لم تنفصل عن الصومال أي دولة معترف بها دولياً. فأرض الصومال أعلنت استقلالها من جانب واحد عام 1991، وتمتلك مؤسساتها الخاصة، لكنها لا تزال غير معترف بها كدولة من قبل الأمم المتحدة وجميع دول العالم، بينما توجد مناطق أخرى في الصومال، مثل بونتلاند، تتمتع بحكم ذاتي لكنها لا تطالب بالانفصال رسمياً.
تتمتع أرض الصومال بأهمية خاصة نظراً لاستقرارها النسبي مقارنة ببقية مناطق الصومال، حيث نجحت في الحفاظ على مؤسسات سياسية وانتخابات فاعلة منذ سنوات، كما طورت نموذجاً في الحكم يمزج بين الأعراف العشائرية والهياكل الحديثة، ما يجعلها تجربة لافتة في بناء الدولة من الداخل.
كما تستمد أهميتها أيضاً من موقعها الاستراتيجي على خليج عدن، قرب أحد أهم ممرات التجارة العالمية أي باب المندب، إضافة إلى دورها في الحد من القرصنة والتهديدات الأمنية البحرية. ويعد ميناء بربرة ركيزة اقتصادية وقد يتحول إلى مركز عبور إقليمي لإثيوبيا، فيما يظل وضعها غير المعترف به دولياً مثالاً على تعقيدات القانون الدولي.
نتنياهو… الوسواس الخناس
تم اعتراف إسرائيل بأرض الصومال عبر اتصال هاتفي بتقنية الفيديو، نقلته محطات التلفزيون الإسرائيلية مباشرة، بلغت مدته دقيقة ونصف الدقيقة. اتصل به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برئيس "أرض الصومال" عبد الرحمن محمد عبد الله، مستعرضاً توقيعه على قرار اعتراف إسرائيل بالجمهورية المعلنة من جانب واحد قبل نحو أربعين عاماً، وداعياً إياه إلى زيارة تل أبيب خلال الأيام المقبلة، واعداً بالتواصل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن انضمام أرض الصومال إلى اتفاقات "أبراهام".
تفتيت وتوظيف سياسي
أهداف نتنياهو من الاعتراف بأرض الصومال عديدة، لكن ما يمكن الإشارة إليه أولاً هو استمرار العمل على تفتيت الدول العربية عبر دعم الأقاليم والأقليات التي تطالب بالانفصال، مثل الأكراد في سوريا والعراق وتركيا، وكذلك دعمه للدروز في سوريا.
ولإغراء الأقاليم الراغبة في الانفصال، أعلنت القناة 14 الإسرائيلية أن إسرائيل تخطط لتوسيع التعاون مع أرض الصومال بشكل فوري في مجالات مدنية أساسية تشمل الزراعة والتكنولوجيا عبر نقل المعرفة وتطوير مشاريع مشتركة، إضافة إلى تعزيز أنظمة الرعاية الصحية وتوسيع التبادل التجاري بين الجانبين.
مشروع تهجير
إلى جانب ذلك، تطرح أرض الصومال بقوة كوجهة محتملة لهجرة سكان من قطاع غزة، إذ ذكرت قنوات تلفزيونية إسرائيلية أن الاعتراف يأتي مقابل موافقة أرض الصومال على استقبال عدد من سكان القطاع.
ويستند هذا الطرح إلى قراءة إسرائيلية تعتبر أن تغيير الوقائع الديموغرافية قد يخدم استراتيجياتها الأوسع.
الشريان الخفي للمصالح الإسرائيلية
لا ينبغي أن ننسى موقع أرض الصومال المطل على باب المندب، مدخل البحر الأحمر. وتنبع أهمية المضيق لإسرائيل من كونه بوابة الجنوب للبحر الأحمر، وبالتالي حلقة أساسية في طريق تجارتها بين آسيا وأوروبا.
ومعظم السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، خصوصاً ميناء إيلات، تمر عبره، بما في ذلك جزء من واردات الطاقة والسلع القادمة من آسيا. بالإضافة إلى أن تواجد إسرائيل في أرض الصومال يمنح تل أبيب قدرة محتملة على الضغط على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، خصوصاً مصر والسعودية.
الموقف الأميركي
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في مقابلة صحفية رفضه الاعتراف باستقلال أرض الصومال. وعندما سئل إن كان سيحذو حذو نتنياهو ويعترف بها، أجاب ببساطة: "لا"، متسائلاً: "هل يعرف أحد ما هي أرض الصومال حقا؟".
يبقى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال خطوة محمّلة بالرسائل، بين تفتيت الخرائط، واستثمار الممرات البحرية، ومحاولات تدوير أزمات المنطقة خصوصاً غزة. ويظل السؤال الأهم: هل تتحول أرض الصومال إلى ورقة ضغط استراتيجية أم إلى شرارة فوضى جديدة؟
