حصاد 2025.. قمحٌ وزوان على بيدرٍ واحد

ناصر زيدانالجمعة 2025/12/26
ترامب (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

تودِّع سنة 2025 أيامها، ولكنها تترك لنا مآسيها، وأيامها حفلت بالمشاهد المؤلمة، كما أنها غصّت بتطورات يمكن اعتبارها إيجابية إذا ما وصلت نهاياتها الى الغلال الواعدة. وإذا كانت سنة 2020 هي من الأسوأ في التاريخ وفقاً لتوصيف مراكز دراسات تاريخية متابعة؛ فإن السنة الحالية التي شارفت على نهايتها، هي من الأكثر تأثيراً وإثارة على مجرى الحياة البشرية، لا سيما على بلدان المنطقة العربية والشرق أوسطية بشكلٍ عام، وفي مجالات متعددة؛ جيو- سياسية وأمنية وتكنولوجية واقتصادية.

 

لا يمكن التقليل من أهمية المقاربات التي اعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ عودته للمنصب مطلع العام، وهو انطلق من فرضية يعتبر نفسه فيها رئيساً للعالم، وليس للولايات المتحدة فقط، ونجح ببعض الجوانب في استثمار القدرات الأميركية الهائلة لصناعة مكانة مُخيفة للدول الأخرى - الصديقة منها والمٌنافسة – ووظّف القدرات العسكرية الكبيرة لضرب الطموحات العسكرية للبرنامج النووي الإيراني، وكانت تلك العملية رسالة لكل العالم. ومن خلال دعم الانفلاش العدواني الاسرائيلي، أطاح بكل التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، وأربك حلفاءه في أوروبا، وأجّج مخاوف دول القارة الأميركية – بشمالها وجنوبها – لأن الاستراتيجية الأمنية الجديدة تناولت ملفات تلك الدول ب صورة مختلفة عن السابق، وقد تكون مٌقلقة لهم بعد المشهدية العسكرية التي برزت في محيط فنزويلا، وفي أعقاب عروض الضمّ والشراء لمساحات كبيرة في جغرافيا القارة.

 

لكن اندفاعة 2025 الأميركية كٓبَت بعد النهوض المفاجئ الذي أحدثته التحشدات الدولية المضادة، لا سيما في قمة "مجموعة دول شنغهاي" التي عٌقدت في الصين نهاية سبتمبر/أيلول الماضي، وما رافقها من مواقف وعروض عسكرية ومناورات بحرية، والرئيس ترامب أدرك أن الكبوة قد تُفقده غالبية أصدقاء بلاده وبعض حلفائها إذا ما استمرّت العدوانية الإسرائيلية الرهيبة ضد الفلسطينيين والدول العربية المجاورة، فلجأ الى الضغط لإيقاف محرقة غزّة، وهرول مُسرعاً الى شرم الشيخ معلناً فشل كل المقاربات العنصرية والعقارية التي طُرِحت لمحو القطاع وتحويله "ريفييرا" شرق أوسطية فوق جثث الشهداء الفلسطينيين وعلى ركام تاريخهم ومنجزاتهم.

 

وحتى الآن؛ فإن قمح المساعي لتوقيف الحرب في أوكرانيا ما زال يبدو زواناً، والمرونة الأميركية التي دفعت عجلات الحلّ، اصطدمت بتشدُّد أوروبيٍ كبير، وهو ما قد يُجهض مبادرة الرئيس ترامب، بينما هو كان قد أدرك ولو متأخراَ أن نهاية الحرب بهزيمة روسية – كما يطمح قادة في أوكرانيا وفي أوروبا – مستحيلة، وإدارة العالم بتفرُّد من دون روسيا، وبعداء مع الصين، رؤية غير واقعية، ولا بد من توليف تسوية مؤلمة لوقف الحرب التي قد تؤدي إلى نزاع عالمي شامل، وغير معروف النتائج، ولا أحد من دول العالم قادر على خوض حروب شاملة في ظلّ التطور الرقمي والسيبراني والنووي الذي وصلت اليه البشرية.

 

وعلى عكس ما توقع ترامب؛ أوروبا لم تُسلِّم بانها قارة عجوز، وعادت تبحث عن وحدتها السياسية وعن مكانتها العسكرية، وهي زادت من قيمة الموازنات الدفاعية أضعاف ما كانت عليه، وتعمل على ولوج قدرات أمنية تخرجها من مربع الحاجة للحماية الأميركية، برغم شكوك واشنطن بنجاح هذه المخططات. وتهميش القوى الدولية الكبرى من قبل المارد الأميركي، يبدو أنه لن يمرّ مرور الكرام، والاستفراد بإدارة الشرق الأوسط بعد الحرب على غزة وعلى لبنان وعلى إيران؛ لا يعني امتلاك قدرة للاستفراد بإدارة باقي انحاء العالم، وهناك اندفاعة جدية تعمل بمقومات عالية على توفير قواعد توازن دولي جديد ولا يمكن إغفالها.

 

 

حصاد العام في الشرق الأوسط والمنطقة العربية؛ كان قمحاً وزواناً على بيدرٍ واحد أيضاً، فمأساة غزة وعموم فلسطين ونكبة الجنوبيين اللبنانيين والجنوبيين السوريين، قابله انكفاء لقوىً زرعت الشر والتفرقة في المنطقة، ولا يمكن اعتبار ما جرى في سوريا بعد سقوط النظام البائد تفصيلاً على الإطلاق، بل كان عاملاً أساسياً لتغييرات هائلة، ومبعث أمل للخروج من الاطباق المؤلم الذي فرضه النظام السابق وحلفاؤه في الممانعة على البلاد الشامية، وهو ما شكّل فرصة ثمينة لإسرائيل لاستباحة المنطقة برمتها.

 

هزيمة مشروع تهجير الفلسطينيين من غزة، كما هزيمة المستبدين وحلفائهم في سوريا، كان مبعث تفاؤل، برغم الخسائر الكبيرة والتحديات التي ما زالت ماثلة أمام المشهد. فمستقبل غزة والضفة في مهبّ الريح، لكن الأمل معقود على الإرادة الدولية الجامعة في دعم الحق الفلسطيني (وقد وصل عدد الدول المؤيدة للدولة الفلسطينية إلى 164) كما أن مستقبل سوريا ما زال يثير القلق في ظل تنامي المشاريع المتهوِّرة لمتنفذين في بعض المكونات، وفي ضوء الفشل الهائل الذي أصاب تجربة الإدارة الجيدة، لا سيما في تعاطيها مع الملفات الداخلية، لكن أبواب الفلاح ما زالت مفتوحة أمام الحريصين، لتخليص سوريا من بقايا الموبقات التي زرعها النظام السابق، وإنقاذها من المهالك التي تنصبها إسرائيل.

ووميض الضوء ينبعث من بين النكبات، خصوصاً بعد عودة قطار التعافي الى سكته في لبنان، وفي المساعي التي تقوم بها دول عربية وإقليمية لتحقيق بعض التوازن لوضع حد للجنوح العدواني الإسرائيلي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث