ماذا عن السياسة الخارجية الهندية في مرحلة مودي؟

وائل عوادالأربعاء 2025/12/24
Image-1766522371
اتجاهات السياسة الخارجية الهندية في مرحلة مودي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شهدت السياسة الخارجية الهندية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي تحولات عميقة، تمثل انتقال نيودلهي من خطاب التضامن الأيديولوجي وعدم الانحياز إلى مقاربة براغماتية تركز على المصالح الاقتصادية والأمنية. وقد تعمق هذا التحول منذ العام 2014 مع صعود رئيس الوزراء ناريندرا مودي، حيث تزامن توثيق الشراكة الهندية–الإسرائيلية، لا سيما في المجال الأمني، مع إعادة صياغة العلاقات العربية–الهندية وفق منطق المصالح الاستراتيجية. وتمثل قضية كشمير نقطة تقاطع حساسة بين هذين المسارين، بما تحمله من انعكاسات مباشرة على مكانة الهند في العالم العربي.

في عهد ناريندرا مودي، أعيد تعريف العلاقات العربية–الهندية ضمن إطار براغماتي يركز على المصالح الاستراتيجية، بما في ذلك تأمين احتياجات الطاقة، وتوسيع التجارة، وحماية الممرات البحرية، وتعميق التواصل مع الجالية الهندية في الخارج. وقد لعبت الثقة الشخصية التي بناها مودي مع قادة الدول العربية دورًا محورياً في تعزيز هذه العلاقات. فقد مثلت القدرة على التواصل المباشر والمستمر تحولًا في النظرة التقليدية للعالم العربي تجاه الهند، وعززت موقع نيودلهي كطرف يُنظر إليه بجدية ومسؤولية في المنطقة.

وقد انعكس هذا النهج في الخطاب الرسمي، الذي يؤكد أن العلاقات مع العالم الإسلامي تشهد أفضل مراحلها، وأن سياسة مودي المدعومة بعلاقات شخصية قوية وطاقة سياسية واضحة أرست معايير جديدة في العلاقات الهندية–العربية. ولا شك أن هذا الزخم الدبلوماسي أسهم في فتح مجالات تعاون واسعة في قطاعات الطاقة، والتجارة، والاستثمار، والربط البحري، وأمن الممرات الاستراتيجية، وهو ما يجعل الهند شريكًا محوريًا في نهضة آسيا.

 

من عدم الانحياز إلى البراغماتية الأمنية

خلال عقود الحرب الباردة، ارتكزت السياسة الخارجية الهندية على دعم قضايا التحرر الوطني، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهو ما أسس لعلاقات وثيقة مع العالم العربي. ومع نهاية الحرب الباردة، وتراجع الاعتبارات الأيديولوجية، وصعود التحديات الأمنية الداخلية، بدأت الهند في إعادة تعريف أولوياتها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، برزت إسرائيل كشريك أمني قادر على تزويد الهند بالتكنولوجيا العسكرية المتقدمة والخبرات الاستخباراتية، خصوصاً في إدارة النزاعات ذات الطابع القومي– الديني.

تُعدّ قضية كشمير النزاع الأكثر تعقيدًا في الحسابات الأمنية الهندية، وقد لعبت دورًا محوريًا في تعميق العلاقات مع إسرائيل. فخلال حرب كارغيل عام 1999، قدمت إسرائيل دعماً عسكريًا وتقنيًا عاجلاً للهند، ما عزز الثقة المتبادلة ومهّد لتوسيع التعاون الأمني.

 وقد أسهم صعود حزب بهاراتيا جاناتا القومي الهندوسي في تسريع هذا التحول، إذ وجد في إسرائيل نموذجًا لدولة قومية قوية تعتمد المقاربة الأمنية الصارمة في مواجهة ما تعتبره تهديدات وجودية، سواء داخل حدودها أو في محيطها الإقليمي.

ومنذ ذلك الحين، تطور هذا التعاون ليشمل مجالات الطائرات من دون طيار، وأنظمة المراقبة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وأمن الحدود. وتجاوز الامر لممرات اقتصادية بالتعاون مع الولايات المتحدة واسرائيل والامارات العربية المتحدة I2U2

 

كشمير وفلسطين – تقاطع السرديات وتباين السياقات

ما زالت الهند تعتبر نفسها من الدول الأوائل التي اعترفت بدولة فلسطين وفتحت لها سفارة في العاصمة الهندية دلهي. ومع ذلك وبالرغم من الاختلافات القانونية والتاريخية بين قضيتي كشمير وفلسطين، فقد بات واضحاً في التقارب في السرديات الأمنية. فالهند، بتأثير من شراكتها مع إسرائيل، تميل إلى نزع الطابع السياسي عن النزاع في اقليم جامو وكشمير، وربطه بالإرهاب العابر للحدود، وهو الخطاب ذاته الذي تستخدمه إسرائيل لنزع الشرعية عن المقاومة الفلسطينية.

وقد انعكس هذا التحول في المواقف الهندية داخل المحافل الدولية، حيث أصبحت نيودلهي أكثر تحفظًا تجاه قضايا تقرير المصير، خشية أن تُسقط هذه المبادئ على كشمير. ويؤدي هذا التراجع إلى إضعاف أحد الأسس التي قامت عليها العلاقات العربية– الهندية تاريخيًا، والمتمثل في دعم الشرعية الدولية والقضايا العادلة.

 

أمن الطاقة والممرات البحرية

تحتل المنطقة العربية موقعًا محوريًا في الحسابات الاستراتيجية للهند، إذ تستحوذ على أكثر من ثلثي واردات النفط الخام، إضافة إلى نسب مهمة من الغاز الطبيعي. وقد تعاملت حكومة مودي مع أمن الطاقة بوصفه قضية أمن قومي، ما دفعها إلى تعزيز الشراكات الطويلة الأمد مع الدول العربية المنتجة للطاقة، وتشجيع الاستثمارات المتبادلة في قطاعات التكرير والتخزين. كما شمل هذا التوجه حماية الممرات البحرية وضمان أمن خطوط الإمداد، بما يعكس إدراكًا هندياً متزايدًا بأن النفوذ في غرب آسيا لا يتحقق عبر الدبلوماسية وحدها، بل عبر الحضور الاقتصادي والأمني في الممرات الاستراتيجية.

 

الجالية الهندية ودور نفوذ القوة الناعمة

تتأثر سياسة الهند في الشرق الأوسط أيضًا بوجود نحو 9 ملايين عامل هندي  مقيمون في المنطقة، خصوصاً في دول الخليج. وهناك قرابة 14 مليون هندي يزورون الخليج العربي سنوياً. يمثل دخل هؤلاء المغتربين ما يقرب من 28.6% من التحويلات المالية إلى الاقتصاد الهندي وبالتالي  تُشكل هذه الجالية الهندية ،مصدرًا مهمًا للنمو وقضية انتخابية في الوقت نفسه، تستغل من قبل رئيس الوزراء الهندي حيث  يقوم بها بلقاء أبناء الجالية الهندية، في استعراض جماهيري يبث مباشرة على معظم القنوات الهندية . وأصبحت الجالية الهندية في الدول العربية، خصوصاً في الخليج، أحد أعمدة العلاقات الثنائية في عهد مودي، سواء من حيث تحويلاتها المالية أو دورها في تعزيز النفوذ الناعم للهند. غير أن هذا العامل الإيجابي يواجه تحديات، أبرزها القلق العربي من انعكاسات السياسات الداخلية الهندية ذات الطابع القومي والديني، وما قد تسببه من توترات تمس استقرار العلاقة على المستوى الشعبي.

 

التناقض البنيوي وحدود التوازن الاستراتيجي

يتمثل التحدي الأكبر في سياسة الهند الخارجية في عهد مودي في محاولة الجمع بين:

  • شراكة أمنية متقدمة مع إسرائيل
  • علاقات استراتيجية مع العالم العربي
  • مقاربة أمنية صارمة في كشمير.

وعلى الرغم من استمرار العلاقات الاقتصادية بين الهند والدول العربية، خصوصاً في مجال الطاقة والعمالة، فإن تعاظم التعاون الأمني الهندي– الإسرائيلي يهدد بإضعاف الثقة السياسية المتبادلة. فالدول العربية تنظر بعين القلق إلى انخراط الهند في شراكات أمنية مع طرف يُعدّ خصمًا استراتيجيًا للعالم العربي.

يشيرعدد من الباحثين والمراقبين إلى أن التقارب الذي انتهجته حكومة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع إسرائيل، في إطار تبني خطاب "مكافحة الإرهاب العابر للحدود"، يمثل خيارًا استراتيجيًا يثير نقاشًا واسعًا حول جدواه وانعكاساته. ويذهب هؤلاء إلى أن هذا التوجه قد يكون ناتجًا عن تقديرات استراتيجية لم تُختبر بشكل كافٍ على أرض الواقع، خاصة في ظل اختلاف السياقات التي تتحرك فيها كل من الهند وإسرائيل والولايات المتحدة في تعاملها مع ظاهرة الإرهاب.

فبينما تنظر الهند إلى مكافحة الإرهاب من زاوية تتصل بأمنها الداخلي ونزاعاتها الإقليمية، تعتمد إسرائيل مقاربة أمنية ذات خصوصية عالية، مرتبطة بسياقها الإقليمي وطبيعة صراعها مع الفلسطينيين. ويؤدي هذا التباين في المقاربات إلى تساؤلات حول مدى قابلية هذا التقارب للتحول إلى شراكة فعّالة ومتوازنة تخدم المصالح الهندية على المدى الطويل.

كما يلفت بعض المراقبين إلى أن الدعم السياسي الذي قدمته إسرائيل للموقف الهندي خلال تلك المرحلة، برغم ما وفره من غطاء دبلوماسي محدود، قد حمل في طياته تداعيات غير مباشرة على علاقات الهند مع كل من باكستان والعالمين العربي والإسلامي. ويُضاف إلى ذلك أن هذا التقارب أثار نقاشًا حول تأثيره المحتمل على قدرة الهند على الحفاظ على تأييد دولي واسع لسياساتها، في ضوء حساسيات القضايا الإقليمية المرتبطة بإسرائيل وموقعها في النظام الدولي.

كما أن التماهي المتزايد بين الخطاب الأمني الهندي والإسرائيلي قد يؤدي إلى تقليص هامش الدور الهندي التقليدي كقوة متوازنة في الشرق الأوسط، ويضعف قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول أو الشريك السياسي غير المنحاز.

ومن زاوية المصالح الهندية ذاتها، فإن هذا المسار قد يحمل مخاطر استراتيجية، إذ إن تغليب البعد الأمني والتحالف مع إسرائيل قد يعرّض علاقات الهند مع العالم العربي والإسلامي لتوترات مستقبلية، خصوصاً في ظل تنامي الوعي الشعبي العربي بالقضايا الفلسطينية وتزايد الربط بين التحالفات الدولية والمواقف من الصراع العربي–الإسرائيلي.

إن مستقبل العلاقات العربية–الهندية سيعتمد على قدرة نيودلهي على إعادة التوازن بين متطلبات الأمن والمصالح الاستراتيجية من جهة، واحترام الإرث التاريخي والاعتبارات السياسية التي منحت الهند مكانة إيجابية في الوعي العربي من جهة أخرى. فقط من خلال هذا التوازن يمكن للهند أن تحوّل زخم علاقاتها مع العالم العربي إلى شراكة مستدامة وطويلة الأمد، تساهم في نهضة آسيا وتعزز حضور الهند الدولي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث