دمشق و"قسد": تقسيم التفاوض إلى عاجل ومؤجّل وسط توافقات أولية

خاص - المدنالاثنين 2025/12/29
الرئيس السوري أحمد الشرع وزعيم "قسد" مظلوم عبدي (الرئاسة السورية)
المفاوضات بين دمشق و"قسد" تشهد تطورات متسارعة (الرئاسة السورية)
حجم الخط
مشاركة عبر

تشهد المفاوضات الجارية بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" تطورات متسارعة، إذ انقسمت العملية التفاوضية إلى مسارين رئيسيين: مسار عاجل للملفات السيادية ذات الطابع التنفيذي، ومسار مؤجل للقضايا البنيوية الكبرى، وعلى رأسها شكل نظام الحكم والدستور السوري. 

يأتي هذا التقسيم في إطار سعي الطرفين لوضع أولويات واضحة، تفصل بين الملفات القابلة للتنفيذ الفوري والملفات الأكثر حساسية التي تتطلب توافقاً سياسياً ودستورياً أوسع، بما يتيح التقدّم دون تعليق العملية التفاوضية بأكملها.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن المسار العاجل يشهد تقدّماً مع وجود اتفاق في مراحله الأخيرة حول مجموعة من الملفات السيادية، ومن المتوقع الإعلان عنه خلال الأسبوع الحالي. وتشمل هذه الملفات ثلاث ركائز أساسية: المؤسسة العسكرية، الملف الأمني، وإدارة الثروات والمعابر.

 

مركزية الجيش 

يشير الاتفاق المبدئي إلى إعادة تأكيد مركزية الجيش السوري، عبر تشكيل ثلاث فرق عسكرية في ثلاث محافظات رئيسية، تتبع مباشرة لوزارة الدفاع. ويهدف هذا الترتيب إلى دمج القوى المحلية التي كانت تابعة سابقاً لإدارة "الإدارة الذاتية" ضمن هيكل الدولة الموحد، ما يعكس محاولة لإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ورفع مستوى التنسيق بين المركز والمناطق.

ويعد هذا التحرك خطوة مهمة على صعيد الاستقرار العسكري والأمني، حيث يسهم في تقليل المخاطر المتعلقة بالانفصال أو التمرد المحلي، ويعزز قدرة الدولة على التحكم بالقوات المنتشرة على الأرض، خصوصاً في المناطق التي شهدت نزاعات سابقة أو وجود تشكيلات مسلحة محلية غير خاضعة بالكامل للهيكل الرسمي.

كما يمثل الاتفاق فرصة لإعادة ترتيب القيادات المحلية، ودمج الضباط والقادة السابقين ضمن الهياكل الرسمية، ما يخلق مساراً واضحاً لمسؤولياتهم وامتيازاتهم، ويحد من النزاعات الداخلية داخل المؤسسة العسكرية.

 

لامركزية ضمن إطار الدولة

بالنسبة للملف الأمني، تم اعتماد مبدأ اللامركزية الأمنية، بحيث تتولى قيادات محلية من أبناء كل محافظة إدارة شؤونها الأمنية ضمن الإطار الوطني للدولة السورية. ويهدف هذا الترتيب إلى تحقيق توازن بين المركز والمناطق، وتمكين المجتمعات المحلية من المشاركة الفعلية في إدارة الأمن، مع الحفاظ على وحدة الدولة ومنع أي تفكك أمني.

ويُنظر إلى هذه الخطوة على أنها حل وسط عملي، فهي تمنح المجتمعات المحلية شعوراً بالتمثيل والقدرة على إدارة شؤونها، وفي الوقت نفسه تتيح للحكومة المركزية الإشراف الكامل على السياسات الأمنية الكبرى. ومن شأن هذا الترتيب أن يقلل من الاحتكاكات بين القوات المحلية والمركزية، ويحد من أي محاولات للسيطرة الإقليمية المستقلة.

كما تتيح اللامركزية الأمنية المرونة في مواجهة التهديدات المحلية والإقليمية، خصوصاً في ظل استمرار نشاط الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة في بعض المناطق، ما يجعل التنسيق بين المركز والمناطق ضرورة استراتيجية.

 

الثروات والمعابر

يشمل الاتفاق أيضاً إدارة مركزية للموارد الطبيعية والمعابر الحدودية، مع وضع آليات لضمان توزيع عادل للعوائد بين المحافظات، بما يخدم التنمية المحلية ويمنع تهميش المناطق. ويعد هذا البند من أهم عناصر التفاهم، إذ أن إدارة الموارد كانت على الدوام أحد أبرز نقاط النزاع بين الحكومة والمناطق التي كانت تحت سيطرة "الإدارة الذاتية".

