تبنت عملية تفجير مسجد علي بن أبي طالب، في وادي الذهب بمحافظة حمص، جهة تُسمي نفسها "لواء أنصار السنة"، في رغبة واضحة لتحميل التفجير حمولة الطائفية. السرايا نفسها كانت قد تبنت تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق في حزيران/يونيو الماضي.
وبالرغم من قلة المعلومات التي يقدمها هذا التنظيم عن نفسه، فلا ينبغي التعامل مع البيان الذي أصدره، كخبر ثانوي أو تفصيل إعلامي مكمّل للحدث، بل بوصفه طبقة تفسيرية أساسية تكشف طبيعة الرسالة التي أراد التنظيم بثّها، وتوضح كيف تتحول التفجيرات من عمليات قتل إلى عمليات فيها معنىً طائفي، ومعنىً سياسي، ومعنىً مرتبط بإدارة الخوف في لحظة انتقالية.
و"لواء أنصار السنة" كتسمية، ليست تسمية بريئة، طالما الاسم نفسه مُحمّل تاريخياً في الذاكرة الجهادية السلفية، بوظائف محددة، منها الإيحاء بالدفاع عن أهل السنة بوصفهم جماعة مهددة، واستدعاء قاموس "الانتقام من العلويين و الشيعة" و"محاربة البدع والرافضة"، ومن ثم توفير غطاء شرعي مسبق لأي عنف يستهدف جماعات بعينها تحت عنوان التطهير العقَدي أو الرد على العدوان.
أداة تعبئة
حتى لو افترضنا أن التنظيم حديث التشكيل أو محدود القدرات أو بلا حضور ميداني واسع أو ليس له أرشيف بين التنظيمات الجهادية الكلاسيكية في سوريا أو لبنان، فإن اختيار الاسم يبقى أداة تعبئة بحد ذاته، لأنه يختصر الهدف في ثنائية جاهزة ومقولبة مفادها "نحن ممثلو السنة" مقابل "العلويين والشيعة هدف مشروع"، وبذلك يُسقط التعقيد السياسي والاجتماعي السوري لصالح سردية دينية تبسيطية تُسهِّل القتل وتسهِّل التحريض في آن واحد.
تكتسب هذه النقطة أهمية مضاعفة في مرحلة إعادة ظهور تنظيم "داعش"، حيث تعاني التنظيمات الجهادية من أزمة هوية وسردية معاً؛ لا سيما وانها فقدت جزءاً كبيراً من الحاضنة، وتراجعت قدرتها على احتكار السلاح والوجود والمعنى في الشارع السنّي بعد تجربة الخراب التي أنتجتها "داعش"، لا سيما في مدن تدمر وحمص ودير الزور والرقة ذات الأغلبية السنية، وتواجه تشديداً أمنياً إقليمياً يجعل العمل التنظيمي التقليدي أصعب وأكثر كلفة.
إعادة تسويق الجهاد
لذلك تصبح العودة إلى الاستهداف الطائفي المباشر محاولة لإعادة تسويق الجهاد الطائفي كمنتج جاهز سهل الفهم، وسريع الانتشار، ويستطيع أن يخلق ضجيجاً إعلامياً يفوق حجم القوة الحقيقية على الأرض. هنا تحديداً ينبغي قراءة التبني بوصفه استراتيجية إعادة شحن سردية الحماية والانتقام، واستقطاب عناصر متطرفة عبر وعد الهوية، وإثبات الوجود إعلامياً كفاعل قادر على خلط الأوراق في المدن المختلطة أو الحساسة.
غير أن الأخطر يتجاوز الحسابات الجهادية الضيقة، لأن هذا النوع من العمليات يضرب لبّ السياسة الانتقالية في سوريا؛ على اعتبار أنه ينسف أي خطاب وطني جامع عبر إجبار المجتمع على العودة إلى تعريف نفسه كطوائف قلقة لا كمواطنين، ويضع الدولة الجديدة أمام فخ كلاسيكي هو فخ الأمن مقابل الحماية الحقوق، أي دفعها إما إلى رد فعل أمني قاسٍ قد يُقرأ بوصفه انتقائياً أو موجّهاً، أو إلى تردد يُفسَّر كعجز وفشل في الحماية.
وفي الحالتين، يتم تقويض شرعية الدولة الناشئة وتقليص قدرتها على بناء احتكار مشروع للقوة والعنف والسلاح، لأن التفجير لا يقتل الضحايا فحسب، بل يزرع سؤالاً وجودياً في رأس الجماعات المستهدَفة قائماً على فكرة الحماية، وعندما يصبح الجواب الاجتماعي هو أننا سنحمي أنفسنا بأنفسنا، ستكون سوريا أمام إعادة إنتاج منطق الميليشيا بوصفه ضمانة، أي أمام استعادة الشروط التي تجعل الحرب ممكنة مجدداً.
دلالات "السرايا"
ومن هنا، لا تُختزل دلالة "لواء أنصار السنة" في كونها جهة تبنّت عملية، بل في كونها آلية لإعادة إدخال الطائفية إلى قلب المجال العام عبر قناع ديني، وبما يفتح الباب أيضاً لتدويل الملف الطائفي من جديد؛ إذ أنه حين تستهدف دور العبادة وتُعرَّف الضحايا بطوائفهم، تتحول القضية بسرعة إلى ملف حماية الاقليات وخطر التطرف وتهديد الاستقرار؛ وهي مفردات تُستدعى خارجياً بسهولة لتبرير التدخل السياسي أو الأمني أو حتى تشكيل شبكات نفوذ جديدة تحت مظلة الحماية. وعلى هذا الأساس، يصبح تبنّي العملية جزءاً من هندسة الأزمة الطائفية في البلاد، لا مجرد إعلان مسؤولية يختبر المجتمع، ويختبر الدولة، ويختبر الحدود الفاصلة بين الأمن والعدالة، ويعيد إنتاج شروط الانقسام بوصفه بيئة مثالية لكل من يريد تخريب المسار السوري بعد بشار الأسد؛ سواء كان فاعلاً جهادياً حقيقياً، أو جهة وظيفية تستعير قناع السلفية الجهادية لتفجير الداخل بأقل تكلفة وبأعلى أثر.
