية
وتوصلت "رويترز"، استناداً إلى شهادات ثلاثة مصادر أمنية إسرائيلية، وضابط إسرائيلي متقاعد برتبة عميد، وجندي احتياط، وسلطات غزة، وثلاثة خبراء عسكريين دوليين، إلى أن الجيش الإسرائيلي استخدم ناقلات "M113" محملة بمواد شديدة الانفجار - يُرجح أنها نترات أمونيوم أو متفجرات صناعية منخفضة الطاقة - يتم تفجيرها عن بعد بعد إفراغ المنطقة.
وقدر الخبراء أن قوة الانفجار تقترب من تأثير قنبلة "مارك 84" الأميركية زنة ألفي رطل، وهي من أكبر القنابل الجوية في الترسانة الإسرائيلية، مشيرين إلى أن جسم الناقلة المصنوع من الألمنيوم يتمدد ثم ينفجر، مطلقاً شظايا معدنية عالية السرعة لمسافة تتراوح بين 100 و300 متر، بينما يمكن أن تُقذف كتل الخرسانة وقضبان الحديد لمسافات تصل إلى ألف متر.
وأوضح خبراء المتفجرات أن موجة الانفجار ترتفع من الأرض إلى الأعلى، فتدفع الأرضيات إلى الأعلى وتطوق المبنى من جميع الجهات، ما يفرض ضغطاً هائلاً على السقف والجدران ويؤدي إلى انهيار المباني بالكامل، حتى دون استهداف مباشر من الجو.
حي تحول إلى ركام
أحد أبرز الأمثلة التي وثقها التحقيق هو منزل هشام محمد بدوي، وهو مبنى سكني من خمسة طوابق في شارع الدولة بحي تل الهوى، كان قد تضرر جزئياً من غارة جوية سابقة، قبل أن يُدمّر بالكامل في 14 أيلول/سبتمبر جراء تفجير ناقلة مدرعة، ما أدى إلى تشريد 42 فرداً من عائلته.
وقال بدوي لـ"رويترز"، إنه كان على بُعد مئات الأمتار عندما سمع خمسة انفجارات متتالية لناقلات مدرعة خلال نحو خمس دقائق، مؤكداً أنه لم يتلقَّ أي تحذير بالإخلاء، وأن أفراد عائلته نجوا "بالمعجزة" وسط إطلاق نار كثيف وانفجارات.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية، الملتقطة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 2025، اختفاء منزل بدوي وأكثر من 20 مبنى مجاوراً خلال تلك الفترة. وعندما زارت "رويترز" الموقع في تشرين الثاني/نوفمبر، وجدت بقايا ناقلة مدرعة واحدة على الأقل متناثرة بين الأنقاض. وقال بدوي: "لم نصدق أن هذا هو حيّنا… هذا هو شارعنا".
بقايا ناقلات وسط الأنقاض
حلّل خبيران عسكريان لـ"رويترز" مقاطع مصورة وصوراً ميدانية، وأكدا وجود بقايا ناقلتين مدرعتين منفجرتين على الأقل في مواقع مختلفة من مدينة غزة، من بينها سلاسل الجنزير المعدنية والعجلات وألواح معدنية ممزقة.
وأشار ضابط بريطاني متقاعد مختص بإبطال المتفجرات إلى أن جنزير ناقلة M113 – يزن مئات الكيلوغرامات – انتُزع بفعل الانفجار وأُلقي به فوق سطح مبنى متعدد الطوابق، ما لا يمكن تفسيره إلا بتفجير داخلي هائل.
650 مبنى دُمّر خلال ستة أسابيع
وأظهر تحليل صور الأقمار الصناعية الذي أجرته "رويترز"، أن نحو 650 مبنى دُمّر كلياً في تل الهوى وصبرا والمناطق المحيطة بين 1 أيلول و11 تشرين الأول فقط، بينها أبراج سكنية وتجارية، وجامعات، ومساجد، ومقرات لمؤسسات حقوقية.
ومن بين المباني التي دُمرت: برج الرؤيا الذي كان يضم المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، وبرج الرؤيا 2 السكني–التجاري، وجناحان من الجامعة الإسلامية في غزة، ومسجد داخل الحرم الجامعي، وأحياء كاملة سُويت بالأرض، بما فيها ستة مربعات سكنية في تل الهوى دُمر فيها أكثر من 60 مبنى.
وقال عجيت سونغاي، رئيس مكتب مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن الاشتباه بوجود أفخاخ أو استخدام سابق للمباني من قبل قناصة لا يبرر التدمير الجماعي، محذراً من أن تدمير البنية التحتية المدنية دون ضرورة عسكرية قد يرقى إلى جريمة حرب.
وأشار خبيران في القانون الدولي إلى أن المباني قد تفقد حمايتها القانونية فقط إذا وُجد دليل واضح على استخدامها لأغراض عسكرية، وهو ما لم تقدمه إسرائيل، وفق التحقيق.
تدمير ممنهج واتجاه أوسع
يعكس حجم الدمار اتجاهاً أوسع في الحرب، إذ تشير بيانات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية إلى أن 81% من مباني قطاع غزة تعرضت للضرر أو الدمار، مع تسجيل نحو 5600 منشأة متضررة جديدة في محيط مدينة غزة منذ تموز/يوليو.
كما أظهرت بيانات منظمة "ACLED " تصاعداً ملحوظاً في عمليات هدم المباني باستخدام متفجرات وجرافات ووسائل برية، لا سيما في مدينة غزة، مع ذروتين بارزتين في أيلول وكانون الأول.
لماذا M113؟
بحسب التحقيق، يعود استخدام ناقلات M113 المفخخة إلى عدة عوامل على رأسها قيود أميركية على تزويد إسرائيل بقنابل "مارك 84" بسبب مخاوف من استخدامها في مناطق مأهولة، ونقص جرافات D9 الأميركية الصنع بعد تعليق بيعها في عهد إدارة جو بايدن، قبل استئنافها لاحقاً في عهد الرئيس دونالد ترامب، واستهداف "حماس" المكثف للجرافات خلال الحرب.
وقال العميد الاحتياطي المتقاعد أمير أفيفي، إن هذا السلاح يُعد "ابتكاراً في حرب غزة"، فيما قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في آب/أغسطس إن إسرائيل تستخدم هذه المتفجرات لتفجير "الأفخاخ التي وضعتها حماس في كل مبنى تقريباً"، وهو ما نفته الحركة بشكل قاطع.
مدينة أُفرغت وسُويت
دخلت القوات الإسرائيلية مدينة غزة أواخر آب/أغسطس بهدف القضاء على "حماس" وتحرير الأسرى، وأمرت بإخلاء المدينة في أيلول/سبتمبر. وبينما فر مئات الآلاف جنوباً، قدرت الأمم المتحدة أن نحو 700 ألف شخص بقوا داخل المدينة.
اليوم، بحسب "رويترز"، تحولت أحياء كانت تعج بالمخابز والمراكز التجارية والمساجد والجامعات إلى مساحات من الركام، فيما لا يزال عدد ناقلات الجند التي جرى تفجيرها فعلياً غير معروف، وسط تقديرات من الدفاع المدني في غزة بأنها وصلت إلى مئات الناقلات، بمعدل يصل إلى 20 يومياً.
