انهيار منطقة العزل: زلزال جيوسياسي يصل حدود عُمان

شفيق طاهرالثلاثاء 2025/12/30
Image-1767030526
السياسة الخارجية لسلطنة عمان قائمة على الحياد والوساطة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في أوائل كانون الأول/ ديسمبر 2025، أطلق المجلس الانتقالي اليمني الجنوبي  (STC)، وهو حركة انفصالية يمنية مدعومة من الإمارات تدعي سيادة الدولة اليمنية الجنوبية السابقة، عملية "المستقبل الواعد" التي اجتاحت وادي حضرموت ومحافظة المهرة الساحلية. خلال 48 ساعة استولت قوات المجلس الانتقالي اليمني الجنوبي على عاصمة المحافظة سيئون، ومطار الغيضة الاستراتيجي، ومعبر الشحن الحدودي، وميناء نيشتون، رافعاً العلم الجنوبي فوق نقاط التفتيش العمانية. 

لم يبد دخول قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى وادي حضرموت وتمددها نحو شوارع الغيضة في المهرة مجرد تحول ميداني جديد في حرب اليمن. بالنسبة لمسقط، كان ذلك بمنزلة إنذار استراتيجي وصل إلى عتبة الحدود مباشرة، وأعاد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة الأمنية للسلطنة، كيف يمكن للدولة التي بنت أمنها على التهدئة وتوازن العلاقات أن تتعامل مع واقع حدودي يتغير بسرعة غير مسبوقة؟

 

ظفار يعود من بوابة المهرة

قرأت عُمان المشهد من زاوية تاريخية أولاً. فالعلاقة مع الجنوب اليمني كانت دائماً محملة بثقل تجربة حرب إقليم ظفار، حين تحول الجنوب اليمني خلال أعوام 1965–1975 إلى عمق داعم لحركات مسلحة هددت عرش السلطان قابوس، وفرضت على سلطنة عُمان خوض حرب طويلة ومكلفة.

شهدت سلطنة عُمان في تلك الفترة صراعاً داخلياً وخارجياً في جنوبها، وتحديداً في إقليم ظفار، بين الحكومة العُمانية المدعومة من بريطانيا وبعد ذلك من الولايات المتحدة، وبين حركة تمرد ماركسية لينينية تعرف بالجبهة الشعبية لتحرير عمان (PFLO) أو جبهة تحرير الظفار.

من رحم تلك التجربة، تبلور مبدأ أساسي في العقل الأمني العُماني، وهو أن أمن إقليم ظفار يبدأ من المهرة.

بمرور السنوات، لم يكن هذا المبدأ مجرد قراءة تاريخية، بل تحول إلى قاعدة استراتيجية حكمت تعامل مسقط مع الحدود، ومع القبائل والعلاقات العابرة لها، ومع أي تغير ميداني يقع غرب السلطنة. ولهذا، بدت التطورات الأخيرة كاستعادة مفاجئة لمشهد كان يعتقد أنه أصبح جزءاً من الماضي.

 

المجلس الانتقالي كبديل حديث للتمرد الظفاري

بينما سعى متمردو الظفار الأصليون إلى تحقيق رؤية اشتراكية لدولة ديمقراطية شعبية، فإن المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم يتبع أجندة جيو استراتيجية تتماشى مع سياسات أبوظبي. يسعى المجلس للهيمنة على الطرق البحرية التي تحيط ببحر العرب، وضبط السيطرة على حوض النفط الحضري، والأهم من ذلك، تقييد طموحات سلطنة عُمان في بحر الهند. باحتلال موانئ النشتون والغيضة، يستطيع المجلس التحكم في تدفق منتجات النفط التي كانت تمر تاريخياً عبر خطوط الأنابيب والأسواق الساحلية العمانية. بذلك يعيد إحياء الديناميكية التي ميزت تمرد الظفار في الستينات، مستبدلاً الدعم السوفييتي بأموال وإمدادات إماراتية.

 

الأبعاد القانونية والسيادية.. والبحرية

إلى جانب التهديد العسكري، يتحدى المجلس الانتقالي الجنوبي الأساس القانوني لسيادة سلطنة عُمان. فمعاهدة الحدود لعام 1992، الموقعة في 1 تشرين الأول/ أكتوبر عقب توحيد اليمن، بين اليمن الموحد وسلطنة عُمان، اعتبرت حلاً نهائياً للنزاع الحدودي وضماناً للاستقرار الإقليمي. إلا أن المجلس الانتقالي الجنوبي يرفض الاعتراف بهذه الاتفاقية، مؤكداً أن الدولة الموحدة لليمن لم توافق قط على وجود حدود دائمة مع سلطنة عُمان. وبرفع علمه عند معبر الشحن ومطالبته بإعادة فتح المعبر تحت سيطرته، يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي فعلياً إلى إبطال معاهدة دولية معترف بها وإعادة رسم الخريطة الجغرافية للمنطقة.

يذكرنا هذا الأمر بمجمع الظفار 1965‑1975، عندما وفرت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ملاذاً للجبهة الشعبية لتحرير عُمان (PFLO) واستخدمت الحدود المتسربة لإطلاق غارات على الأراضي العمانية. كان إصرار الجبهة الشعبية لتحرير عُمان على إقامة دولة شعبية تشمل الظفار ضمن اليمن الاشتراكي مماثلاً اليوم لادعاءات المجلس الانتقالي الجنوبي بأن اليمن الجنوبي الذي يمثله يجب أن يمتد إلى أراضي المهرة التي تقسمها الحدود مع سلطنة عُمان.

إلى جانب البعد القانوني والسياسي، تحضر الجغرافيا البحرية بقوة. فالدعم الذي يتلقاه المجلس الانتقالي الجنوبي من أبوظبي يقرأ في مسقط ضمن سياق أوسع يتصل بالموانئ والممرات البحرية على بحر العرب، وبالطموحات الاقتصادية التي ترتبط بالمحيط الهندي وخطوط الملاحة.

بالنسبة لسلطنة عُمان، المهرة ليست صحراء وحدوداً فحسب، إنها امتداد لمجال حيوي اقتصادي، وأي حضور عسكري أو سياسي جديد فيها قد يغير معادلات النفوذ على الشواطئ والسواحل والموانئ المجاورة. هنا تلتقي الجغرافيا بالاقتصاد، وتصبح السيطرة على الأرض جزءاً من صراع أوسع يتجاوز حدود الخرائط المحلية.

 

اختبار هادئ لسياسة هادئة

تقليدياً، بنت عُمان سياستها الخارجية على الحياد والوساطة وتخفيف الاستقطاب بين الخصوم. غير أن التحولات الأخيرة سوف تدفعها إلى مراجعة أدواتها، ليس من بوابة التصعيد، بل من باب حماية نموذجها الخاص. تواجه السلطنة اليوم تحدياً مركباً، كيف تواصل دورها كوسيط إقليمي، وفي الوقت نفسه تمنع أي واقع حدودي جديد قد يهدد التوازن الذي حافظت عليه لعقود؟

عليه قد تعتمد مسقط على ثلاثة مسارات مترابطة:

استقرار عسكري، بهدفإعادة تثبيت حضور عسكري عماني موثوق به في المهرة، ربما عبر نشر أسراب ميكانيكية سريعة وتفعيل قدرات الدفاع الجوي، بالتنسيق مع "قوة درع الأمة" السعودية لتجنب تصعيد أكبر.

تعزيز الدبلوماسية، عبرالاستفادة من معاهدة الحدود لعام 1992 في المحافل الدولية، طلب وساطة من الأمم المتحدة أو مجلس التعاون الخليجي لتبطل شرعية مطالبة المجلس الانتقالي الجنوبي، والضغط على الإمارات للالتزام بميثاق التعاون الخليجي الذي يمنع التغييرات الأحادية للحدود المعترف بها.

وأخيراً، التواصل القبلي لتجديد استراتيجية خط الدفاع الأول التي تركز على التواصل القبلي، وتقديم حوافز اقتصادية، لإعادة بناء النسيج الاجتماعي في المهرة الذي يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي إلى تقويضه.

إن ما يحدث في جنوب اليمن ليس مجرد تبدل في خرائط السيطرة؛ بل إعادة رسم خرائط القلق والأولويات في الإقليم. بالنسبة لسلطنة عُمان، أعاد الزلزال الجيوسياسي التذكير بأن التاريخ لا يختفي، وأن الجغرافيا قادرة على إحياء خطوط حمراء ظن أنها زالت.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث