الساحل السوري على صفيح ساخن: غزال غزال يحرّك الشارع والأسئلة

خاص - المدنالأحد 2025/12/28
Image-1765043124
بين السلم الأهلي والتعبئة الرمزية: إشكاليات خطاب غزال غزال (إنترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات التوتر الحاد والعنف الطائفي التي عاشتها سوريا لسنوات طويلة، شيّع أهالي مدينة حمص ضحايا التفجير الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب، في حادثة هزّت المجتمع المحلي وأعادت فتح جراح لم تندمل بعد. وُوري خمسة من الضحايا الثرى في مقبرة الفردوس وسط المدينة، فيما نُقلت جثامين ضحايا آخرين إلى مساقط رؤوسهم في مناطق مختلفة من البلاد، في دلالة واضحة على الامتداد الجغرافي للألم، وعلى هشاشة اللحظة السورية الراهنة.
وشارك في مراسم التشييع المئات من أهالي حمص، إلى جانب شخصيات دينية واجتماعية وممثلين رسميين وشعبيين، وسط انتشار أمني مكثف. وفي وقت لاحق، أعلنت جماعة تطلق على نفسها اسم "أنصار السنة" تبنّيها التفجير، الأمر الذي رفع منسوب القلق والمخاوف من عودة العنف المنظّم، ولو بأشكال متقطعة، إلى المشهد السوري، في مرحلة انتقالية لم تتبلور معالمها السياسية والأمنية بعد.


انتقال الغضب إلى الشارع
في اليوم نفسه، خرج غزال غزال، الذي يقدّم نفسه بوصفه "المرجعية الروحية العليا للطائفة العلوية" ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، بدعوة جديدة لاعتصامات سلمية، هي الثانية من نوعها، حدّد موعدها يوم الأحد، من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الخامسة عصراً، في "جميع الساحات".
الخطاب الذي رافق الدعوة جاء عالي النبرة، كثيف الاستعارات، مشحونًا بلغة تعبئة جماهيرية واضحة، إذ قال: "غداً سيكون طوفاناً بشرياً سلمياً يملأ الساحات… لن نركع، ولن تعبر مشاريعهم فوق أجسادنا… نحن غضب الكرامة حين يفيض، نحن بركان حق إذا انفجر لا يخمد… إما أن نكون على هذه الأرض جذوراً لا تُقتلع، أو لا نكون".
وبالرغم من التأكيد المتكرر في الخطاب على سلمية التحرك، إلا أنه حمل في طياته قدراً كبيراً من الوعيد الرمزي، ما فتح باب التأويل واسعاً حول مآلات هذا النوع من التعبئة، ولا سيما في سياق سياسي واجتماعي مشحون أصلاً.
وفي الاعتصام الأول الذي دعا إليه غزال، لم تُسجّل أعمال عنف واسعة، واقتصرت التداعيات على سقوط عدد محدود من الجرحى، وسط إجراءات أمنية مشددة وحماية وفّرتها قوات الأمن العام للمتظاهرين. غير أن الدعوة الثانية جاءت في توقيت أكثر حساسية، تزامناً مع تصاعد الاحتقان داخل أوساط من أبناء الطائفة العلوية، ومع تحركات إقليمية ودولية غير معلنة، ما دفع كثيرين إلى التحذير من احتمال انفلات الأمور وخروجها عن السيطرة.


تحريض مقنّع؟
يطرح خطاب غزال غزال إشكالية مركزية تتمحور حول كيفية التوفيق بين دعوة معلنة إلى السلم الأهلي ورفض الحرب الأهلية من جهة، وبين استخدام مفردات عالية التوتر من قبيل "البركان" و"الطوفان" و"قلب الموازين" من جهة أخرى. هذا التناقض الظاهري يدفع إلى توصيف الخطاب بوصفه تعبوياً بامتياز، وقابلاً لتأويلات متعددة لدى جمهور يعيش، في الأصل، شعوراً متزايداً بالتهديد والتهميش.
وتتفاقم هذه المخاوف في ظل ما يُتداول عن تحركات لفلول النظام السابق، ومحاولات لاستثمار مناخ الغضب والخوف السائد داخل الساحل السوري، بهدف جرّ المنطقة إلى مواجهة دموية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، يُعاد تقديم الساحل بوصفه "آخر المعاقل" التي ينبغي الدفاع عنها، أو كورقة ضغط في صراعات إقليمية أوسع. من هنا، يبرز تساؤل مشروع: هل يجري توظيف الخطاب الديني ــ الهوياتي كأداة لتفجير صراع جديد، أم أن الأمر لا يتعدى كونه محاولة لفرض تمثيل سياسي ــ طائفي مستقل في مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة؟


تحول سياسي
أقام غزال في محافظة اللاذقية حتى شباط/ فبراير 2025، غير أن تصاعد الأحداث في الساحل السوري ترافق مع ظهور معلومات متضاربة حول مغادرته البلاد، وسط ترجيحات غير مؤكدة عن وجوده في فرنسا. ويضيف هذا الغموض طبقة جديدة من التساؤلات بشأن طبيعة تحركاته، والجهات التي قد تقف خلفه، وما إذا كان يتحرك ضمن شبكة دعم سياسية أو مالية عابرة للحدود، أم يعتمد أساساً على حضور رمزي وخطاب تعبوي في التأثير على الشارع.
برز اسم غزال غزال بقوة في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بوصفه أحد أكثر الوجوه الدينية العلوية حضوراً في الفضاء العام. ففي بدايات المرحلة الانتقالية، اتخذ موقفاً حذراً ومتوّجساً من الحكومة الجديدة، من دون أن يذهب إلى معارضتها بشكل كامل. غير أن هذا الموقف لم يلبث أن تحوّل إلى تصعيد واضح، ولا سيما عقب أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025، حيث انتقل إلى موقع المعارضة الجذرية، رافضًا الاعتراف بشرعية الحكومة الحالية، ومطالبًا بتدخل دولي في الشأن السوري.
وُلد غزال عام 1962 في قرية تلا  بمنطقة الحفّة في الريف الشرقي لمحافظة اللاذقية، وهو نجل وهيب غزال، رجل الدين المعروف في البلدة، الأمر الذي أسهم في تشكيل خلفيته الدينية المبكرة. تلقّى تعليمه الأساسي في الحفّة، ثم تابع دراسته الثانوية في مدينة اللاذقية، قبل أن يلتحق بكلية الشريعة في دمشق. ولاحقاً، سافر إلى لندن، حيث درس في "الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية"، التي أسسها علي الشهرستاني عام 1988، وحصل منها على شهادة في الشريعة الإسلامية.
وبعد عودته إلى سوريا، عمل مدرساً في مدينة اللاذقية، وتولّى إمامة وخطابة مسجد محمد الباقر. ومع مرور الوقت، بدأ يقدّم نفسه بوصفه "مفتي الطائفة العلوية"، معتبراً أن هذه الصفة تمنحه شرعية ومرجعية دينية داخل الطائفة. غير أن هذا الادعاء أثار جدلاً واسعاً، في ظل غياب بنية دينية هرمية متفق عليها لدى العلويين، على غرار المؤسسات الدينية المعروفة في الطائفتين السنية أو الشيعية.


القطيعة 
تُعدّ مسألة رفض غزال غزال الاعتراف بلجنة تقصّي الحقائق، التي شكّلتها الحكومة الجديدة للتحقيق في أحداث الساحل السوري، إحدى أبرز محطات التحوّل في خطابه السياسي والديني. فقد ذهب إلى توصيف الحكومة بوصفها "منظومة إرهابية متكاملة تتبع ديناً مشوّهاً يقدّس سفك الدماء"، معتبراً أن اللجنة تفتقر إلى أي شرعية منذ لحظة الإعلان عنها. وأكّد، في أكثر من مناسبة، أن "المرجعية" التي يقول إنه يمثلها لا تعترف بهذه اللجنة، لا قبل صدور نتائجها ولا بعدها، ما يعكس قطيعة كاملة مع آليات التحقيق والمؤسسات التي أفرزتها المرحلة الانتقالية.
هذا الموقف التصعيدي وضع غزال في تقاطع سياسي وخطابي مع شخصيات دينية أخرى تتبنى مواقف معارضة للسلطة المركزية الجديدة، وفي مقدمتها حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا. ويتقاطع الطرفان، وإن اختلفت السياقات والمرجعيات، في الدعوة إلى صيغ حكم لا مركزية أو فيدرالية، تُطرح بوصفها ضمانة لحماية حقوق "المكونات" المختلفة، ووسيلة لتفادي إعادة إنتاج هيمنة مركزية يُنظر إليها بعين الشك من قبل شرائح واسعة في المجتمعات المحلية.
ويعكس هذا التقاطع، في جوهره، تحوّلاً أوسع في خطاب بعض المرجعيات الدينية، من موقع المطالبة بالإصلاح ضمن إطار الدولة، إلى التشكيك بشرعية السلطة المركزية نفسها، والدفع نحو إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، في مرحلة تتسم بقدر كبير من الهشاشة السياسية والأمنية، وتفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة لمستقبل البلاد.


الديموغرافيا كعامل ضغط
لا تتوافر إحصاءات دقيقة ومُحدَّثة حول عدد العلويين في سوريا، غير أن معظم التقديرات تشير إلى أعداد تتراوح بين 1.7 و3 ملايين نسمة، أي ما بين 9% و15% من إجمالي السكان. ويتركز وجودهم بشكل أساسي في محافظتي اللاذقية وطرطوس، إضافة إلى تجمعات وازنة في دمشق وحمص وحماة. ويعكس هذا التباين في الأرقام غياب بيانات رسمية موثوقة منذ عقود، في ظل انعدام إحصاءات سكانية شاملة.
وفي تركيا، تفيد تقديرات متعددة بأن العلويين يشكّلون أكبر أقلية دينية في البلاد، بأعداد تتراوح بين 10 و25 مليون شخص، أي ما نسبته 15% إلى 25% من السكان، مع تركزهم في مناطق واسعة من الأناضول، ولا سيما في ولاية هاتاي. ويرى بعض المراقبين أن هذا الامتداد الديموغرافي قد يتحول، في حال تفاقمت الأوضاع في الساحل السوري، إلى عامل ضغط إقليمي، سواء عبر التضامن السياسي أو من خلال التأثير الإعلامي والرأي العام.


إلى أين يتجه المشهد؟
يبقى خطاب غزال غزال، بما يحمله من دعوات معلنة إلى السلم الأهلي ونبرة تهديد رمزية في آن واحد، أحد أبرز مؤشرات التحول العميق داخل شريحة من المجتمع العلوي، من موقع الصمت أو الاصطفاف القسري، إلى موقع المطالبة العلنية بحقوق سياسية وهويوية. غير أن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في هشاشة التوازن القائم، وفي احتمال انزلاق الاحتجاجات السلمية إلى مسارات أكثر عنفاً، سواء بفعل الاستفزاز، أو التوظيف الخارجي، أو الحسابات الداخلية الضيقة.
وعليه، لا يقتصر السؤال المفتوح اليوم على: من يقف وراء غزال غزال؟ بل يمتد ليطرح تساؤلاً أوسع وأكثر إلحاحاً: هل يستطيع الشارع العلوي، ومعه بقية المكونات السورية، تحويل هذا الغضب المتراكم إلى مسار سياسي سلمي يجنّب البلاد جولة جديدة من الدم، أم أن سوريا تقف مرة أخرى على حافة هاوية خبرت كلفتها الباهظة جيداً؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث