تعيش سوريا في الأسابيع الأخيرة حراكاً دبلوماسياً وأمنياً لافتاً، عكسه تزامن زيارتين عاليتي المستوى: الأولى لوفد تركي أمني عسكري سياسي إلى دمشق، والثانية لوفد سوري رسمي إلى موسكو.
حراكٌ يأتي في لحظة انتقالية حسّاسة، بعد التحولات الجذرية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وما فرضته من إعادة صياغة للأولويات والتحالفات، داخلياً وإقليمياً ودولياً.
وأوضحت وزارة الخارجية التركية أن الزيارة تهدف إلى متابعة تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025، المرتبط مباشرة بأولويات الأمن القومي التركي.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك في دمشق مع نظيره السوري أسعد الشيباني، أكد وزير الخارجية التركية هاكان فيدان، أن أنقرة تولي أهمية كبيرة لاستقرار سوريا، وأنهم مستعدون لتقديم جميع أشكال الدعم لتحقيق ذلك، محذراً في الوقت نفسه من استمرار الوضع القائم في شمال شرقي البلاد، ولا سيما ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وفي لهجة حملت تحذيراً واضحاً، قال فيدان في مقابلة تلفزيونية لاحقة: "نأمل أن تمضي الأمور عبر الحوار والمفاوضات وبشكل سلمي، لا نريد أن نرى أي حاجة للجوء إلى الوسائل العسكرية مجدداً، لكن على قسد أن تدرك أن صبر الأطراف المعنية بدأ ينفد".
وأشار فيدان إلى أن قوات سوريا الديمقراطية تنفذ بعض أنشطتها بالتعاون مع إسرائيل، معتبراً أن ذلك يهدد وحدة الأراضي السورية ويعقّد مسار الاستقرار.
زيارة روسيا
بالتوازي مع الحراك التركي، توجّه وفد سوري رسمي برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الدفاع مرهف أبو قصرة إلى العاصمة الروسية موسكو، في زيارة وُصفت بالحساسة، ضمّت أيضاً مسؤولين في الاستخبارات العامة.
وتندرج الزيارة في سياق محاولة إعادة ضبط العلاقات مع موسكو، الحليف التقليدي للنظام السابق، بعد أقل من عام على التحولات التي شهدتها البلاد.
ورغم الفتور الذي شاب العلاقة إثر منح روسيا لجوءاً إنسانياً لبشار الأسد، إلا أن دمشق الجديدة تعتمد مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على المصالح المتبادلة لا الارتباطات السابقة.
بالنسبة لموسكو، تمثل إعادة التواصل مع دمشق الجديدة فرصة للحفاظ على موطئ قدم في سوريا، في ظل تصاعد أدوار إقليمية ودولية أخرى.
أما دمشق، فتسعى إلى إدارة العلاقة بواقعية، توازن بين إعادة الإعمار وترتيب الملفات الأمنية، والانفتاح على شركاء متعددين.
تشابك روسي-تركي
وفي هذا السياق، قال الباحث عبد الحميد توفيق، رئيس مركز النهضة للأبحاث والدراسات، في حديثه لـ "المدن": "الحركة الدبلوماسية المكثفة التي تشهدها سوريا اليوم، سواء من الجانب التركي أو الروسي، يمكن وضعها ضمن إطار واحد عنوانه أن سوريا باتت بؤرة توتر من جهة، وبؤرة استقطاب من جهة أخرى، على المستويين الإقليمي والدولي".
وأضاف توفيق لـ"المدن"، أن "التشابك في العلاقة الروسية–التركية على الأرض السورية ليس جديداً، فمنذ التدخل الروسي عام 2015، شهدنا تصعيداً تلاه دائماً نوع من التوافقات النسبية التي فرضتها المصالح".
وأوضح أن "الزيارة السورية إلى موسكو ترسل إشارة واضحة بأن دمشق تدرك أن المصالح الروسية في سوريا لا يمكن تجاهلها، سواءً تعلق الأمر بالقواعد العسكرية، أو بالعلاقة مع القوى الكردية، وفي مقدمتها قسد".
حزمة ترتيبات
من جهته، يرى المحلل السياسي الروسي ديمتري بريدجة، في حديثه لـ "المدن"، أن "دمشق تدير حزمة ترتيبات إقليمية متصلة، عنوانها ضبط الشمال، وتثبيت قواعد العلاقة مع موسكو، ومنع انزلاق سوريا إلى تعدد ساحات اشتباك في وقت واحد".
وأضاف أن "هناك مسارين متوازيين: مسار دمشق أنقرة، وهو أمني ميداني سريع الإيقاع، هدفه منع تصعيد محتمل مع قسد؛ ومسار دمشق موسكو، وهو استراتيجي أعمق، يهدف إلى إعادة تعريف العلاقة بعد سقوط النظام السابق، بما يشمل القواعد والاقتصاد والملفات الأمنية".
وأشار بريدجة إلى أن "ملف قسد هو المفتاح، لكنه ليس الوحيد، إذ لا يمكن حل ملفات الجنوب أو الساحل دون مقاربة شاملة لهذا الملف"، لافتاً إلى أن إدخال إسرائيل في خطاب أنقرة يرفع كلفة استمرار أي كيان مستقل شمال شرق سوريا، ويقلل التعاطف الدولي معه.
وبينما تبقى نتائج الزيارتين رهن المباحثات، تتعدد السيناريوهات المحتملة، بين صفقة مرحلية تضمن دمجاً تدريجياً لـ"قسد" مع دور روسي ضامن، أو تصعيد محدود للضغط السياسي، أو حتى تدويل أوسع لملف الشمال في حال تعثرت التفاهمات.
ووسط كل ذلك، تبدو سوريا اليوم ساحة مركزية لتقاطع المصالح التركية والروسية، فيما تحاول دمشق الجديدة إدارة هذا التشابك بحذر، منعاً لانفجار داخلي أو إقليمي.
وبينما قد تكون سوريا جسر توازن بين القوى المتنافسة، يحذر مراقبون من أنها قد تتحول، إذا أسيء إدارة هذه التوازنات، إلى منعطف خطير في العلاقة بين أنقرة وموسكو، وفي مستقبل الاستقرار الإقليمي بأسره، وفق وجهة نظرهم.
