"الرمح الجنوبي" لترامب: هل يقتلع نظام مادورو ويسطو على نفطه؟

علي دربجالخميس 2025/12/25
Image-1766680419
(Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بقلقٍ بالغٍ ممزوجٍ بالخوف من أن يأتي الدَّور على دولٍ أُخرى، يترقّب العالم اللحظة التي تنهمر فيها صواريخ المدمرات وقنابل الطائرات الأميركيّة ذات الأوزان الثقيلة على فنزويلا، في محاولة لاقتلاع نظام الرّئيس نيكولاس مادورو بذرائع مختلفة بدأت بـ"تدفّق المخدّرات ومكافحة عصابات تهريبها"، لتتدرج لاحقًا بالاتهام بسرقة "النفط والأراضي وأصولًا أخرى"، ليضيف إليها وزير خارجيّته مارك روبيو حجّة أُخرى، وهي التعاون مع إيران وحزب الله.
وبناءً على ذلك، صعّد الرّئيس دونالد ترامب الثلاثاء الماضي من حملات الضغط السياسي والعسكري ضد حكومة مادورو، معلنًا أنّها منظّمة إرهابيّة أجنبيّة، كما أمر بفرض حصار كامل وشامل على جميع ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات والتي تدخل إلى هذا البلد أو تغادرها. اللافت أنّ هذه الإجراءات تزامنت مع حشود عسكرية ضخمة وهائلة في منطقة الكاريبي.

 

واشنطن وعسكرة مياه الكاريبي

منذ آب/أغسطس الماضي، تعمل الولايات المتحدة على تجميع قواتها وأصولها العسكرية بمواجهة السواحل الفنزويلية، وقد أطلقت على هذه العملية اسم "الرمح الجنوبي"، عبر إعلان رسمي نشره وزير الدفاع بيت هيغسيث في 13 تشرين الثاني/نوفمبر.
بدأت العملية بإرسال المجموعة البرمائية بقيادة حاملة الطائرات يو إس إس إيو جيما (LHD-7) – التي تضم حوالي 4500 فرد من البحّارة، ونحو 2200 من وحدة المشاة البحرية الثانية والعشرين – فضلًا عن عدد من المدمّرات، ثم جرى تعزيزها نهاية الشهر ذاته، بسبع سفن حربية إضافية وغواصة هجومية تعمل بالوقود النووي نُشرت في جنوب الكاريبي، مُشكّلةً وجودًا بحريًا وجويًا غير مسبوق في المياه قبالة سواحل فنزويلا.
أكثر من ذلك، حقّقت واشنطن في تشرين الثاني الفائت قفزة نوعية مع وصول مجموعة الهجوم التي تقودها حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد آر فورد، الأكبر والأكثر تطوّرًا في البحرية الأميركية، يرافقها مقاتلات F-35، وأخرى مُسيّرة من طراز MQ-9 Reaper، وقاذفات استراتيجية من طراز B-52 وB-1، وسفينة دعم العمليات الخاصة MV Ocean Trader.
ليس هذا فحسب، زادت الولايات المتحدة من استخدام المنشآت العسكرية في بورتوريكو، عبر إعادة تفعيل قواعد قديمة وتكييفها لعمليات مستدامة تشمل طائرات مقاتلة وطائرات نقل، ما رسّخ الأرخبيل كمنصّة لوجستية أساسية.

 

أميركا وذريعة المخدرات لتبرير الهجوم على كاراكاس

عمليًا، لم يكن الحشد الأميركي في الكاريبي مجرّد استعراض للقوّة، إذ ما لبثت أن شرعت إدارة ترامب بتوجيه ضربات استهدفت القوارب والسفن الفنزويلية في بحر الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، حيث بلغ عددها حتى الآن 28 ضربة، وقد أسفرت عن مقتل ما لا يقلّ عن 104 أشخاص، وفقا لصحيفة الواشنطن بوست.

لكن مهلاً، افتقدت هذه الهجمات إلى الشرعيّة كونها حصلت دون تفويض صريح من الكونغرس الأميركي، ما أدّى إلى صدام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حول استخدام القوّة.
علاوة على ذلك، يؤكّد الخبراء أنّ المخدّرات التي تصل إلى المدن الأميركية من فنزويلا محدودة وهامشية. فمعظم الكوكايين المنتج في كولومبيا والذي يصل إلى الولايات المتحدة يمر عبر الإكوادور والمحيط الهادئ، في حين أنّ جزءًا كبيرًا من "الفنتانيل" وغيره من المخدّرات الاصطناعية المتّجهة إلى أميركا، والتي تُعدّ الصداع الحقيقي لدونالد ترامب وتشكل مشكلة صحّة عامة حقيقية في البلاد، يُنتَج في مختبرات في المكسيك وأميركا الوسطى.

 

ترامب ونفط فنزويلا

بعيدًا عن التبرير الأوّلي المتمثّل في كبح تهريب المخدّرات — وهو ما لا يتطلّب حاملة طائرات — فإن مستوى وطبيعة الانتشار العسكري يشيران إلى هدفٍ أكثر سياسيّةً واستراتيجيّة، ألا هو السيطرة على نفطها.
كانت فنزويلا، ولا تزال، تمتلك أكبر احتياطيات نفطيّة مؤكّدة في العالم، تشمل النفط الخام الخفيف والثقيل للغاية، ومن أبرزها رواسب منطقة فاجا ديل أورينوكو الهائلة.

ضع في اعتبارك، أنّه حتى مطلع الألفيّة الجديدة، كانت الولايات المتحدة الشريك التجاري الرئيسي لفنزويلا والمستورد الطبيعي لنفطها. فلعقود طويلة، عملت شركات النفط الأميركيّة الكبرى – إكسون، وموبيل، وشيفرون، وكونوكو فيليبس – في ظل ظروف تفضيليّة للغاية في فنزويلا، مستفيدةً من الوضع القانوني لشركة النفط الفنزويليّة السابقة (PDVSA)، التي امتلكت، عبر شركة سيتجو، ما يصل إلى ثماني مصافٍ على الأراضي الأميركيّة.
الجدير بالذكر، أنّه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وخلال ما يُعرف بفترة "فنزويلا السعوديّة"، كانت العلاقات مع واشنطن متداخلة بعمق: تعاون دائم في مجال الطاقة، واصطفاف دبلوماسي في المنتديات الإقليميّة، وروابط اقتصاديّة شديدة الاعتماد المتبادل، إلى أن العلاقة تكاد تكون حينذاك "جسديّة/حميميّة" وفقًا للمحلّلين.
لكن صعود الرئيس الرّاحل هوغو تشافيز إلى السلطة بين عامي 1999–2000 شكّل تحوّلًا كبيرًا، إذ أطلق الأخير قطيعة تدريجيّة مع الولايات المتحدة، وأقام تحالفًا استراتيجيًا مع روسيا والصين وإيران، وتُوّج هذا التحوّل بعمليات التأميم، وطرد الشركات الأميركيّة، وإعادة الهيكلة الكاملة لقطاع الطاقة. وبالنهاية أغلقت واشنطن في العام 2018 معظم تمثيلها الدبلوماسي في كاراكاس، واعترفت بالمعارضة كسلطة شرعيّة.

 

خيارات واشنطن تجاه فنزويلا

في الواقع، عند التدقيق في الدوافع الحقيقيّة لهذا التجمّع العسكري غير المعهود في منطقة الكاريبي، نجد أنّ هناك عدّة خيارات قد يلجأ إليها ترامب ويمكن تلخيصها بالآتي:
أوّلها: استخدام التهديدات العسكريّة لدفع مادورو إلى التنحّي طوعًا.
ثانيها: توسيع نطاق الأهداف ليشمل هجمات برّيّة أو عمليّات لقوات خاصّة ضد حقول النفط أو ضد القوّات والقواعد العسكريّة الفنزويليّة، الأمر الذي من شأنه زيادة الضغط على مادورو للبحث عن مخرج.
أمّا الخيار الثالث فيتمثّل في تنفيذ هجوم مباشر على مادورو وأهداف أخرى للنظام، باستخدام الصواريخ أو الطائرات.

 

في المحصّلة:

ما يستبعده الجميع هو غزو واحتلال عسكري، وبالتالي الإتيان بحكومة ديمقراطيّة موالية لواشنطن. فترامب يفضّل الاستخدام السريع والكاسح والحاسم للقوّة، وقد عبّر دائمًا عن شكوكه إزاء الحملات العسكريّة المطوّلة التي لا أفق واضحًا لنهايتها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث