لقاء حاسم ومصيري، هذا هو العنوان الأبرز لاجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المنتجع الخاص بترامب بولاية فلوريدا. يبدو العنوان صادم أو أقله مغضب ومؤسف، كون الأمر يتعلق بالحسم بينهما بقضايا عربية أساساً تشمل غزة-فلسطين ولبنان وسوريا، مع الانتباه إلى أن قصة الحسم تأتي من نفوذ الرئيس الأميركي التام، المؤسساتي والسياسي والشخصي على الدولة العبرية ونتنياهو نفسه، وقناعته المطلقة بأن الخيار العسكري قد استنفذ أغراضه بالمنطقة كلها، وباتت الساحة مفتوحة حصراً أمام الخيار الدبلوماسي والسياسي، الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق إلا بعمل جماعي منسق، متعدد الأطراف، مع دخول محبب للإطار الثماني العربي- الإسلامي يستند ليس فقط إلى قوة الأوراق السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تمتلكها الدول العربية والإسلامية، وإنما إلى الشرعية الدولية وقراراتها، بما في ذلك خطة ترامب على علاتها وأفقها ومسارها السياسي نحو الدولة الفلسطينية وتقرير المصير وقرار 1701 المحدث واتفاق فك الاشتباك 1974 الذي يبدو بحاجة الى تحديث ما بين سوريا الجديدة وإسرائيل.
المرحلة الثانية
بتفصيل أكثر وفيما يخص حرب غزة والسياق الفلسطيني، سيتركز اللقاء على طي المرحلة الأولى من خطة ترامب لوقف إطلاق النار، مع تنفيذ بنودها المركزية المتمثلة بإنهاء الحرب فعلياً وإنجاز تبادل الأسرى أحياء وأمواتاً، وإدخال المساعدات ولو دون المستويات والكميات والنوعيات المطلوبة، بظل انتهاكات اسرائيلية ومماطلة متعمدة بالانتقال إلى المرحلة الثانية التي يراها الرئيس الأميركي ضرورية لإنقاذ الخطة والاتفاق التاريخي برمته حسب توصيف ترامب له.
هنا لابد من الإشارة الى تحفظ واسع بالإدارة الأميركية ضد نتنياهو، واتهامه بالمناورة لأهداف سياسية وحزبية وشخصية لعدم تنفيذ الاتفاق نصاً وروحاً، وممانعة الانتقال ليس فقط نحو المرحلة الثانية ببنودها المعروفة-الانسحاب وإعادة الإعمار ونزع السلاح- وإنما الثالثة شبه المنسية، المتعلقة بالأفق والمسار السياسي والدولة الفلسطينية وتقرير المصير، بهدف إبقاء الحرب أبدية ومفتوحة خصوصاً في عام الانتخابات الاسرائيلية.
مجلس السلام
إلى ذلك لابد من الإشارة إلى عمل جماعي ومنسق للوسطاء، خصوصاً العرب والمسلمين-تركيا وقطر ومصر- وفق خارطة طريق واضحة لتنفيذ خطة ترامب ولو تدريجياً، وبالتالي لا يمكن لإسرائيل فرض إرادتها على الجميع، خصوصاً مع توافق الوسطاء بمن فيهم أميركا على ضرورة بل حتمية طي المرحلة الأولى، والحفاظ على سيرورة العملية التي لا يمكن إيقافها، حتى مع عدم إعادة جثة آخر أسير للشرطي "رام غويلي" بظل عمل جدي لحماس والفصائل من أجل إيجادها وإعادتها.
إذن وحسب كل الشواهد سيعلن ترامب خلال لقاء نتنياهو أو بعده بفترة قصيرة عن الانتقال إلى المرحلة الثانية ولو نظرياً على أن يتبع ذلك الكشف عن تشكيل مجلس السلام العالمي برئاسة ترامب وعضوية زعماء بارزين عرب ومسلمين وأوروبيين، واللجنة الإدارية الفلسطينية المرتبطة به من شخصيات وطنية مستقلة كفؤة ونزيهة، مع العمل الجدي على نشر قوة الاستقرار الدولية والشرطة المحلية المدربة من عناصر محلية غزاوية بمرجعية ما للسلطة في رام الله لحفظ الأمن والاستقرار.
يجب التذكير كذلك بمقاربة أميركية منسقة مع الوسطاء، تلحظ التوازي بين الشروع بالتعافي وإعادة الإعمار، والانسحاب الاسرائيلي ونزع السلاح وفق آليات فلسطينية ومواكبة عربية وإسلامية، بعيداً عن أي أطرف أجنبية أخرى خصوصاً الأميركية والأوروبية.
الحضور التركي
بالسياق ثمة خلاف بين واشنطن وتل أبيب حول حضور أنقرة بالسيرورة كلها، مع حلول أميركية تتضمن ضرورة انخراط تركي جدي فيها، بما في ذلك قوة الاستقرار الدولية وإعادة الاعمار، مع سعي موازي لتحسين العلاقات التركية الإسرائيلية خصوصاً في جانبها الاقتصادي.
بالعموم يحاول نتنياهو المماطلة، حفاظاً على الواقع الراهن بغزة والمنطقة، ولكنه يتحاشى الاصطدام المباشر مع ترامب ويسعي لمقايضة تراجعه عبر الحصول على تعويضات ثنائية أو بملفات اخرى.
وفيما يخص هذه الأخيرة يأتي الملف السوري مباشرة بعد غزة على أجندة اللقاء، وكما هذه الأخيرة، تبدو الصورة شبه واضحة برفض التدخلات الاسرائيلية "الحربجية" الزائدة وغير المبررة بالشؤون الداخلية السورية، مع وجود اتفاق فك الاشتباك الأمني على الطاولة، مع تحديث يتعلق بلجنة مراقبة "ميكانيزم" موسعة قد نرى فيها حضور روسي ما، ولكنها ستشهد حتماً عودة قوات الأمم المتحدة "يوندوف" للمراقبة والفصل بين القوات بعد الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط ،1974 وهي نفسها خطوط 8 كانون أول/ديسمبر يوم سقوط نظام بشار الأسد.
تنفيذ القرار 1701
أما في السياق اللبناني فنتحدث عن تنفيذ القرار 1701 محدثاً واعطاء الفرصة وللدبلوماسية علماً أن الملف اللبناني يبدو أصعب لعدة أسباب منها التعقيدات الداخلية المتعلقة بحزب الله وارتباطاته بالمشروع الإيراني ومع ذلك سيعطي ترامب الأولوية للدبلوماسية خاصة إذا ما جرى الإعلان فعلاً نهاية العام الجاري، عن تنفيذ الجيش للقرار 1701 ونزع السلاح، وفرض سيادته على كامل جنوب نهر الليطاني بانتظار الانسحاب الإسرائيلي وإعطاء الفرصة للحكومة والمؤسسات الوطنية لفرض نفس الأمر شمال النهر وهو ما سيستغرق وقتاً، مع ضرورة الانتباه والحذر تجاه الدعاية الإسرائيلية فيما يتعلق بإعادة بناء حزب الله والأنباء عن إرسال إيران مليار دولار خلال عام، واستئناف تهريب السلاح إليه رغم أن الأمر يبدو صعباً جداً وحتى شبه مستحيل بعد سقوط الأسد وتراجع نفوذ ايران الاقليمي المرتبط مباشرة به.
إلى ذلك سيشهد لقاء فلوريدا على الأغلب حصول نتنياهو على حزمة تعويضات أميركية عسكرية ومالية كما قيل عند رفض إدارة ترامب الأخذ بتحفظاتها على رفع العقوبات كاملة ضد سوريا الجديدة وإزالة قانون قيصر عن جدول الأعمال.
بالعموم تتمثل مقاربة ترامب باستنفاذ الخيار العسكري نفسه على كل الجبهات بما في ذلك إيران- أقله مرحلياً –وحلول وقت الدبلوماسية وقد نرى قرارات أو نتائج فورية سريعة للقاء تجاه غزة وسوريا وربما لبنان وفق المعطيات السابقة مع الانتباه إلى زيف السردية والدعاية الإسرائيلية والهوس الأمني فيما يخص أكذوبة 7 تشرين الأول/أكتوبر جديدة وذلك لمزيد من العسكرة والتغول الإقليمي، وإبقاء السيف مشرعاً في عام الانتخابات. بينما يلقي على عاتق ترامب الضغط لإعادته إلى غمده بأثمان ثنائية لا فلسطينية أو سورية ولبنانية وعربية.
