تؤكد أماكن الضربات الأميركية الأخيرة والمواقع المستهدفة في البادية السورية، ضمن عملية "ضربة عين الصقر" ضد تنظيم "داعش"، والتي بدأها الجيش الأميركي الأسبوع الماضي، افتقار القوات الأميركية والتحالف الدولي لبنك المعلومات الاستراتيجي القادر على شل حركة التنظيم وإضعافه في سوريا، مقابل استمرار منهجية القتال القائمة على المعلومات الاستخباراتية وعمليات الانزال الجوي.
وأتت العملية رداً على مقتل جنديين أميركيين وإصابة ثلاثة آخرين، إثر اختراق أمني نفذه مسلح لاجتماع ضم مسؤولين سوريين ووفد من التحالف الدولي في منطقة تدمر بريف حمص.
واستهدفت الضربات عشرات الأهداف التابعة لتنظيم "داعش" في الصحراء السورية، بحسب بيان القيادة الوسطى الأميركية "سنتكوم" الذي تحدث عن ضرب أكثر من 70 هدفاً في أنحاء وسط سوريا بواسطة مروحيات هجومية وطائرات مقاتلة وبالمدفعية.
أهداف مكشوفة
واهتمت القوات الأميركية في خطابها، على توصيف الضربات في سياق العمل العسكري الانتقامي رداً على هجوم تدمر، بهدف امتصاص غضب الداخل الأميركي، وتجنب تعريض الإدارة الأميركية لضغوط إضافية للتراجع عن سياساتها اتجاه حكومة دمشق.
وتركز الاستهداف على موقعين رئيسيين، الأول قرب حقل آراك للغاز شمال شرق مدينة تدمر، إلى جانب قاعدة الإمام علي التي أنشأتها المليشيات الإيرانية غرب مدينة البوكمال بريف دير الزور، خلال فترة وجودها في سوريا.
بينما جاءت غالبية خسائر التنظيم من جراء عمليات استخباراتية مشتركة نفذتها القوات الأميركية في بعض المناطق والحكومة السورية في مناطق أخرى شمال سوريا وريف دمشق، إضافة إلى عمليات الإنزال الجوي التي نفذها التحالف الدولي بمشاركة قوات عراقية في البادية السورية.
عمليات فاشلة
ويعتبر الخبير العسكري العميد عماد شحود، الضربة الأميركية وما رافقها، نوع من العمل الاستعراضي وخلق رد فعل عن حادثة تدمر، دون أن تحمل أي نتائج عسكرية ملموسة على الأرض، أو تسجيل خسائر فعلية في صفوف التنظيم ومقدراته.
ويوضح شحود في حديثه لـ"المدن"، أن التنظيم لم يعد قوة عسكرية متحركة على أساس السيطرة، حيث أعاد هيكلة نفسه منذ هزيمته عام 2017، وتحول من المواجهة المباشرة إلى العمل المخابراتي القائم على نشر خلايا صغيرة واتباع أسلوب الاستهداف الخاطف، ما يجعل من مواجهته محصورة بالمعلومات والتفكيك.
ويقول شحود إن "داعش"، بدأ بعد سقوط نظام بشار الأسد، "باتباع أسلوب جديد للبقاء والفاعلية، متمثلاً بالفوضى المنظمة بالاعتماد على الخلايا الأمنية وعدم الارتباط بين مجموعاته، وتنفيذ عملياتهم دون تنسيق مع هرم القيادة، عدا العمليات النوعية التي تأتي بأوامر مباشرة"، متحدثاً عن الظاهرة أخطر وهي "اختراق المنظومة الأمنية، مستغلاً ضعف المؤسسة الأمنية وأجهزة المخابرات".
ونتيجة لهذا التحول، يرى أن "كل العمليات التي نفذتها الولايات المتحدة وغيرها في منطقة البادية، من قصف وإنزال جوي واشتباكات، كانت فاشلة تماماً، لعدم نجاعة أدوات الحرب المفتوحة، فضلاً عن المعلومات المغلوطة المقدمة من قبل استخبارات قسد، التي انطلقت على أساسها كثير من عمليات الإنزال في سوريا".
حرب المخابرات
ويضع اعتماد التنظيم أساليب الضربات الخاطفة بما يعرف بعمليات "الاختراق والدفاع السلبي"، دمشق أمام فرصة كبيرة لإثبات قدراتها كشريك فاعل في الحرب على الإرهاب، لجهة خبرة منظومتها الأمنية في عمليات ملاحقة وتفكيك خلايا داعش شمال البلاد.
لكن هذا النجاح مرهون، بحسب شحود، بالاعتراف أولاً بطريقة حرب التنظيم ودراسة أنماط تحولاته العسكرية التي تعتمد على الاختراق والمعلومات، وبعدها العمل على منظومة المخابرات السورية وإعادة هيكلتها "وهي نقاط أساسية لتفوق دمشق وتحصيلها الدعم الغربي".
لكن الباحث في مركز عمران للدراسات، علي العبد المجيد، يؤكد دخول الحكومة السورية الحرب الأمنية والاختراق ضد "داعش"، حيث "نجحت خلال الأيام الماضية بتفكيك وتحييد العديد من خلايا التنظيم في الشمال السوري والبادية وصولاً إلى قلب العاصمة وريفها".
ويوضح أن المؤسسة الأمنية بدأت فعلياً استيعاب طرق التنظيم وأماكن حضوره، لتتحرك على المستوى الأمني والتقني من خلال عملها على نشر أبراج اتصالات لتسهيل المتابعة والرصد في المناطق النائية والمهجرة التي ينشط فيها عناصر التنظيم، من ريفي حلب وادلب الجنوبي وصولاً إلى البادية السورية شرق طريق "إم-5"، وهي المناطق التي شهدت على غالبية عمليات التنظيم مؤخراً.
ويقول لـ"المدن"، إن "المنظومة الأمنية السورية التي تشكل هيئة تحرير الشام ركيزتها الأساسية، تمتلك خبرات كبيرة في محاربة التنظيم، اكتسبتها خلال فترة حكمها للشمال وإدارة ملف التنظيم والجماعات المتشددة، وفعلياً هي صاحبة التجربة الأنجح مقارنة مع مليشيا قسد التي فشلت في هذا الأسلوب، وبالتالي فإن تحركات دمشق تظهر مساراً جديداً هدفه تحييد التنظيم والتضييق عليه".
ويشير المجيد إلى أن المؤسسات الحكومية بحاجة إلى المزيد من الوقت لتمكين قبضتها على "داعش"، نتيجة افتقارها للمعدات اللوجستية وأدوات الاتصال والتجسس، حيث تعمل على الاستفادة من مساعدات بعض الدول في هذا المجال، إلى جانب محدودية الكوادر الأمنية وقلتها حتى اليوم.