ويهدف الترتيب الجديد إلى منع النزاعات حول الثروات المحلية، وتوجيه العوائد نحو مشاريع تنموية وخدمات عامة، بما يخلق بيئة أكثر استقراراً اقتصادياً واجتماعياً، ويعزز ثقة المواطنين بالدولة. كما يفتح المجال أمام تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار وتحسين البنية التحتية، ما يساهم في تحسين الوضع المعيشي للسكان المحليين.

 

التوافقات الإدارية والمؤسساتية

على الصعيد الإداري، أبدت "قسد" موافقة صريحة على الإبقاء على التقسيم الإداري القائم، والذي يشمل محافظات الحسكة، الرقة، ودير الزور، كمحافظات سورية رسمية. في المقابل، وافقت الحكومة على دمج جميع موظفي "الإدارة الذاتية" ضمن مؤسسات الدولة الرسمية، بما يعني إدماج الخبرات والكفاءات المحلية ضمن الهياكل الرسمية، وتوحيد الحقوق والواجبات.

كما تتجه التفاهمات نحو تطبيق لامركزية إدارية واسعة على مستوى جميع المحافظات، من خلال توسيع قانون الإدارة المحلية، ما يتيح لأبناء المحافظات إدارة شؤونهم المحلية، والمشاركة في تقاسم السلطة مع المركز. ويعتبر هذا التوجه محاولة لتخفيف الاحتكاكات السياسية والإدارية، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع المحلي والدولة، مع الحفاظ على وحدة البلاد.

وتعكس هذه الخطوة إدراك الطرفين أن الإدارة المركزية الصارمة قد تؤدي إلى توترات محلية، بينما تتيح اللامركزية الإدارية معالجة الاحتياجات المحلية بسرعة وفعالية، مع المحافظة على الرقابة والإشراف المركزي.

 

حقوق الأكراد الدستورية والسياسية

أما بالنسبة للملفات الأكثر حساسية، فقد جرى الاتفاق على ترحيل القضايا الدستورية والحقوق السياسية للأكراد إلى جولات تفاوض لاحقة، بانتظار توافق وطني أشمل وسياق دستوري ناضج. ومع ذلك، أبدت الحكومة انفتاحاً على ضمان الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد ضمن الإطار الوطني، بما في ذلك حق تعليم اللغة الأم ضمن المناهج التربوية الرسمية، مع مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمعات الكردية.

ويعتبر هذا الانفتاح خطوة رمزية وسياسية مهمة، إذ يسعى الطرفان إلى بناء الثقة المبدئية، تمهيداً لمناقشة أوسع تشمل الحقوق السياسية والمشاركة في الهيكل الحكومي الوطني، بما يخلق أرضية لإيجاد توافقات دائمة مستقبلاً.

تدل هذه التفاهمات على حرص الطرفين على الفصل بين الملفات التنفيذية العاجلة والقضايا البنيوية الحساسة، ما يعكس إدراكاً بأن إدارة التحديات الكبرى تتطلب توافقاً أوسع، بينما يمكن تحقيق مكاسب عملية سريعة في المجالات العسكرية والأمنية والإدارية.

إن التركيز على المؤسسة العسكرية والملف الأمني يعكس أهمية ضبط القوى الميدانية وإعادة دمجها ضمن هيكل الدولة، ما يقلل المخاطر الأمنية ويحد من أي محاولات انفصالية. كما أن دمج موظفي الإدارة الذاتية يخفف الاحتكاكات بين الموظفين المحليين ومؤسسات الدولة، ويخلق نظامًا إداريًا موحدًا وفعالًا.

أما على الصعيد الاقتصادي، فإن إدارة الموارد والثروات والمعابر بشكل مركزي، مع ضمان توزيع عادل للعوائد، يعكس إدراكاً مشتركاً بأن أي تجاهل للجانب الاقتصادي سيؤدي إلى زيادة التوترات، ويتيح توجيه الموارد نحو التنمية والخدمات العامة، بما يعزز استقرار المجتمع المحلي ويحد من التوترات الاجتماعية.

ترحيل الملفات الدستورية وحقوق الأكراد يعكس حساسية هذه القضايا داخلياً وإقليمياً، بينما يمثل الانفتاح على الحقوق الثقافية والسياسية خطوة أولية لبناء الثقة واستكمال المفاوضات لاحقًا.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث