حذر الاتحاد الأوروبي، من أن تهديد إسرائيل بمنع منظمات دولية غير حكومية من العمل في قطاع غزة سيحول دون وصول "مساعدات حيوية" إلى السكان في القطاع المدمر، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بفعل الحرب والحصار وسياسات التجويع.
وكتبت المفوضة الأوروبية المعنية بالمساعدة الإنسانية، حاجة لحبيب، على منصة "إكس"، أن "الاتحاد الأوروبي كان واضحاً: لا يمكن تطبيق قانون تسجيل المنظمات غير الحكومية بصيغته الحالية"، مضيفة أن "قانون المساعدة الإنسانية الدولية لا يترك مجالاً للشك: يجب إيصال المساعدات إلى الذين يحتاجون إليها"، في إشارة مباشرة إلى القواعد الإسرائيلية الجديدة التي تهدد بسحب تراخيص عشرات المنظمات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
انتهاك صارخ وقرصنة إنسانية
من جانبها، دعت السلطة الفلسطينية، إلى معاقبة إسرائيل على قرارها منع تنفيذ إلغاء تصاريح عمل 37 منظمة دولية غير حكومية، محذرة من التداعيات الإنسانية والقانونية الخطيرة.
وقالت وزارة الخارجية الفلسطينية، في بيان، إن القرار الإسرائيلي "يشكل انتهاكاً صارخاً للقوانين والأعراف الدولية"، مؤكدة رفضها "الأسباب التي تسوقها سلطات الاحتلال لتبرير منع عمل هذه المؤسسات التي تقدم دعماً إنسانياً وصحياً وبيئياً لأبناء الشعب الفلسطيني".
وأضاف البيان أن هذه المساعدات تُقدَّم "خصوصاً في قطاع غزة، في ظل حرب الإبادة والتجويع التي تستخدمها إسرائيل كسلاح حرب، إلى جانب العدوان المتواصل على مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية"، مشدداً على أنه "لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية".
واعتبرت الخارجية الفلسطينية أن "ما تقوم به إسرائيل، بوصفها سلطة احتلال، من وقف عمل هذه المنظمات، يمثل قرصنة وبلطجة وإجراءً مخالفاً للقانون الدولي"، مذكرة بالرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والذي شدد على واجب إسرائيل تسهيل عمل المنظمات الإنسانية وعدم عرقلته.
إجراءات إسرائيلية وتصعيد قانوني
يأتي هذا التصعيد بعد شروع الحكومة الإسرائيلية في اتخاذ إجراءات قانونية لإلغاء تراخيص عمل منظمات دولية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينها "أطباء بلا حدود"، بذريعة عدم استكمال متطلبات التسجيل القانونية.
وأعلنت إسرائيل، أنها ستمنع المنظمات غير الحكومية من العمل في قطاع غزة اعتباراً من عام 2026، إذا لم تُسلم قوائم موظفيها الفلسطينيين بحلول الأربعاء، متهمة اثنين من موظفي منظمة "أطباء بلا حدود" بـ"الارتباط بمنظمات إرهابية". وقالت وزارة الشتات و"مكافحة معاداة السامية" الإسرائيلية، في بيان، إن المنظمات التي "رفضت تسليم قوائم موظفيها الفلسطينيين بغية استبعاد أي ارتباط بالإرهاب، ستُلغى تراخيصها".
وزعمت الوزارة أن هذه المنظمات تمثل 15 في المئة فقط من إجمالي المنظمات غير الحكومية، معتبرة أن "تقويض شرعية إسرائيل، والملاحقات القضائية ضد جنود الجيش، وإنكار الهولوكوست وأحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023" أسباب كافية لسحب التراخيص.
رد "أطباء بلا حدود"
ورداً على هذه الاتهامات، أكدت منظمة "أطباء بلا حدود"، في تصريح لوكالة "فرانس برس"، أنها "لا توظّف إطلاقاً عن دراية أشخاصاً منخرطين في نشاطات عسكرية"، مشيرة إلى أنها "تواصل الحوار مع السلطات الإسرائيلية"، لكنها أعربت عن "مخاوف جدية" من إلزامها تسليم بيانات موظفيها، لما يحمله ذلك من مخاطر أمنية وأخلاقية. ودعت إسرائيل للسماح لها بالعمل في غزة والضفة الغربية سنة 2026.
"الميل الأخير": جوهر الأزمة
ورغم استمرار دخول قوافل المساعدات شكلياً، تحذر منظمات إنسانية وأممية من أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عدد الشاحنات، بل في ما يُعرف إنسانياً بـ"الميل الأخير"، أي مرحلة استلام المساعدات وتخزينها وتوزيعها وتشغيلها داخل غزة.
وبحسب مصادر أممية، فإن عدداً من المنظمات المشمولة بالقرار يلعب أدواراً تشغيلية متخصصة في إدارة المستشفيات الميدانية، ومراكز الإيواء، وخدمات المياه والصرف الصحي، وحماية الأطفال، وهي أدوار لا يمكن تعويضها سريعاً حتى لو استمرت الشاحنات في العبور.
كما تشمل القيود الإسرائيلية متطلبات أمنية وبيروقراطية إضافية، مثل تسليم بيانات تفصيلية عن الموظفين المحليين والدوليين، وتشديد الرقابة على المواد المصنفة "ثنائية الاستخدام"، ما يؤدي عملياً إلى تعطيل المساعدات أو تأخيرها.
مصر… بوابة إنسانية مهددة
وبالتزامن مع شتاء قاسٍ ونقص حاد في الغذاء والدواء، أبلغت سلطات الاحتلال 37 مؤسسة إغاثية دولية بوقف أو عدم تجديد تراخيصها، ما يهدد منظومة تدفّق المساعدات، خصوصاً القادمة عبر مصر، التي تُعد بوابة إنسانية رئيسية لغزة منذ اندلاع الحرب.
وبحسب مصادر مصرية، فإن القرار الإسرائيلي لا يستهدف – وفق الرواية الرسمية – "الأرقام الإجمالية" للمساعدات، لكنه يضرب منظومة توزيعها وتشغيلها داخل القطاع، وهي الحلقة الأكثر هشاشة في المسار الإنساني.
ميدانياً، شرعت قافلة المساعدات الإنسانية رقم 106، اليوم الأربعاء، في التوجه إلى قطاع غزة عبر البوابة الفرعية لميناء رفح البري، ضمن مبادرة "زاد العزة من مصر إلى غزة"، محمّلة بآلاف الأطنان من الغذاء والأدوية والوقود.
مستشفى حمد يستأنف عمله
في سياق متصل، أعلن مستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية في غزة استئناف خدماته شمالي القطاع بعد توقف قسري خلال الهجوم البري في أيلول/ سبتمبر 2025.
وأكد رئيس مجلس إدارة المستشفى ومدير صندوق قطر للتنمية، فهد بن حمد السليطي، أن إعادة التشغيل تأتي "رغم التحديات الكبيرة"، مع تشغيل جهاز الأشعة المقطعية الوحيد في شمال غزة، واستئناف العمل في أقسام الأطراف الصناعية والتأهيل والسمع، إلى جانب افتتاح فرع جديد جنوب القطاع.
قصف متواصل واستهداف للأحياء الشرقية
ميدانياً، واصل جيش الاحتلال الإسرائيلي، قصفه الجوي والمدفعي لمناطق متفرقة في قطاع غزة، في ظل تصعيد متزامن مع تشديد القيود على العمل الإنساني. وأفادت وسائل إعلام فلسطينية بأن طائرات الاحتلال قصفت منزلاً سكنياً في شارع العجارمة شرقي مخيم جباليا شمالي القطاع، ما ألحق أضراراً واسعة بالمنازل المجاورة من دون الإبلاغ عن إصابات، فيما استهدفت مدفعية الاحتلال حي التفاح شرقي مدينة غزة بعدة قذائف، تزامناً مع تحليق مكثف للطيران المسيّر.
وفي وسط القطاع، تتفاقم معاناة آلاف العائلات النازحة في وادي غزة، حيث تسببت الأمطار الغزيرة والرياح العاتية، المستمرة منذ أربعة أيام، في غرق خيام مهترئة وتشريد إضافي للأسر، وسط نقص حاد في مواد الإغاثة وغياب وسائل التدفئة، ما فاقم أوضاع الأطفال والنساء وكبار السن، في وقت يمنع فيه الحصار وإغلاق المعابر إدخال المساعدات الطارئة أو مستلزمات الإيواء.
