شهدت مدينة بني براك، وسط إسرائيل، تصعيداً ميدانياً جديداً على خلفية أزمة تجنيد الحريديين، بعدما أقدمت الشرطة الإسرائيلية، على اعتقال عدد من المتظاهرين اليهود المتدينين المتشددين، خلال احتجاجهم على قانون التجنيد على الطريق السريع رقم 4.
وأفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن عشرات الحريديين أغلقوا الطريق الرئيسي في منطقة بني براك، ما أدى إلى شلل مروري واسع، قبل أن تتدخل الشرطة لتفريقهم. وخلال المواجهات، أطلق المتظاهرون هتافات معادية لعناصر الشرطة، ونعَتوهم بـ"نوخبا"، في تشبيه مباشر بمقاتلي حركة "حماس"، كما رددوا شعار: "سنموت ولن نتجند".
وبحسب الشرطة، جرى اعتقال ثلاثة متظاهرين على الأقل بعد رفضهم إخلاء الطريق، فيما استمرت حالة التوتر في المكان لفترة، وسط تعزيزات أمنية وتحذيرات من اتساع رقعة الاحتجاجات إلى مناطق أخرى.
ردود فعل سياسية وقضائية
تأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تشهد فيه الساحة السياسية والقانونية في إسرائيل نقاشاً حاداً حول مشروع قانون التجنيد الجديد، الذي وضعته أحزاب الائتلاف الحاكم بزعامة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في محاولة لتنظيم إعفاء الشبان الحريديين من الخدمة العسكرية الإلزامية.
وفي هذا السياق، حذرت المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، ونائباها غيل ليمون وأفيطال سومبولينسكي، من أن مشروع القانون المطروح غير دستوري، ولا يمكن الدفاع عنه أمام المحكمة العليا، لأنه ينتهك بشكل جوهري مبدأ المساواة في تحمل عبء الخدمة العسكرية.
وأكد نائبا المستشارة القضائية، في موقف قُدم إلى لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، أن مشروع القانون الذي طرحه رئيس اللجنة، بوعاز بيسموت، يعفي فعلياً نحو 95 في المئة من الشبان الحريديين في سن التجنيد، ويقوّض أدوات الإنفاذ القانونية المتاحة حالياً أمام الحكومة والجيش.
قانون لا يقلص الفجوة
من جهتها، قالت المستشارة القانونية للكنيست إن مشروع القانون، حتى بصيغته المعلنة، لن يؤدي إلى تقليص عدم المساواة بين الشبان الإسرائيليين المطلوبين للخدمة العسكرية.
وبحسب الصيغة المقترحة، فإن أهداف التجنيد ستصل بعد خمس سنوات من إقرار القانون إلى 50 في المئةفقط من عدد الشبان الحريديين الذين ينهون دراستهم في المعاهد الدينية "الييشيفوت"، وهي نسبة وصفتها المستشارة القانونية بأنها "منخفضة جداً مقارنة بإمكانات التجنيد الفعلية"، ولا تعكس عبئاً متكافئاً مع بقية فئات المجتمع.
تضارب مع قرار المحكمة العليا
وأشار نائبا المستشارة القضائية إلى أن مشروع القانون يتناقض بشكل مباشر مع قرار المحكمة العليا، الذي ألزم الحكومة ببلورة خطة شاملة لتجنيد جميع طلاب "الييشيفوت" الذين تلقوا أوامر تجنيد، إضافة إلى آلاف المتهربين من الخدمة، وذلك قبل مطلع الشهر المقبل، وبما يشمل فرض عقوبات اقتصادية وسحب امتيازات.
وأضافا أن المصادقة على القانون بصيغته الحالية ستؤدي إلى: إلغاء أوامر التجنيد الصادرة بحق عشرات آلاف طلاب "الييشيفوت"، وإنهاء إجراءات الإنفاذ الشخصية بحق آلاف المتهربين، وإعادة ربط الإعفاء من الخدمة بالبقاء في المعاهد الدينية حتى سن 26 عاماً، وضخ أموال دعم مباشرة وغير مباشرة لصالح المؤسسات الدينية الحريدية، دون تلبية الاحتياجات الأمنية العاجلة التي يطالب بها الجيش، ولا سيما تخفيف العبء عن قوات الاحتياط.
مسار "تجنيد مجتمعي"
وانتقد نائبا المستشارة القضائية اعتماد مشروع القانون على مفهوم "التجنيد المجتمعي" للحريديين، بدل الإلزام الشخصي الذي يسري على باقي المواطنين، معتبرين أن ذلك يشكل انحرافاً جوهرياً عن مبدأ المساواة وتفضيلاً قانونياً لفئة سكانية بعينها.
وختمت المستشارة القضائية موقفها بالتحذير من أن إقرار القانون سيؤدي إلى شلل شبه كامل في قدرة الدولة على فرض الخدمة الإلزامية على الشبان الحريديين، ويضع الحكومة في مواجهة مباشرة مع المحكمة العليا، في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات في الشارع وتزداد حدة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي.
