السجن كـ"أداة حكم": نحو تفكيك البنية العقابية في مصر

أحمد عبد الحليمالأحد 2025/12/28
Image-1766856610
الإهمال الطبي من أكثر أدوات الهدم فاعلية داخل النظام العقابي المصري (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

على الرغم من أن السجن، في النظرية الجنائية الحديثة، يُفترض أن يكون مؤسسة لإعادة التأهيل والإصلاح، فإن الواقع الذي تكشفه التقارير الحقوقية المتواترة- ومن بينها تقرير "في ظل الاعتقال" الصادر أخيراً عن المنبر المصري لحقوق الإنسان- يفضح انحرافًا منهجيًا في تطبيق العدالة العقابية في مصر. فقد تحوّلت المنظومة السجنية، الخاضعة لقانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956 ولائحته التنفيذية، من إطار قانوني يفترض به تنظيم العقوبة، إلى أداة سيادية تُستخدم للسيطرة الوجودية والهدم الممنهج للفرد. وفي ظل السلطوية الراهنة، تراجع خطاب الإصلاح إلى مجرد شعارات فارغة، ليحل محله نمط مؤسسي يركز على تدمير السجناء-سياسيين وجنائيين على السواء- جسديًا ونفسيًا، وفرض أقصى درجات الإخضاع، ولا سيما بحق المعارضين. ولا يمكن ردّ هذا التحول إلى تجاوزات فردية عابرة، بل هو نتاج بنية تاريخية منهجية معقدة، تقوم على فجوات تشريعية وسياسات إدارية تشرعن الإهمال، مقرونة بغياب شبه كامل للرقابة القضائية الفعّالة.

وتقوم هذه البنية المنهجية لمنظومة السجون المصرية على هدفين رئيسيين متكاملين: الهدم والسيطرة. فالهدم يعني عزل السجين عن ذاته ومحيطه الاجتماعي عبر تدهور ممنهج لسلامته البدنية والنفسية، بينما تعني السيطرة إخضاعًا كاملًا، حيث يُجرد الفرد من إرادته وقدرته على العودة إلى الحياة العامة بوصفه فاعلًا مؤثرًا. ومن هذا المنظور، فإن الإبقاء على تشريعات قاصرة، رغم الالتزامات الدستورية والدولية، لم يكن خللًا عرضيًا، بل خيارًا سياسيًا متعمدًا لإبقاء آليات الإفلات من العقاب في متناول السلطة التنفيذية. وضمن هذا المناخ المنهجي، تتغذى ممارسات التعذيب والإهمال الطبي، لتتحول المؤسسات العقابية إلى ما يشبه «مناطق استثناء» تُعلَّق فيها حقوق الفرد باسم أمن البلاد والعباد.

 

المنظومة التشريعية: تفخيخ القانون لضمان الإفلات من العقاب

يتمثل الدليل الأول- ضمن منظومة واسعة من الأدلة التشريعية والممارسات العملية- على أن السجون المصرية لا تؤدي وظيفة إصلاحية، فهذه البنيويات، ومنها القانونية، تبدو مصمَّمة على نحو يقيّد آليات المحاسبة ويوفر حصانة فعلية لمرتكبي الانتهاكات، بما لا يشجع فقط على تكرارها، بل يسمح بتحولها إلى سياسة رسمية. وتبرز إحدى أخطر الثغرات التشريعية في المادة 126 من قانون العقوبات المصري؛ فبالرغم من النص الواضح في المادة 52 من دستور 2014 على أن التعذيب جريمة لا تسقط بالتقادم، فإن المادة 126 تفرغ هذا الالتزام من مضمونه عبر تضييق تعريف الجريمة إلى حد بالغ، إذ تشترط لقيام جريمة التعذيب أن يكون الضحية شخصًا "متهماً"، وأن يكون الاعتداء قد وقع بغرض "انتزاع اعتراف".

ويؤدي هذا التعريف المقيد إلى إقامة ما يمكن وصفه بـ"جدار حماية" تشريعي يحصّن الجناة. فبمجرد صدور حكم نهائي وتنفيذه، يفقد الشخص صفته كـ"متهم"، وبذلك يصبح التعذيب الواقع عليه خارج نطاق التجريم المنصوص عليه في المادة 126. وفي الحالات النادرة التي تُفتح فيها مسارات للمحاسبة، غالبًا ما تُوجَّه اتهامات أخف، من قبيل "إساءة استعمال السلطة" أو "الضرب المفضي إلى موت"، وهي جرائم بعقوبات أدنى بكثير من عقوبة التعذيب المقررة قانونًا. ونتيجة لذلك، لم يُدان أي مسؤول مصري بجريمة التعذيب استنادًا إلى هذه المادة منذ عقود، وهو ما يكشف أن الإبقاء على هذا الخلل التشريعي ليس صدفة، بل خيارًا واعيًا يضمن استمرار مناخ الإفلات من العقاب ويشجّع، فعليًا، على ممارسة التعذيب التي نرى ضحاياها على نحوٍ اعتيادي ودوري.

وعلى المنوال ذاته، تعكس التعديلات التشريعية المتعلقة بالحبس الانفرادي تحولًا نوعيًا في وظيفة هذا الإجراء، من أداة تأديبية محدودة إلى وسيلة عقابية تهدف إلى الإخضاع النفسي. فقد أتاحت هذه التعديلات رفع الحد الأقصى للحبس الانفرادي الذي يقرره مأمور السجن من 15 يومًا إلى 30 يومًا. والأخطر من ذلك، منح مساعد وزير الداخلية لقطاع مصلحة السجون سلطة الأمر بتطبيق الحبس الانفرادي لمدة تصل إلى ستة أشهر على السجناء من مختلف الفئات، بعد أن كان هذا الإجراء مقصورًا على المحكوم عليهم بالسجن المؤبد. ويُعد الحبس الانفرادي المطوّل، ولا سيما عند امتداده إلى ستة أشهر، أحد أشكال المعاملة القاسية واللاإنسانية، ويُستخدم دوليًا كآلية ممنهجة لكسر الإرادة النفسية للفرد. إن إضفاء شرعية قانونية على منح سلطة إدارية واسعة كهذه لتحريك هذا الإجراء بحق جميع السجناء يحوّل الحبس الانفرادي من عقوبة تأديبية استثنائية إلى سياسة ممنهجة للهدم النفسي والوجودي، في انتهاك صريح للقيود والمعايير التي أرستها "قواعد نيلسون مانديلا"، والتي تؤكد على أن استخدام هذا الإجراء يجب أن يظل الملاذ الأخير، لا القاعدة الأولى للمعاملة. 

 

ممارسات الهدم الممنهج: التعذيب والإهمال الطبي كعقوبة مضاعفة

أيضًا، تتحول ممارسات مثل التعذيب والإهمال الطبي داخل السجون المصرية من انتهاكات عرضية إلى سياسات إدارية مستمرة وممنهجة. وتؤكد التقارير الحقوقية والشهادات الموثقة أن التعذيب وسوء المعاملة لا يزالان يُمارسان بصورة منهجية داخل السجون وأماكن الاحتجاز، من دون أن يقتصرا على فئة بعينها من المساجين، سواء كانوا جنائيين أو سياسيين. ويجري كل ذلك في سياق عام تحكمه بنية مؤسسية داعمة للإفلات من العقاب، بما يقطع الشك في أن هذه الانتهاكات ليست أفعالًا فردية معزولة، بل مكونات أصيلة في نظام تشغيلي يستهدف فرض السيطرة. ووفقًا للشهادات، تشمل أكثر أساليب التعذيب شيوعًا الضرب باستخدام أدوات صلبة، والصعق بالكهرباء، والتعليق، والفلكة. وهذه الممارسات الوحشية، المصممة لكسر الجسد والروح معًا، تكشف أن الغاية الأساسية من العقاب لا تتمثل في الردع القانوني أو الإصلاح، بل في الإذلال القسري والتجريد من الكينونة الإنسانية، بما يضمن خروج المحتجز من السجن منزوع القدرة على المقاومة أو الفعل العام، وهو جوهر السيطرة التي تسعى إليها المنظومة العقابية.

وفي هذا السياق، يبرز الإهمال الطبي المتعمد كإحدى أكثر أدوات الهدم فاعلية داخل النظام العقابي المصري، إلى حد أن بعض التقارير وصفت هذا الإهمال بأنه "أزمة متكاملة الأركان". إذ تكشف المعطيات عن فجوة خطيرة بين النصوص الدستورية التي تكفل الحق في الكرامة والرعاية الصحية، وبين الواقع اليومي داخل السجون، حيث يتحول المرض إلى عقوبة إضافية. وقد وثقت إحدى الجهود البحثية المشتركة 77 حالة إهمال طبي و20 حالة وفاة خلال عام واحد فقط، نتيجة غياب العلاج أو التأخر في الاستجابة للحالات الحرجة. وعندما يُترك سجين يعاني من أربع ذبحات صدرية من دون رعاية طبية ملائمة، كما في إحدى الحالات الموثقة، فإن ذلك لا يمكن اعتباره إهمالًا عارضًا، بل سياسة إدارية ذات أثر قاتل. ويتفاقم هذا الخطر في ظل غياب الاستقلالية الكاملة لأطباء السجون عن إدارة السجن ووزارة الداخلية، وهو ما يجعل الرعاية الصحية خاضعة مباشرة للسلطة العقابية، ويحوّل حق السجين في العلاج إلى أداة ابتزاز أو إلى عقوبة إضافية تُستخدم لتعجيل الهدم الجسدي والنفسي، أو حتى التسبب في الوفاة.

أما في سجون النساء، فتواجه السجينات مستوى مضاعفًا من القمع، قوامه اضطهاد مزدوج قائم على النوع الاجتماعي. ويكشف الاستهداف الممنهج للمحاميات والصحافيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، وبعضهن زوجات أو شقيقات أو بنات لمعارضين سياسيين، أن السجن يؤدي هنا وظيفة انتقامية ذات بعد اجتماعي وسياسي في آن واحد. وتتخذ ممارسات نزع الإنسانية داخل سجون النساء أشكالًا مهينة ومتعددة، تشمل التفتيش الذاتي القسري، والحرمان من الفوط الصحية، وإجراء عمليات تفتيش بحضور ضباط أمن ذكور، وصولًا إلى الفحوصات النسائية وفحوصات العذرية القسرية قبل دخول السجن. ولا تمثل هذه الانتهاكات تجاوزات عشوائية، بل تندرج ضمن سياسة أمنية تهدف إلى إلحاق أعمق الأضرار النفسية والمعنوية، وفرض وصم اجتماعي على المرأة بوصفه عقابًا على انخراطها في الشأن العام. وهو ما يؤكد أن البنية العقابية في مصر محكومة بعقلية سلطوية، وأبوية، ترى في خروج المرأة عن الأدوار المفروضة سببًا لعقاب مضاعف، لا مجرد مخالفة قانونية.

 

 السجن كأداة للسيطرة السياسية والمحو الوجودي

تتجاوز وظيفة السجون المصرية مجرد تنفيذ الأحكام القضائية لتغدو أداة مركزية في إدارة المجال السياسي وقمع المعارضة. فالنظام لا يستهدف معاقبة الجسد فحسب، بل يسعى إلى محو الوجود الاجتماعي والسياسي والإنساني للسجين نفسه. وفي هذا السياق، يُعاد توظيف الحبس الاحتياطي، بوصفه إجراءً استثنائيًا، ليصبح عقوبة قائمة بذاتها ووسيلة فعّالة لإقصاء النشطاء السياسيين والحقوقيين من المجال العام. وقد جرى توثيق حالات امتد فيها الحبس الاحتياطي إلى ما يقارب خمس سنوات دون إخطار المحتجزين بتهمة واضحة أو نهائية. كما أن اعتقال محامين مثل ماهينور المصري خارج مقر نيابة أمن الدولة العليا، أو احتجاز آخرين لفترات طويلة في أماكن احتجاز غير قانونية، يكشف بوضوح كيف يستخدم الجهاز الأمني مؤسسة السجن لإزالة الأفراد الفاعلين- وأحيانًا المهمشين والمنبوذين أيضًا- من المشهد العام. والغاية من ذلك ليست إجراءً أمنيًا عابرًا، بل استراتيجية للسيطرة السياسية والاجتماعية، تُفضي إلى تجريم الانخراط في الحياة العامة وبثّ مناخ عام من الرعب، بما يضمن إفراغ الساحة من أي صوت ناقد أو معارض أو متمرّد، وهي الوظيفة الجوهرية التي تؤديها منظومة السجون في ظل النظام السياسي الراهن.

وإلى جانب ذلك، تنتهج إدارة السجون سياسة متعمَّدة لعزل السجين عن عالمه الخارجي، بهدف تعظيم الألم العقابي وتوسيعه ليطال أسرة المحتجز ذاتها، التي تُعاقَب بصورة غير مباشرة. إذ تفرض اللائحة التنفيذية لقانون السجون قيودًا صارمة على المراسلات والزيارات، حيث تُحدد المراسلة بمرة واحدة أسبوعيًا أو شهريًا بحسب فئة المسجون، بينما يُقيد الاتصال الهاتفي بمرتين أو ثلاث مرات شهريًا، ولا ضمانات لتنفيذه. وتحوّل هذه القيود، مقرونة بالإجراءات القاسية المصاحبة للزيارات، لحظةَ التواصل- التي وُصفت بأنها "اللحظة الأكثر كشفًا لصراع الحب مع القمع"- إلى ما يشبه "طقسًا من الألم المقنّع". كما يمارس النظام ضغوطًا اجتماعية ممنهجة على أسر المحتجزين، ولا سيما النساء، من خلال توظيف الوصم الاجتماعي كأداة للردع وتفكيك النسيج الاجتماعي المحيط بالمحتجز. وبهذا، لا ينتهي العقاب بانقضاء مدة السجن، بل يمتد ليلاحق السجين بالنبذ الاجتماعي حتى بعد الإفراج عنه.

في جوهرها، تستهدف هذه المنظومة العقابية الوصول إلى حالة من "المحو الممنهج للذات" (Systematic Erasure). فالحبس الانفرادي المطوّل، والتجريد المستمر من الكرامة عبر الممارسات الإذلالية، والعزل القسري عن العالم الخارجي، وغيرها من الممارسات الفظائعية، ليست تجاوزات عشوائية، بل آليات مصمَّمة بعناية لنزع إنسانية السجين وتدمير هويته وقدرته على الفعل السياسي والاجتماعي. وعلى هذا النحو، يتحول السجن إلى "حالة استثناء" دائمة، يُجرَّد فيها المحتجز من شخصيته القانونية ويُخضع لعنف إداري متواصل. وفي مواجهة هذا المحو، تغدو الكتابة والتوثيق- كما يصفها السجناء أنفسهم- "فعل التزام وجودي" في مواجهة "العدم". وهذه المقاومة للعدم تكشف، في المقابل، أن النظام يسعى إلى اختزال وجود الفرد في مجرد كائن منشغل بالبقاء، محوّلًا العقوبة من إجراء قضائي محدد المدة إلى عملية تدمير شاملة تُنهي فاعلية السجين في الحياة العامة، حتى وإن خرج حيًّا من وراء أسوار السجن.

نهاية، السجن، في مصر، تاريخيا ولاسيما في عهد السيسي، لم يعد فضاءً قانونيًا للعقاب أو التأهيل، بل تحوّل إلى أداة سيادية لإدارة العنف وإعادة إنتاج السيطرة على الأجساد والذوات. فمن خلال هندسة قانونية رخوة، وتعريفات انتقائية للتعذيب، والتوسع الممنهج في إجراءات استثنائية كالحبس الانفرادي، لا تُمارس السلطة انتهاكاتها خارج القانون، بل من داخله، بما يضمن حماية الجناة وترسيخ الإفلات من العقاب. أما الممارسات اليومية، من التعذيب المستمر إلى تحويل الإهمال الطبي إلى حكم بالإعدام البطيء، ومن استهداف النساء السياسيات بعنف قائم على النوع الاجتماعي إلى معاقبة الأسر بالوصم والتجويع الرمزي، فتؤكد أن الغاية ليست الردع ولا "الإصلاح"، بل الإخضاع الشامل وتفكيك الإنسان بوصفه فاعلًا سياسيًا واجتماعيًا.

ضمن هذا المنطق، تصبح السجون امتدادًا مباشرًا للمجال السياسي المُغلق، تُستخدم لإفراغ المجال العام من معارضيه، ولإرسال رسالة ردعية إلى المجتمع بأسره مفادها أن كلفة الاعتراض لا تُدفع داخل الزنزانة وحدها، بل تمتد إلى الجسد، والعائلة، والذاكرة. ومن هنا، فإن أي حديث عن إصلاح جزئي أو تحسين إداري لا يمسّ جوهر هذه البنية يظل مجرّد تزيين لغوي لعنف مؤسسي متجذّر.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث