عام رفع الموائد وغسل الصحون!

GettyImages-503065282.jpg
الضغوط على النظام الاقليمي العربي تواصلت طوال العام الماضي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

 

عبد المنعم مصطفى

 

واظبت لسنوات طويلة على المشاركة في تشييع أعوام تطوي أوراقها، أو في حفلات تدشين أعوام جديدة تفتح سجلاتها، وتشرّع أبوابها، أمام مشاهد جديدة يجري الإعداد لها، بترتيب محكم أحياناً، وبعشوائية ملحوظة غالباً.

كنت أحرص ضمن تقاليد هذه المواظبة الدؤوب، على إطلاق اسم لعام رحل، وآخر لعام حضر، وكنت انتخب مع زملائي وقرائي أهم أحداث كل عام، وأبرز الصور والشخصيات.

كان الأمر أسهل بكثير طوال سنوات ما يسمى بحقبة الاستقرار في العلاقات الدولية، قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، بكل توابع هذا الانهيار.  

 

عام غسل الصحون

لم يكن السلام يشمل العالم طوال نصف قرن من الحرب الباردة، لكن قواعد الاشتباك كانت مستقرة، وسقف أي صراع كان معلوماً للكافة، وهذا ما ساعد المراقبين على الرصد الهاديء للأحداث مهما بدت في حال الغليان ومهما استبد بها الفوران.

في الساعات الأخيرة، من العام الخامس والعشرين من الألفية الثالثة، اعترف لكم بعجزي عن الرصد الهادئ لعام تطويه العواصف قبل أن يطوي أوراقه ويرحل، دون أن أزعم في ذات الوقت، أدنى قدرة على توقع ما هو آت في العام الجديد.

قبل أعوام، كتبت مستقبلاً العام الجديد، ومستشرفاً عاماً سوف يليه، فقلت رداً على سؤال: أن الأول هو عام رفع مخلفات الموائد، وأن الثاني هو عام غسل الصحون.

وأوضحت "أن وليمة الأعوام الأولى من العقد الثاني من القرن الأول من الألفية الثالثة، كانت ثقيلة على أمعاء الجميع، ما أصاب النظام الدولي بتقلصات معوية عنيفة، أغلبها لم ينته بعد"، وقلت أيضاً، "أن أحداً لن يبكي على العام المغادر، فقد اجتازت المنطقة والعالم خلاله، أياماً صعبة بحق، سقط خلالها عشرات الألوف من الضحايا وتشرد مئات الألوف منهم في صراعات أغلبها داخلية، بنكهة إقليمية، ورعاية دولية، لكن أحداً أيضاً لا يملك على مشارف عام جديد، ترف التمني بأن يكون العام الجديد هو عام نهاية أحزان الإقليم، وعودة الاستقرار إليه، فدفاتر الحسابات في صراعات المنطقة ما تزال مفتوحة، وأغلب النزاعات ربما نالت هدنة يلتقط أطرافها الأنفاس، لكنها لم تبلغ بعد مرحلة مقنعة لأطرافها، بأن ما جرى كاف، وبأنه على الأطراف أن تتعلم فنون التعايش، طالما أن إجهاز أي منهم على الآخر بات مستحيلاً".

 

صومالي لاند

هكذا بدت لي الصورة وقتها، لكنني أعترف أمامكم الآن، بأن الوقائع قد خذلت التوقعات، فلا العام قبل الفائت كان عاماً لرفع الموائد، و لا العام الفائت الذي تلاه كان عاماً لغسل الصحون، بل أن شهية الضيوف على موائد الاقليم قد انفتحت طوال العامين المنصرمين، وفتحت معها باب التوقعات بلا سقف وبغير قاع.

تواصلت الضغوط على ما تبقى من النظام الإقليمي العربي طوال العام الماضي، من قبل قوى إقليمية غير عربية (إيران، تركيا، إسرائيل، إثيوبيا) وراحت الضغوط تتصاعد قرب نهاية العام، لتبلغ إحدى ذراها، مع قرار بنيامين نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، بالاعتراف بما يسمى جمهورية أرض الصومال (صومالي لاند)، هذا الاعتراف بتداعي توابعه، يفرض تحديات جسيمة وباهظة الكلفة على مصر وسائر دول البحر الأحمر. ويدشن بداية لا يمكن إلا أن تكون صاخبة لعام جديد كان قراء الطالع يمنوننا بأن يكون عام (آخر الأحزان). فهو يمهد لوجود إثيوبي على البحر الاحمر، ولقاعدة بحرية اسرائيلية في صومالي لاند، تتحول معها إسرائيل الى قوة مهيمنة على البحر الأحمر.

 

تفاهمات عميقة وصريحة

نهاية مفتوحة على توقعات بأحداث جسام بمنطقتنا في الساعات الأخيرة الصاخبة من العام المغادر، وتحديات أمنية هائلة، لا طاقة للعرب بمواجهتها والتصدي لها دون تفاهمات استراتيجية عميقة بين السعودية ومصر من جهة وبين دولة الإمارات العربية من جهة أخرى.

بدون تفاهمات عميقة وصريحة بين المثلث العربي (مصر والسعودية والإمارات) فإن الدور العربي في العام الجديد، قد لا يتجاوز في أفضل الأحوال حدود رفع مخلفات الموائد أو حتى غسيل الصحون.

أما واشنطن فتظل بالإقدام أو بالإحجام، القوة الأكثر تأثيراً في أحداث عام مضى، وهي تخوض مستهل عام جديد مشحونة بأحلام MAGA، فيما تحدق أساطيلها بفنزويلا، بينما يلوح دونالد ترامب بما يسميه ملحق ترامب على مبدأ مونرو، أما منطقتنا فماتزال مسجاة فوق طاولة الرسم بغرفة الخرائط، بينما يواصل الأكلة السباق على قصعتنا في الشرق الأوسط، فيما يستسلم أصحاب القصعة لعجزهم عن ذب المتسابقين عليها، والحال مرشح للاستمرار في العام الجديد، من دون أن ينجلي المشهد عن هوية من سيرفع مخلفات الموائد، ولا من سيغسل صحونها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث