شعبويو أوروبا إذ يفصّلون قارتهم على مقاس أميركا!

عمّار الجنديالجمعة 2025/12/26
Image-1764093945
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

"إما أن ندفع بالمال اليوم أو بالدم غداً (...) وأنا لا أتحدث عن أوكرانيا فقط". هذا ما قاله رئيس وزراء بولندا دونالد توسك، وهو في طريقه الى القمة الأوروبية في 18 الجاري، لكن هذا لم يمنع المجتمعين أن يذهبوا في نهاية مداولات استغرقت 16 ساعة، عكس رغبة توسك والمفوضية الأوروبية، إذ رفضوا استعمال الأصول الروسية المجمدة (نحو 210 مليار يورو) لمساعدة أوكرانيا، وقدموا لها بدلاً من ذلك قرضاً بقيمة 90 مليار يورو لإنقاذها من الإفلاس في 2026-2027.

توسك لم يكن أول المحذرين. لقد سبقه زعماء وعسكريون كبار، بينهم المارشال رئيس الأركان البريطاني ريتشارد نايتون، الذي قال أخيراً إن على الجميع بمن فيهم "أبناؤنا وبناتنا" أن "يبنوا، ويخدموا، ويحاربوا إن لزم الأمر". وهذا تلويح بإعادة تطبيق التجنيد الإلزامي بعد نحو 60 عاماً من إلغائه في بريطانيا.

القلق المتعاظم الذي يؤدي إلى اتخاذ قرارات غير مسبوقة من جانب دول تعتبر نفسها في حرب مع روسيا، لم يمنع سبع دول من معارضة تحويل الأصول إلى الحكومة الأوكرانية للمساهمة في جهود الدفاع عن أوروبا، عمليا! 

 

يد أميركا

يُستخلص من ذلك أن أوروبا لا تستطيع أن توحّد كلمتها والعمل معاً للدفاع عن نفسها فقط، بل وينقصها الحماس لرصّ الصفوف ومواجهة الخطر المحدق. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فثمة ما يدل على أن القارة القوية سياسياً واقتصادياً، لم تعد تستطيع التصرف بحرية! 

والحق أن أميركا كانت فاعلة بقوة خلال الجدال الأوروبي-الأوروبي حول استعمال الأصول الروسية. صحيح أن رئيس وزراء بلجيكا بارت دي ويفر، كان هو "بطل" معارضة المشروع منذ بدأت لعبة عضّ الأصابع. وبدا للوهلة الأولى أن مصير المبادرة بيديه لأن الشركة التي تحتفظ بالأصول الروسية تتخذ من بلاده مقراً لها.

لكن سرعان ما تبين أن وراء الأكمة ما وراءها. الزعيم الشعبوي الفلمنكي، كان رأس حربة لهجوم منسق شاركت فيه المجر وسلوفاكيا ومالطا وبلغاريا والتشيك علاوة على إيطاليا التي لعبت زعيمتها، جورجيا ميلوني، المقربة من الرئيس دونالد ترامب، دوراً مهماً في ترجيح كفة المعارضة للمشروع. وكانت هناك زيارات مكوكية لمسؤولين أميركيين إلى هذه الدول لتشجيعها على دعم الموقف البلجيكي. 

أما سبب تدخل البيت الأبيض، فله شقان. أولاً، وجود "حلف" سري مزعوم بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين بوتين تتوفر أدلة متزايدة عليه، وبات مسؤولون أوروبيون يتحدثون عنه صراحة. ويريد الرئيس الأميركي ثني كييف عن مواصلة الحرب لأنه يحاول تمرير تسوية جديدة سيعود إقرارها عليه بفوائد جمة. وثانياً، تطمح واشنطن بالحصول على 50 في المئة من هذه الأصول مقابل قيامها بإعادة الإعمار في أوكرانيا.

 

من القول إلى الفعل

 والواقع أن البيت الأبيض كان منسجماً مع نفسه حين نشط لعرقلة مشروع الاتحاد الأوروبي. فالإدارة دأبت منذ أيامها الأولى على الإعراب عن دعمها لليمين المتطرف الأوروبي، كما في خطاب "مؤتمر ميونيخ" لنائب الرئيس جي دي فانس مثلاً. وأشارت في "استراتيجية الأمن الوطني" التي أطلقتها هذا الشهر، إلى أنها ستدعم القوى المتشككة أوروبياً، وهي في الغالب يمنية متطرفة وشعبوية. واعتبرت الوثيقة أن أوروبا تواجه "احتمالات حقيقية لمحو الحضارة" فيها بسبب سياسات الاتحاد الأوروبي وفتح أبواب القارة على مصراعيها للمهاجرين حتى باتت في حالة انهيار ثقافي وضعف اقتصادي وعدم وضوح الرؤية الاستراتيجية سياسياً. وهذه الانتقادات بقيت كلاماً بكلام حتى جاء الفعل على شكل تدخل مباشر لإحباط مشروع استعمال الأصول الروسية.

إن فوز دي فير ومن ورائه ميلوني وفيكتور أوربان وروبرت فيكو، هو انتصار جديد للشعبويين يصب في مصلحة صديقتهم روسيا. ودعم هؤلاء على حساب الاتحاد الأوروبي هو شكل من أشكال اللعب بالنار. ويبدو أن ترامب "يريد أوروبا من دون الاتحاد الأوروبي"، بحسب محلل أميركي. فصعود اليمين المتطرف يهدد بإضعاف السياسات البيئية والنظام الديمقراطي وبالبطش بالمهاجرين. لكن النتيجة الأكثر خطورة لهيمنته هي تفتيت اللحمة التي تمسك الدول الأوروبية معاً، ما يفسح المجال للعصبيات والمظالم والنزاعات العتيقة، أن تطل برأسها وتقلب القارة إلى ميدان صراعات دامية. مثلاً، جوهر مشروع أوربان السياسي برمته هو استعادة "المجر الكبرى" كما كانت قبل تريانون (1920)، وذلك على حساب جارته رومانيا وأوكرانيا وصربيا! ولا ننسى الخلافات التاريخية بين بولندا وألمانيا من جهة وأوكرانيا من جهة ثانية، وجمر التوجهات الانفصالية المتفشية.

هكذا كانت خسارة أوكرانيا للأصول الروسية أشبه بعارض جانبي للمشكلة الحقيقية التي تمخض عنها فشل بروكسل هذه المرة، وهي تكريس خسارة أوروبا لحرية القرار من ناحية، وبدء أميركا باستهداف الاتحاد الأوروبي على الأرض. لقد انتقلت من التهديد والإملاء، إلى مرحلة تفصيل القارة العتيقة على مقاسها بواسطة "حلفائها" اليمنيين المتطرفين. وماذا سيفعل الأوربيون، الخائفون من روسيا، حيال واشنطن التي تتحول من حليف موثوق إلى خصم لا يرحم؟ تتعدد الإجابات المحتملة في القارة المفككة. والمستقبل القريب سيُظهر إن كان الأوروبيون قادرين على التحضير لحماية أنفسهم بأنفسهم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث