حين لا تكون الوزارة مجرد وزارة: حالة سلام سفاف

خاص - المدنالأربعاء 2025/12/24
Image-1766599505
العقوبات طالت سلام سفاف بوصفها جزءاً من حكومة الأسد (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

في السنوات الأخيرة من عمر النظام السوري، لم تعد السلطة تُقرأ من خلال المناصب وحدها. لم يعد الموقع الرسمي كافياً لفهم من يقرّر، ولا الصفة الوزارية كافية لتحديد حجم النفوذ الحقيقي. داخل هذا المشهد الملبّد، برزت شخصيات عملت بصمت، لكن أثرها كان أعمق من حضورها العلني. من بين هذه الأسماء، تبرز سلام سفاف بوصفها حالة تستحق التفكيك، لا لأنها الأكثر ظهوراً، بل لأنها تمثّل نمطاً خاصاً من السلطة: سلطة الإدارة حين تتحوّل إلى أداة حكم.

 

قلب الدولة

لم تدخل سلام سفاف الحياة العامة من بوابة السياسة التقليدية، بل عبر مسار أكاديمي ــ إداري بدا، في بداياته، تقنياً أكثر منه سياسياً. تكوينها العلمي وخبرتها في الإدارة العامة جعلاها اسماً مناسباً لمرحلة كان النظام يقدّمها بوصفها مرحلة "إصلاح إداري" و"تحديث مؤسسات". غير أن هذا المسار، الذي انطلق نظرياً، سرعان ما وُضع في سياق سياسي أوسع، حيث لم تعد الإدارة شأناً تقنياً صرفاً، بل أصبحت جزءاً من منظومة الضبط وإعادة إنتاج السلطة.

وعندما تسلّمت حقيبة التنمية الإدارية، لم تكن الوزارة في صدارة الاهتمام الشعبي، لكنها كانت، في الواقع، واحدة من أكثر الوزارات حساسية. فهي المعنية بالهياكل التنظيمية، والأنظمة الداخلية، والتوصيف الوظيفي، وتوزيع الصلاحيات؛ أي إنها تمسك، نظرياً على الأقل، بمفاتيح إعادة ترتيب الدولة من الداخل.

 

وزارة بلا ضجيج

على خلاف وزارات السيادة، لم تكن وزارة التنمية الإدارية مساحة سجال علني أو حضور إعلامي كثيف. لم تُقاس إنجازاتها بمشاريع ملموسة، ولا بإجراءات يشعر بها المواطن مباشرة. غير أن قراراتها، داخل الجهاز الحكومي، كانت تتقاطع مع عمل كل مؤسسة تقريباً: من توصيف الوظائف، إلى إعادة الهيكلة، إلى برامج التدريب، وصولاً إلى آليات تقييم الأداء.

هذا الموقع منح سلام سفاف قدرة استثنائية على التأثير، لا عبر قرار سياسي مباشر، بل من خلال إعادة تعريف القواعد نفسها. فحين يُعاد صياغة النظام الداخلي لمؤسسة ما، أو تُعدَّل آليات التقييم والترفيع، لا تُمارَس السلطة بوصفها أمراً صريحاً، بل كإطار عام يحدّد ما هو ممكن وما هو مستحيل، ومن يبقى داخل المنظومة ومن يُدفع إلى هامشها.

مع مرور الوقت، لم تعد التنمية الإدارية تُقدَّم بوصفها أداة لتحسين الأداء، بل كآلية ضبط وإدارة. لم يكن الهدف المعلن تغيير الوجوه، بل "رفع الكفاءة". غير أن مفهوم الكفاءة، في السياق السوري، لم يكن مهنياً خالصاً، بل معياراً مرناً يتداخل فيه الإداري بالأمني، والوظيفي بالسياسي.

في هذا الإطار، بدأ يُنظر إلى الوزارة باعتبارها مساحة فرز صامتة: من ينسجم مع القواعد الجديدة يستمر، ومن يخرج عنها يُعاد تدويره، أو يُهمَّش، أو يُقصى بهدوء. لم تكن هناك قرارات صدامية أو إجراءات فجّة، بل إدارة بطيئة للتغيير، تغيّر الكثير من دون أن تعلن ذلك صراحة.

 

موقع مُحصَّن داخل الحكومة

بحسب مصدر خاص تحدّث إلى "المدن"، تجاوز موقع سلام سفّاف داخل الحكومة، في مراحل معيّنة، حدود الحقيبة الوزارية نفسها. وينقل المصدر أن رئيس الحكومة حينها كان يتعامل معها بحذر بالغ، إلى حدّ اعتبار أن أي خلاف معها لا يُقرأ بوصفه خلافاً إدارياً عادياً، بل يُفهم، في سياق السلطة، على أنه خلاف مع شخص الرئيس المخلوع بشار الأسد. وفي إحدى المرّات، طالب أحد الوزراء بالاعتذار منها.

هذا التصوّر، سواء كان دقيقاً بالكامل أم مشوباً بالمبالغة، أدّى دوراً حاسماً في تحصين موقعها داخل مجلس الوزراء. فالسلطة في سنواتها الأخيرة لم تكن تُدار عبر الأوامر المباشرة وحدها، بل من خلال الإشارات، والرسائل غير المعلنة، وحدود النفوذ الضمنية. وفي مناخ كهذا، لم يعد القرار وحده أداة سلطة، بل أصبح الانطباع بحدّ ذاته شكلاً من أشكال النفوذ.

 

بين الإصلاح والضبط

في خطابها العلني، كانت سلام سفاف تتحدث عن تحديث الإدارة، وبناء القدرات، وإعادة هيكلة المؤسسات بما يتناسب مع "مرحلة ما بعد الحرب". لغة تقنية محسوبة، تخلو من الشعارات الكبرى. غير أنّ هذه اللغة، حين تُقرأ في سياقها السياسي الأوسع، كانت تؤدي وظيفة مزدوجة: تطمين الخارج بوجود مسار إصلاحي، وضبط الداخل عبر إعادة تنظيمه وفق معايير جديدة.

لم يكن هذا التناقض استثناءً في بنية الحكم، لكنه بدا أكثر وضوحاً في حالة وزارة التنمية الإدارية، بحكم موقعها عند تقاطع الدولة كجهاز إداري، والسلطة كنظام حكم. ففي هذا التقاطع تحديداً، تتحول مفردات الإصلاح إلى أدوات تنظيم وضبط، ويتداخل التقني بالسياسي من دون إعلان صريح.

 

زمن الانهيار

مع اقتراب النظام من لحظة الانهيار، لم تتغيّر نبرة وزارة التنمية الإدارية كثيراً. بقي الخطاب محافظاً، يدعو إلى الاستمرارية، وحماية المؤسسات، وعودة الموظفين إلى أعمالهم. في تلك المرحلة، لم يعد السؤال المطروح متعلّقاً بفعالية السياسات بقدر ما بات مرتبطاً بوظيفتها: هل كانت محاولة فعلية للحفاظ على الدولة، أم إدارة هادئة لمرحلة السقوط؟

في هذا السياق، بدا ظهور سلام سفاف في تلك الأيام، بلهجة عقلانية تدعو إلى "الانتقال السلمي" و"حماية الممتلكات العامة"، وكأنه يعكس إدراكاً بأن اللعبة السياسية كانت قد انتهت، وأن ما تبقّى لم يعد سوى إدارة الخسائر.

على المستوى الدولي، لم تكن سلام سفاف شخصية معزولة عن سياق العقوبات المفروضة على النظام السوري. فإدراج اسمها ضمن قوائم العقوبات الغربية جاء في إطار التعامل مع الحكومة السورية بوصفها منظومة متكاملة، لا مجموعة أفراد منفصلين. لم يكن القرار مرتبطاً بملف محدّد بقدر ما كان تعبيراً عن موقعها داخل السلطة التنفيذية ودورها ضمن بنيتها.

هذا الإدراج أعاد إلى الواجهة سؤالاً قديماً ومتجدداً: هل يُحاسَب المسؤول على دوره التقني أم على موقعه السياسي؟ في الحالة السورية، بدا الفصل بين الاثنين متعذّراً. فالدور التقني كان سياسياً بحكم السياق، فيما أُدير السياسي بلغة تقنية تخفّف من حدّته، من دون أن تنفي طابعه السلطوي.

 

بعد السقوط

مع سقوط دمشق، اختفت سلام سفاف عن المشهد العام. لم تصدر بيانات، ولم تظهر صور، ولم يُعرف على وجه الدقة أين انتهى بها المطاف. ما يُتداول عن مغادرتها البلاد، أو بقائها داخلها، أو عن وضعها القانوني، يظل في إطار الروايات غير المؤكدة، المتقاطعة من دون تثبيت رسمي.

لكن الغياب نفسه يحمل دلالة. فالسلطة التي اشتغلت طويلاً عبر الإدارة، ومن خلال إعادة تنظيم الهياكل والأنظمة، انسحبت من المشهد بصمت إداري مشابه. لا مواجهة، ولا تبرير، ولا خطاب وداعي. انسحاب هادئ يوازي، في شكله، الطريقة التي أُديرت بها السلطة في سنواتها الأخيرة.

في المحصلة، لا يمكن اختزال سلام سفاف في صورة واحدة. فهي ليست مصلِحة بالمعنى الكلاسيكي، ولا مجرّد تكنوقراط محايدة، ولا شخصية أمنية صريحة. بل هي نتاج مرحلة حاول فيها النظام أن يُدير أزمته عبر الإدارة لا السياسة، وعبر القواعد لا القرارات الصدامية.

القصة، في جوهرها، ليست قصة وزيرة، بل قصة دولة سعت إلى إنقاذ نفسها من خلال إعادة ترتيب ملفاتها، قبل أن تكتشف، متأخرة، أن المشكلة لم تكن في الهياكل، بل في منطق الحكم نفسه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث