ترافق التصعيد العسكري الأخير في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب، بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مع حراك عشائري داعم للحكومة السورية الجديدة. وهذه المرة الأولى التي تدخل فيها العشائر المنتشرة بكثافة في الأحياء الشرقية بحلب، على خط المواجهة بشكل علني، حيث أعلنت في بيان، استعدادها للقتال إلى جانب الدولة حتى بسط سيطرتها الكاملة على الأراضي السورية.
ولم يقتصر الحراك العشائري على البيانات، بل شمل خروج مسيرات في أحياء كرم حومد، الصالحين، وكرم الأفندي وغيرها، رفعت شعارات مؤيدة للحكومة، في مشهد يعكس عودة العشائر إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري في المدينة.
بيان البكارة ورسائل القوة
كان لافتاً تصوير بيان دعم الحكومة من قبل مجلس شورى قبيلة البكارة في أحياء كانت قبل سقوط النظام المخلوع معقلاً بارزاً للميليشيات المدعومة من إيران. أبناء تلك الأحياء الذين كانوا جزءاً من تلك الميليشيات، أصبحوا اليوم من أشد الموالين للنظام الجديد، والمستعدين للدفاع عنه.
وأظهر البيان المصور مقاتلين ملثمين من أبناء القبيلة يحملون أسلحة خفيفة، وقالوا فيه: "مستعدون لتقديم الأرواح في سبيل ذلك حتى بسط السيطرة للدولة السورية الجديدة".
وأثار هذا الظهور مخاوف من أن تنزلق المواجهات مع "قسد" في حلب إلى تشكيل "فزعات" عشائرية جديدة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مدى إمكانية انخراط العشائر في أي مواجهة لصالح الحكومة السورية، خاصة أن هذه القوى تمتلك خبرة قتالية سابقة وشبكات نفوذ محلية واسعة.
جدل حول تعويم قادة الميليشيات
الظهور العلني لعدد من قادة الميليشيات المرتبطة بالنظام المخلوع وإيران سابقاً في مناسبات رسمية وشبه رسمية داخل سوريا، أثار موجة واسعة من الجدل والغضب الشعبي مؤخراً. وبرزت تساؤلات كثيرة حول دوافع هذا التعويم المفترض وتداعياته السياسية والأخلاقية، في مرحلة يُفترض أن تقوم على العدالة الانتقالية والمحاسبة لا إعادة تدوير الشخصيات المتورطة بالانتهاكات.
ويرى محللون أن تعويم بعض قادة الميليشيات قد يُفسر كخيار براغماتي لإدارة مرحلة انتقالية معقدة، يقوم على احتواء مراكز النفوذ القديمة والاستفادة منها في المواجهات مع القوى المختلفة التي تمنع السيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية.
وبحسب مراقبين، يمكن افتراض وجود عفو غير معلن من الحكومة السورية الجديدة عن عدد كبير من قادة وعناصر تلك الميليشيات، مقابل ضمان ولائهم المطلق ومساندتهم الدولة في أي معركة، فيما لا يزال غير واضح ما إذا كان عفواً مؤقت يهدف إلى استثمار الزخم العشائري في مواجهة "قسد"، أم أنه خطوة استراتيجية طويلة الأمد.
فزعات منضبطة تحت إدارة الدولة
ويقول الكاتب والمحلل السياسي محمد السكري لـ"المدن"، إن الرئيس السوري أحمد الشرع عندما تحدث عن الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة، "لم يكن يقصد فقط الانتقال من الفوضى إلى المؤسسات، بل أيضاً اعتماد البنية التقليدية للدولة السورية، بما فيها البنية العشائرية".
وأضاف السكري أن الكثير من عناصر العشائر وبينهم عناصر في الميليشيات التي كانت تقاتل مع النظام المخلوع والميليشيات الإيرانية سابقاً، خصوصاً في حلب، شاركوا مؤخراً كقوة رديفة للجيش السوري الجديد في معارك السويداء، عندما انطلقت "الفزعات" باتجاه المنطقة قبل أشهر.
وبحسب السكري، فإن البيان الأخير لقبيلة البكارة بالتزامن مع التصعيد العسكري في الشيخ مقصود، لم يكن بدفع مباشر من الحكومة، معتبراً أنه "من الصعب أن تزجّ الدولة بهذه القوى العشائرية في الفترة الحالية"، لكنه أشار إلى إمكانية استخدامها كوسيلة لإدارة الفوضى داخل مناطق سيطرة "قسد"، مؤكداً أن الحكومة باتت أكثر قدرة على ضبط الفزعات وتوجيهها بما يتناسب مع إرادة الدولة وتوجهاتها، بعد أن تعلمت من التجارب السابقة.
ويرى أنه في حال إطلاق عملية عسكرية واسعة ضد "قسد" شمال شرق سوريا مثلاً، قد تلجأ الحكومة إلى قوات العشائر خارج مناطق سيطرتها، مستفيدة من الخطاب العصبوي المرتبط بالهويات الفرعية، والذي يحقق أثراً أكبر في المواجهات داخل مناطق سيطرة "قسد"، حيث يكون خطاب العشائر أعلى تأثيراً من خطاب الدولة.
ويعكس المشهد في حلب اليوم تداخل البنية العشائرية مع المعادلة العسكرية والسياسية، فبين التصعيد مع "قسد" وبيانات العشائر التي تلوح بالقوة، وبين تعويم قادة ميليشيات قديمة وظهورهم العلني، تبدو الحكومة السورية الجديدة أمام تحدٍ مزدوج، الاستفادة من الزخم العشائري دون الانزلاق إلى فوضى الفزعات، وضبط القوى التقليدية بما يخدم مشروع الدولة.
