مسرحة السياسة.. من غرفة الملابس الى غرفة الخرائط

Image-1766659116
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

بجسارة يُحسد عليها، استدعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من حقيبة الماضي منصب وزير الحرب، بديلاً عن منصب وزير الدفاع، وأراه يقترب بخطى جسورة كذلك، من انتحال لقب قديم لوظيفة جديدة هي (وزير المستعمرات)، فالرجل لا يخفي ولعه بابتلاع مناطق تبدو كلفة السيطرة عليها أقل بوضوح من عوائد تلك السيطرة. 

ترامب يتحرك بالفعل للسيطرة على أكبر احتياطي نفطي في العالم من خلال السيطرة على فنزويلا (ڤينيسيا الصغيرة)، لكنه ينتحل دواعٍ فريدة ومضحكة في بعض الأحيان، للسيطرة عليها بالقوة أوعبر ضغوط عسكرية مباشرة او غير مباشرة، منها مثلاً مقولة أن فنزويلا هي مصدر للمخدرات التي تفسد الشباب الأميركي!! وقد تابعت على الشاشات قبل قليل مشهد قتل رجل واحد كان يقود أحد القوارب قرب فنزويلا بدعوى أنه ربما انخرط في تهريب مخدرات!!

 

ترامب يتحرك أيضاً للسيطرة على غرينلاند، بدعوى أنها شبه مهجورة وأن الدانمارك صاحبة السيادة عليها لا توليها اهتماماً، وأنها على هذا النحو قد تغري أياً من الصين وروسيا، أو كلاهما معاً بالسيطرة عليها. 

نفس هذا الشبق العقاري، لدى الرئيس الأميركي ترامب، هو ما يثير لديه ميلاً شخصياً للسيطرة على غزة أو جزءاً منها على الأقل، وهو ميل لا أراه قد تخلى عنه، رغم ما قيل عن عدوله بالتمني من أطراف عربية، وما قاله ترامب وفريقه بالاحتيال.

 

إخفاء النوايا، قرب موسم قطف الثمار، واحد من أعقد مهام السياسة، وأكثرها تطلباً لمهارات الاحتيال، أما وقد دخلت الأزمة في غزة، وفي أوكرانيا، وفي فنزويلا، طوراً جديداً يقترب لدى بعض أطرافها من موسم القطاف، فإن الأمر قد يستدعي الانتقال مجدداً من غرفة الخرائط، حيث يجري (القص واللصق) إلى غرفة الملابس، حيث يتمنطق بعض الحضور بثياب الضباع، بينما يتستر البعض الآخر خلف فراء الحملان.

ما يجري الآن على مسرح الأحداث في منطقة الشرق الأوسط، هو عملية تهيئة المسرح لفصل ملتبس جديد، ربما تظهر معه وجوه جديدة، تطل علينا هذه المرة مع بدايات متعسرة للانتقال الى المرحلة الثانية من خطة ترامب التي أقرتها قمة شرم الشيخ.

 

المثير، واللافت هذه المرة، أن غرفة الملابس أصبحت عندنا، هنا في الشرق الاوسط، وأن أبطال الأدوار الرئيسية، جلهم عندنا هنا يستعدون لمشاهد جديدة، لا أعلم على وجه الدقة إن كان يكتبها التاريخ، أو تكتبه هي. 

المرحلة التي تجتازها أزمات الإقليم الآن، هي تلك التي يجري خلالها تغيير الديكور على المسرح استعداداً لفصل جديد، يرتفع عنه الستار بعد قليل. بعض مخرجي العروض المسرحية، يفضّل تغيير الديكور، في فترات الاستراحة، خلف ستار منسدل، وبعض المخرجين، يفضّل تغيير المشاهد في الظلام، أو هكذا تستدعي سرعة إيقاع المشاهد وتراتبيتها أحياناً، بينما يميل بعض المخرجين الحداثيين إلى تغيير الديكور والمشاهد أمام أعين الجمهور.. ما يجري في منطقتنا الان هو خليط من المدارس الثلاثة كلها.

 

سنوات الفوران في الشرق الاوسط، ربما قاربت نهايتها، بفعل إنهاك اصاب الجميع داخل الإقليم  وخارجه، فأبرز، المتغيرات في المشهد الاقليمي، بين فصل يغادر، وفصل أخر ما زال أبطاله في غرف الملابس، هو أن الأطراف كافة، دوليون واقليميون، ومحليون، قد أصابتهم سنوات الإنهاك بمزيد من الحكمة، فباتوا اكثر استعداداً لإدراك أنه لا مجال لنصر حاسم بالضربة القاضية، أو بلمس الأكتاف في صراعات وحروب الألفية الثالثة، وأن مهمة السلاح في تلك الحروب، هي رصف الطريق إلى "ويستفاليا شرق أوسطية" يهبط معها كافة الأطراف إلى أرض الواقع، فيعودون إلى احترام مبادئ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعدم مشروعية التدخل في شؤون الغير. 

