لم يكن يوم الأحد يوماً عادياً في مدن الساحل السوري؛ أصوات الهتافات اخترقت سكون شوارع لطالما عُرفت بالهدوء، مُعلنة عن موجة احتجاج غير مسبوقة في معاقل كانت تُعتبر آمنة ومستقرة. في طرطوس واللاذقية وجبلة وبلدات ساحلية أخرى، احتشد الأهالي تلبية لدعوات احتجاجية رُفعت خلالها شعارات تتعلق بتقرير المصير، والمطالبة بصيغ حكم لامركزية، والإفراج عن معتقلين، في سياق توترٍ متصاعد سبقته حوادث أمنية دامية في مناطق سورية أخرى.
جاءت هذه التحركات محمّلة بمشاعر غضب وخوف، وعبّرت عن قلق عميق لدى شرائح اجتماعية شعرت بأنها مستهدفة أو مهمّشة، ما دفعها للنزول إلى الشارع. وبرغم الانتشار الأمني الكثيف والتأكيدات الرسمية على أن التعبير عن الرأي حق مكفول ضمن الأطر السلمية، تصاعد التوتر على نحو أعاد إلى الأذهان مشاهد الأزمة الأولى عام 2011 بكل ما تحمله من أخطار.
شارعان.. وبلد واحد!
سُرعان ما انقسم المشهد في اللاذقية إلى فريقين متقابلين، في تكرار واضح لسيناريو "الشارع والشارع المضاد" الذي عرفته سوريا في بدايات أزمتها. فإلى جانب التظاهرة الرافضة للواقع القائم والمطالِبة بتغييرات سياسية ومعيشية، خرجت في المقابل تجمعات تؤيد السلطة القائمة وترفض أي تحرك ترى فيه تهديداً للاستقرار. وقف الطرفان في مساحات متقاربة، وتبادلوا الهتافات والشعارات وحصل صدام بينهما، قبل أن تتدخل القوى الأمنية للفصل بينهما ومنع الاحتكاك المباشر.
في جبلة وطرطوس لم يكن المشهد مختلفاً كثيراً؛ تجمعات متفرقة، توتر لفظي، ومناوشات محدودة عكست هشاشة الوضع وسهولة انزلاقه نحو العنف. ومع أن معظم المشاركين أكدوا سلمية تحركاتهم، فإن وجود أطراف متحفزة، وخطاباً عالي السقف، جعلا الشارع يبدو كبرميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة.
مجمل هذه المعطيات، جعلت ظاهرة "الشارع والشارع المضاد" تطلّ برأسها من جديد، لا بوصفها تعبيراً صحياً عن التعدد، بل كمؤشر خطير على انقسام اجتماعي قابل للتفجّر في أي لحظة.
شرارة فوق برميل بارود
الأحداث التي رافقت مظاهرات الساحل السوري لم تبقَ ضمن حدود التظاهر السلمي في كل المواقع. فقد سُجّلت إصابات وسقوط ضحايا نتيجة إطلاق نار وحالات فوضى وتخريب، وسط روايات متضاربة حول الجهة المسؤولة عمّا جرى. السلطات تحدثت عن مجموعات مسلحة استغلت التظاهرات لإثارة الشغب والاعتداء على المدنيين وعناصر الأمن، فيما أشار مشاركون وناشطون إلى استخدام القوة المفرطة في بعض الحالات أثناء تفريق المحتجين.
زادت هذه الوقائع منسوب القلق لدى السوريين عموماً، وخصوصاً لدى من عاشوا تجربة السنوات الأولى من الصراع، حين بدأت الاحتجاجات السلمية ثم انزلقت تدريجياً نحو العنف والفوضى. والمخاوف اليوم لا تتعلق بحادثة عابرة، بل بإمكانية تراكم الأحداث وتحولها إلى مسار يصعب ضبطه.
العقلاء: خط الدفاع الأخير
في هذا السياق المشحون، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن منع انزلاق البلاد نحو انفجار جديد لا يريده أي سوري عاقل؟ الجواب يبدأ من الإقرار بأن الشارع الغاضب ليس كتلة واحدة، وأن خلف الاحتجاجات مخاوف حقيقية ومطالب تحتاج إلى استماع جدي، لا إلى شيطنة أو تخوين. وفي المقابل، فإن تحويل هذه المخاوف إلى شعارات تقسيمية أو خطاب تصعيدي حاد يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة لا تخدم أحداً.
من هنا تبرز مسؤولية العقلاء، من شخصيات اجتماعية ودينية وفعاليات محلية وسياسية ومدنية، في تهدئة النفوس وضبط الخطاب، ومنع استثمار الغضب الشعبي من قبل أطراف لا يهمها سوى الفوضى. وقد أكدت مواقف صدرت عن وجهاء ومجموعات اجتماعية في الساحل (القرداحة وصافيتا) التمسك بوحدة سوريا ورفض أي مشاريع تقسيم أو صدام داخلي، وهي مواقف تعكس وعياً بخطورة المرحلة وضرورة حماية السلم الأهلي.
في المقابل، تقع على عاتق السلطة مسؤولية مضاعفة في طمأنة المواطنين كافة، عبر خطوات عملية لا تقتصر على الأمن، بل تشمل فتح قنوات حوار حقيقية، ومعالجة ملفات الفساد والانتهاكات، وتقديم رؤية واضحة لمستقبل الحكم والإدارة المحلية، فمن الحكمة أن يكون النقاش حول اللامركزية أو غيرها من الصيغ السياسية - الإدارية وطنياً شاملاً ولا يقتصر على فئات أو أطراف بعينها.
درس الأمس وقرار اليوم
بالمحصلة، فإن ما جرى في مظاهرات الساحل السوري ليس حدثاً معزولاً، بل إشارة تحذير أخرى تضاف إلى غيرها من المؤشرات إن كان في الجزيرة أو في حلب أو السويداء أو حمص. والذاكرة السورية مثقلة بتجارب قاسية، ولذلك، فإن أي استسهال لمنطق "الشارع ضد الشارع" قد يعيد فتح جراح لم تندمل بعد، وسوريا والسوريين، كل السوريين، بالغنى عنها.
ومن هنا فإن التقاط هذه الإشارات التحذيرية والتعامل الواعي والحكيم معها هو الخيار الذي ما زال متاحاً حتى اللحظة، فإما كبح الأصوات المنفلتة، وتغليب العقل والحوار، أو ترك المشهد يتدهور نحو مسار يعرف السوريون جيداً كيف يبدأ، ولا أحد يعرف كيف ينتهي.
في بلد دفع أثماناً باهظة خلال أكثر من عقد، تبدو الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى لغة هادئة، وخيارات مسؤولة، وإرادة جماعية تمنع تكرار الكارثة عبر مسار وطني جامع يسحب كل القضايا الخلافية من الشارع ويضعها على طاولة البحث والنقاش حتى التوافق. فالمستقبل بالتأكيد لا يُبنى بالصدام، بل بالاعتراف المتبادل، والعمل الجاد على معالجة أسباب الغضب قبل أن تتحول إلى نار لا تُبقي ولا تذر.
