تقدم تفاوضي حذر بين موسكو وواشنطن.. وكييف تعرض تسوية دونباس

المدن - عرب وعالمالخميس 2025/12/25
زيلينسكي.jpg
بين التفاوض والتصعيد: موسكو تختبر السلام وزيلينسكي يرفع سقف التنازلات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في ظل مسار تفاوضي يوصف بالحذر والمتدرج، أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن المفاوضات الجارية بين موسكو وواشنطن بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا تشهد "تقدماً بطيئاً لكنه ثابتاً"، في إشارة إلى مسار سياسي تحاول روسيا تثبيته رغم ما وصفته بمحاولات أوروبية لإفشاله.

وقالت زاخاروفا، في تصريحات صحافية، إن "التقدم المحرز يتم تحديداً في إطار التفاوض مع الولايات المتحدة"، معتبرة أن دولاً أوروبية غربية تسعى إلى "نسف هذا التقدم"، وداعية واشنطن إلى كبح هذه التحركات إذا كانت جادة في الوصول إلى تسوية سياسية.

 

رأي عام روسي يتهيأ لنهاية الحرب

وتزامنت تصريحات الخارجية الروسية مع نتائج استطلاع رأي نشره مركز استطلاعات الرأي الحكومي الروسي "VTsIOM"، أظهر أن 55%  من الروس يتوقعون انتهاء الحرب في أوكرانيا خلال عام 2026، في مؤشر فسره مراقبون على أنه تمهيد تدريجي للرأي العام الروسي تجاه احتمال إبرام تسوية.

ونقل نائب رئيس المركز، ميخائيل مامونوف، أن 70% من المشاركين في الاستطلاع، الذي شمل ألف و600 شخص، يرون أن عام 2026 سيكون "أكثر نجاحاً لروسيا" مقارنة بالعام الحالي، مشيراً إلى أن هذا التفاؤل يرتبط أساساً بإمكانية "إنهاء العملية العسكرية الخاصة وتحقيق الأهداف المعلنة بما يتوافق مع المصالح الوطنية".

وفي السياق ذاته، أفاد مركز "ليفادا" المستقل، المصنف "عميلاً أجنبياً" في روسيا، بأن 66%  من الروس يؤيدون فتح مفاوضات سلام، وهي النسبة الأعلى منذ اندلاع الحرب.

 

الكرملين يدرس الخطة الأميركية

في موازاة ذلك، أعلن المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف أن موسكو "تحلل خطة السلام الأميركية" التي نُقلت إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر كيريل دميترييف، الممثل الخاص للتعاون الاقتصادي الدولي.

وأوضح بيسكوف أن روسيا ستواصل التواصل مع الجانب الأميركي "بناءً على القرار الذي سيتخذه الرئيس"، مشيراً أيضاً إلى أن بوتين بعث رسالة تهنئة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمناسبة عيد الميلاد، في خطوة رمزية تعكس استمرار قنوات الاتصال السياسية.

وكان البيت الأبيض قد أعلن سابقاً عن مسودة محدثة لخطة سلام أميركية عقب مشاورات مع كييف من دون الكشف عن تفاصيلها، فيما تحدثت وكالة "أسوشييتد برس" عن خطة من 28 بنداً أعدتها الإدارة الأميركية لإنهاء الحرب.

 

شروط موسكو ورد كييف

ويكرر بوتين في الأسابيع الأخيرة أن أي سلام مشروط بتنازل أوكرانيا عن الأجزاء المتبقية من إقليم دونباس التي لا تزال تسيطر عليها، إضافة إلى تخلي كييف رسميًا عن الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي "الناتو".

في المقابل، قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن المفاوضات مع الولايات المتحدة ودول أوروبية "باتت قريبة جداً من نتيجة حقيقية"، داعياً إلى لقاء مباشر مع ترامب لحسم القضايا الأكثر حساسية، وفي مقدمتها مسألة السيطرة على الأراضي.

وكشف زيلينسكي عن استعداد كييف لبحث تسوية غير مسبوقة تقوم على إنشاء منطقة منزوعة السلاح ومنطقة اقتصادية حرّة في القلب الصناعي لشرق أوكرانيا، إذا وافقت موسكو على سحب قواتها بالمثل وخضع الترتيب لإشراف دولي.

وأوضح أن المقترح طُرح ضمن خطة من 20 بندا ًجرى بلورتها خلال مفاوضات مكثفة مع الولايات المتحدة في ولاية فلوريدا، مؤكدًا أن السيطرة على دونباس تمثل "النقطة الأصعب" في أي اتفاق سلام محتمل.

وبحسب زيلينسكي، تقوم الفكرة الأميركية على إنشاء "منطقة اقتصادية حرّة" منزوعة السلاح تشمل مناطق صناعية في دونيتسك ولوغانسك، مع انسحاب متوازٍ للقوات الروسية والأوكرانية، وانتشار قوات دولية في نقاط محددة لمراقبة تنفيذ الاتفاق. وأشار إلى أن تفاصيل الانسحاب وخطوط التماس وتموضع القوات الدولية "تحتاج إلى نقاشات صعبة وعلى مستوى القادة"، مؤكداً أن أي اتفاق نهائي سيُعرض على استفتاء شعبي في أوكرانيا.

في المقابل، لم تُبدِ موسكو أي استعداد علني للموافقة على هذا الطرح، مكتفية بالقول إنها ستحدد موقفها بعد تلقي تقييم دميترييف لاجتماعاته مع الموفدين الأمريكيين.

 

محطة زابوريجيا… عقدة إضافية

وتوسع الطرح الأوكراني ليشمل محطة زابوريجيا النووية، الأكبر في أوروبا والخاضعة حاليًا للسيطرة الروسية، حيث اقترح زيلينسكي أن تتحول مدينة إنرهودار المحيطة بها إلى منطقة اقتصادية حرّة منزوعة السلاح.

وبينما اقترحت واشنطن نموذج كونسورتيوم ثلاثي أوكرانيا–الولايات المتحدة–روسيا بحصص متساوية لإدارة المحطة، وصف زيلينسكي الفكرة بأنها "غير واقعية بالكامل"، مقترحاً بدلاً من ذلك مشروعاً مشتركاً أوكرانياً–أمريكياً يمنح واشنطن حرية توزيع حصتها، بما في ذلك منح جزء منها لروسيا إن رغبت. وأكد أن إعادة تشغيل المحطة تتطلب استثمارات بمليارات الدولارات تشمل إصلاح السدّ المجاور والبنية التحتية للطاقة.

 

ضمانات أمنية وانتخابات مؤجلة

وأشار زيلينسكي إلى أن المسودة التفاوضية تتضمن ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا، على غرار المادة الخامسة من ميثاق "الناتو"، تلزم الشركاء بالتحرك في حال تجدد أي هجوم روسي، على أن تُفصل هذه الضمانات في وثيقة منفصلة مع الولايات المتحدة تُوقع بالتزامن مع اتفاق إنهاء الحرب.

كما تنص الخطة على الإبقاء على قوام الجيش الأوكراني عند 800  ألف جندي في زمن السلم، وتحديد موعد واضح لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، وتسريع اتفاق تجارة حرّة مع الولايات المتحدة، وإطلاق حزمة إعادة إعمار تستهدف جذب 800 مليار دولار، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بعد توقيع الاتفاق، بعد تأجيلها منذ 2024 بسبب الحرب.

 

تصعيد ميداني متواصل

وعلى الرغم من الحديث عن تقدم تفاوضي، تواصلت التطورات الميدانية، إذ أعلنت السلطات الروسية اندلاع حريق في خزاني نفط بميناء تيمريوك في إقليم كراسنودار إثر هجوم بطائرة مسيّرة، مؤكدة أن النيران امتدت إلى مساحة  آلاف متر مربع دون تسجيل إصابات.

كما أعلنت بولندا أن مقاتلاتها اعترضت طائرة استطلاع روسية فوق بحر البلطيق قرب مجالها الجوي، في حادثة تعكس استمرار التوتر العسكري على أطراف النزاع، وسط تعزيز أوروبي متزايد لأنظمة المراقبة والدفاع الجوي.

وتعكس هذه التطورات تداخل مسارين متوازيين مسار سياسي بطيء تحاول موسكو وواشنطن تثبيته، ومسار عسكري وأمني لا يزال مفتوحاً على احتمالات التصعيد. وفي هذا السياق، تكشف مبادرة زيلينسكي عن أعلى سقف تنازلي تطرحه كييف منذ اندلاع الحرب، في محاولة للاقتراب من الموقف الأمريكي وتفكيك العقدة الإقليمية–الاقتصادية في دونباس.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث