يستغرب المراقب للحالة السورية انقطاع الكلام فجأة في الإعلام، وعلى الصعيد الرسمي، حول مجلس الشعب السوري، بعد أشهرٍ من الاحتفاليات التي رافقت لحظة الإعلان عن النية في إجراء الانتخابات، مروراً بتشكيل اللجان الانتخابية وإعلان شروط الترشح والترشيح لشغل ثلثي مقاعد المجلس، وصولاً إلى إجراء الانتخابات وإعلان نتائج التصويت، والاحتفال بذلك كإنجاز يضاف إلى ما يقال إنها انجازات حكومة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد الانتقالية.
لغط شعبي وإعلامي
غير أن الأمر توقف عند ذلك الحد، بانتظار القسم الذي يتعلق بتعيين الرئيس أحمد الشرع الثلث المتبقي لاستكمال التشكيلة الكاملة، وبانتظار إصدار مراسيم رئاسية يتضمن أحدها أسماء الفائزين بعضوية المجلس، ومرسومٌ آخر يدعو فيه لانعقاد أول جلسة، والتي تخصص عادة لانتخاب رئيس المجلس وأعضاء اللجان الخاصة به، لكن ذلك لم يحصل حتى الآن.
وأعلنت اللجنة العليا للانتخابات في سوريا، في 6 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أسماء الفائزين في الانتخابات وبلغ عددهم 119 عضواً من أصل 210 أعضاء، مع بقاء 21 مقعداً شاغراً للممثلين عن محافظات السويداء والرقة والحسكة، الخارجة عن سلطة دمشق، وكذلك 70 عضواً لا يجري انتخابهم، بل سيعينهم الشرع تعييناً، عملاً بالنظام الانتخابي المؤقت الذي أصدره، في 20 آب/أغسطس الماضي، بموجب مرسوم رئاسي.
وقد أثارت هذه الانتخابات لغطاً شعبياً وإعلامياً، أولاً بسبب طريقة الانتخاب التي جرت عبر لجان انتخابية محلية، وليس عبر الاقتراع الجماهيري المباشر، فلم تراعِ المعايير الديمقراطية ولم تعكس الإرادة الشعبية، ولم تدعُ مراقبين دوليين للإشراف على العملية. كما أن اللجان المشكلة تتبع للرئاسة، وهي التي اختارت للمجلس من رأت فيه تأييداً للحكم، ما حرم المعارضة من أي تمثيل. وثانياً بسبب تعيين السلطة التنفيذية أعضاء السلطة التشريعية وليس العكس، وعادة ما يكون هؤلاء من مؤيدي السلطة، وهي آلية لا تراعي مبدأ فصل السلطات، ما يخل باستقلالية السلطة التشريعية وعملها، ويجعلها تأتمر بأوامر السلطة التنفيذية، وستكون أصوات الكتلة التي سيجري تعيينها وازنة، وتُحدث فارقاً، في حال التصويت على قراراتٍ تدفع بها السلطة إلى المجلس لمناقشتها وطلب الموافقة عليها.
تعزيز شرعية السلطة
وعلى الرغم من ذلك، تقبَّل كثيرون من المؤيدين فكرة تشكيل مجلس نواب لا يخضع لسلطة الأسد وتدخله، للمرة الأولى من 54 سنة. كما كان سبب الرضى عن إخراج المجلس بهذه الطريقة، أنه يستكمل مؤسسات الحكم للظهور أمام الخارج، خصوصاً دول الغرب، بمظهر الدولة التي تديرها مؤسسات، ما يعزز شرعية السلطة بنظر هذه الدول. كذلك بسبب الحاجة لمجلسٍ من هذا القبيل من أجل تشريع قرارات حكومية، والتصديق على اتفاقيات دولية. كما أن وجود مجلس للنواب يعطي الانطباع بأن أي قرارات لن تخرج إلا مشرعنة من برلمان، ويُسكِت الأصوات المعارضة، في الداخل، وأصوات المشككين من دول أخرى، ممن ينظرون إلى حكم الشرع بوصفه حكماً أوتوقراطياً لا يقبل وجود برلمان. ربما هذا ما أدركته السلطة فيما بعد فقررت تشكيل المجلس، وهي التي كانت رافضة تشكيله، وعزت السبب لصعوبات كثيرة. وقد تحدث الرئيس الشرع مرة عن الأمر قائلاً إن أي انتخابات لتأسيس مجلس نواب لن تجري قبل خمس سنوات، بسبب صعوبة إجراء إحصاء سكاني جديد، وعدم قدرة النازحين في الخيام واللاجئين في دول الجوار والمغترَبات المشاركة فيها، ما يمكن أن يشعرهم بالحرمان من حقوقهم ومن إيصال ممثليهم إلى المجلس.
بعد مرور ما يقارب ثلاثة أشهر على إعلان نتائج الانتخابات، لم يجرِ حتى الآن تعيين بقية أعضاء المجلس، ولم تحدد السلطة تاريخاً لذلك، وبالتالي يمكن أن يتأخر الأمر بسبب استحقاقات أخرى، أو أولويات لدى السلطة، أو ربما بسبب التوتر في السويداء أو مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، نتيجة فشل تطبيق اتفاق 10 آذار، بينها وبين الحكومة في دمشق. كما أن هنالك موضوع تمثيل النساء الضعيف جداً، والذي ينتظر كثيرون أن يبت به الشرع لتعويض النقص. لكن هذا التأخير سيعطي انطباعاً بعدم جدية السلطة في قرار من هذا القبيل، وعدم اعترافها بأهمية مجلس الشعب ودوره وبضرورة تشكيله في أسرع وقت ممكن، من أجل القيام بعمله بوصفه مراقباً لعمل الحكومة ومصححاً لأخطائها. وكذلك عدم اعترافها بضرورته من أجل تشريع أي اتفاقات خارجية، وهي اتفاقات يمكن الطعن فيها، فيما بعد، بحجة عدم تصديقها من السلطة التشريعية. وتشكيل مجلس نواب في سوريا هو مطلب أولي للمستثمرين الأجانب، وليس لأبناء البلاد فحسب، لأنه لا يمكنهم المغامرة والتفكير بالاستثمار في دولة لا ضمانة قانونية وتشريعية لأعمالهم فيها.
توسيع الانقسامات
ما تزال البلاد بعيدة عن التحول السياسي الذي كان سبباً لثورة السوريين على الأسد، بسبب التباطؤ في موضوع التسوية السياسية القادرة وحدها على إزالة التوتر مع المناطق الخارجة عن سيطرة دمشق، وبسبب عدم حسم قضايا مثل التشاركية في الحكم وتمثيل الأقليات والإصلاح القضائي وإصدار قانون للأحزاب والصحافة، وعدم البت في مسألة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، والأخطر من ذلك استمرار انتشار خطاب الكراهية والسلاح المتفلت والقتل المتنقل في الشوارع. لذلك كله، يمكن لأي قوة معارضة، مثل قوات سوريا الديمقراطية، أو حتى القوى الفاعلة في السويداء، ألا تقبل الولوج في مفاوضات التسوية مع السلطة قبل تسوية هذه القضايا، ومنها مجلس الشعب إذا اكتمل تشكيله، بوصفه مؤسسة غير شرعية بنظر كثيرين ومنهم "قسد" التي أصدر مجلسها بياناً، في يوم الإعلان عن نتائج الانتخابات، قال فيه إن الانتخابات "لا تعبِّر عن إرادة السوريين، ولم تمثل جميع المناطق والمكونات في البلاد"، وأضاف: "ولا يمكن لأي عملية انتخابية أن تكون شرعية إلا إذا جرت بمشاركة كافة السوريين في الداخل والخارج وبإشراف دولي".
هل لهذا السبب لم تستكمل السلطة خطواتها لتشكيل مجلس الشعب خصوصاً أن الأمر بات بيد الرئيس وحده، خشية منها في توسيع الانقسامات وزيادة الخلافات مع "قسد"، وهي التي تحاول الوصول معها إلى اتفاق ينهي الخلاف ويعيد توحيد البلاد؟ ربما كان الأمر كذلك، وإذا كان كذلك، فتكون السلطة قد وقعت في فخاخٍ كثيرة أسبابها معروفة لها، وطرق حلها كانت في المتناول، لكن مع تأجيلها قد تصبح أصعب، ثم تتوالد منها مشكلات أخرى، ليس مجلس الشعب في طوره الحالي إلا واحداً منها.