لحظة التنوير في المسرحية ، هي تلك التي تلامس فيها أقدام الأبطال، أرض الواقع، فيهبط السلام على الأرض، وتعود شعوب المنطقة إلى محاولة إعادة إنتاج الماضي كما اعتادت طوال تاريخها.. فمشكلة الشرق الأوسط الحقيقية، هي أن شعوبه تستدعي الماضي دوماً من أجل إدارة المستقبل. 

ليسوا العرب وحدهم من يفعلون ذلك الآن، بل يفعله الفرس والترك، والقياصرة الروس أيضاً. 

أتصور وقد دخلت الأزمة عامها الثالث، منذ حرب أوكرانيا وطوفان الأقصى، أن ما يحدث عندنا في الإقليم، أو في قلب أوروبا،  ليس مجرد مغص عارض، ولا هزات عابرة، وإنما عمل ممنهج، صاغته قوى قادرة ومسيطرة، استفادت من كل ما وفرته  لها الوقائع من ذرائع " أخلاقية" لسلوك سياسي غير أخلاقي. 

 

وأذكر ان المخابرات المركزية الأميركية كانت قد دعت قبل سنوات قليلة، كبار الجواسيس في العالم إلى ندوة  تحت عنوان بدا وقتها وكأنه تقني، هو" مهمة أجهزة المخابرات في القرن الحادي والعشرين". 

جانب من جدول اعمال ندوة كبار جواسيس العالم خلال المئة عام الأولى من الألفية الثالثة، أفصحت عنه تصريحات برنارد باجوليه رئيس المخابرات الفرنسية آنذاك، و الذي قال في الندوة: "إن الشرق الأوسط الذي عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد ولّى إلى غير رجعة"، وأضاف "أشك كثيرا في عودة الشرق الأوسط يوماً إلى ما كان عليه سابقاً".

أما جون برينان رئيس المخابرات الأميركية حينها، فقال في الندوة ذاتها: "إن الأوضاع في دول مثل سوريا والعراق وليبيا واليمن تطرح أسئلة حقيقية عن الحلول الممكنة في ظل استحالة سيطرة أي حكومة مركزية على الأوضاع فيها خلال وقت قريب" مشيراً إلى أن  ما يجري في دول عديدة بالمنطقة، لا يمكن التعاطي معه بالطرق العسكرية. 

 

ما أشار اليه باجوليه، و برينان، يتعلق أساساً بمصير دول منطقة الشرق الأوسط، وشعوب المنطقة، أي يتعلق بنا نحن في العالم العربي بصفة خاصة، حيث لا يبدو حتى الآن أن أياً من أيران أو تركيا أو إثيوبيا أو إسرائيل، على خريطة إعادة القص واللصق، كما يحدث الآن بالسيف والقنبلة في سوريا وفي السودان.

فيما أشار برينان الى "استحالة" سيطرة أي حكومة مركزية واحدة على الأوضاع في سوريا والعراق وليبيا واليمن خلال وقت قريب!!.. لاحظوا دقة الرجل، فسيطرة حكومة مركزية على الأوضاع في البلاد المذكورة "مستحيلة"، و تصور إمكانية حدوث ذلك "خلال وقت قريب" لم يحدده، "مستحيل" أيضاً، وما يجري بدول المنطقة "لا يمكن التعاطي معه بالطرق العسكرية". 

برينان إذن يقود متابعيه إلى طاولات التفاوض، التي ينبغي في هذه الحالة أن تنعقد في غرف الخرائط حيث تتمدد خرائط الدول فوق طاولات التشريح والتقسيم، والقص واللصق، أما باجوليه، فيقطع باستحالة عودة الشرق الأوسط إلى ما كان عليه، وبأن سوريا لن تبقى بعد أية حروب أو مفاوضات كما كانت قبل آذار/مارس 2011، وأن العراق الذي عرفناه حتى آذار 2003، لن يعود أبداً إلى ما كان عليه. 

 

هل ما يقوله كبار جواسيس العالم بشأن مستقبل منطقتنا حقيقي وصحيح، أم أنها تسريبات "مخابراتية " من لقاء سري لكبار جواسيس العالم، تستهدف سبر أغوارنا، والتعرف على ردود افعالنا، إزاء مخططات تقسيم، يجري الآن الكشف عنها بكل وقاحة، باعتبار أن الخيار هو بين أن تموت أو تعيش مبتور الأطراف؟!!..

في ظني، أن ما قاله برينان و باجوليه، لم يتجاوز الحقيقة في أغلبه، وأن المنطقة قد تستقبل دولاً وليدة خلال سنوات ليست بعيدة،  لم يستبعد محللون أميركيون أن تمتد لثلاثين أو أربعين عاماً مقبلة!! .. تنظيم "داعش" إذن قد يحتفظ بموطئ قدم فوق أراضي العراق وسوريا، هذا الموطئ قدم سيوفر عشرات الذرائع لاستمرار استنزاف من تبقى من دول الإقليم، (لاحظ حرب ترامب في سوريا قبل أيام والتي قال عنها إنها تستهدف مواقع تسيطر عليها داعش، وأنها سوف تستمر بضعة أسابيع).

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث